الأحد 10 يناير 2021 11:36 م

بعد 10 أعوام من قيام "ثورة الياسمين" في تونس بإشعال انتفاضات شعبية أخرى في مصر واليمن والبحرين وسوريا، أدت الأزمة الاقتصادية والفساد المستشري والاقتتال السياسي إلى تعزيز القطيعة العميقة مع المؤسسة السياسية في البلاد. وتعاني تونس من أزمة ثقة ليس فقط في الديمقراطية بل في السياسة نفسها.

وشجعت خيبة الأمل من الديمقراطية في تونس الأصوات الشعبوية المتنافسة التي تتجلى في جهود القادة المتنافسين لإقناع أتباعهم بأن آلامهم نابعة من مكائد يعدها هذا العدو أو ذاك. وفي هذا الصدد، يشيرون في بعض الأحيان إلى العلمانيين "المفلسين أخلاقيا" أو الإسلاميين "المرتبطين بالخارج" أو "متآمرين" مجهولين.

ولأن هؤلاء القادة يفتقرون إلى القوة الكافية لفرض إرادتهم على منافسيهم، فإنهم يفضلون تشويه سمعة أعدائهم بدلا من تقديم بديل موثوق. ولا يبشر هذا الوضع بالخير في عام 2021.

تقاسم السلطة يولد خيبة الأمل

ويقدم المدافعون عن الشعبوية رسالة واحدة مهيمنة؛ حيث يؤكدون أنه بسبب الدعم التي تتلقاه النخبة السياسية من قبل قوى داخلية وخارجية، فإنها تدافع عن نظام خان الهوية الحقيقية والأصلية للشعب. وتنشر مثل هذه الادعاءات سحرها عندما ينظر المواطنون إلى السياسة الوطنية على أنها مجرد لعبة فاسدة.

وظهرت الشعبوية في تونس جزئيا كرد فعل على نظام تقاسم السلطة، الذي يُنظر إليه الآن على نطاق واسع على أنه غير فعال وفاسد. ومع ذلك، بعد أن أدت الحكومة الجديدة اليمين في 3 سبتمبر/أيلول 2020، تعززت الآمال في تشكيل حكومة فعالة من تكنوقراط مستقلين.

وساعد قرار حزب "النهضة" الإسلامي بالانضمام إلى "قلب تونس"، وهو حزب علماني موالي للغرب بقيادة "نبيل القروي"، رجل الإعلام المليونير، في تأمين دعم البرلمان للحكومة المقترحة برئاسة رئيس الوزراء "هشام المشيشي". لكن هذه الشراكة أشارت أيضا إلى أن الحكومة الجديدة، مهما كانت مستقلة، ستظل ملزمة بقيود تقاسم السلطة بين قادة الأحزاب المتناحرة وأحزابهم.

وتفاقمت هذه الكراهية بعد أن دعم "القروي" محاولة زعيم حزب النهضة "رشيد الغنوشي" أن يصبح رئيسا للبرلمان. ومن خلال إبرام صفقة مع "القروي"، الذي أعيد اعتقاله في 24 ديسمبر/كانون الأول بتهم غسل الأموال والتهرب الضريبي، أثار "الغنوشي" حفيظة خصومه الراديكاليين في المعسكرين العلماني والإسلامي. فلقد رأوا في مناوراته دليلا على أن القيمة الوحيدة التي تحرك الطبقة السياسية هي السلطة.

لكن هذا العداء للأحزاب الداعمة للحكومة الجديدة لم ينتج معارضة موحدة أو فعالة. وبدلا من ذلك، أثار خصوم "المشيشي" ادعاءات شعبوية منافسة في محاولة لتشويه سمعة النظام السياسي وتقويض القيم الديمقراطية التي يفترضون أن هذا النظام يحميها.

الشعبوية الإسلامية

ومن خلال ظهور تيار محافظ أخلاقيا يمزج بين السلفية مع روح جهادية، برز تحالف "الكرامة" كأقوى داعٍ إسلامي في تونس للشعوبية. وبقيادة "سيف الدين مخلوف"، المحامي الكاريزمي الذي غالبا ما يظهر مبتسما، يمتلك "الكرامة" 21 مقعدا في البرلمان المؤلف من 217 عضوا، أي مقعد واحد فقط خلف "التيار الديمقراطي" العلماني.

وتتمثل استراتيجية "مخلوف" في تعزيز الصراع والخلاف من خلال إلقاء القنابل الأيديولوجية على أهداف متعددة، وهم العلمانيون، وإسلاميو النهضة، وناشطو حقوق المرأة والمثليين، والمسؤولون الفرنسيون، وحتى الرئيس "قيس سعيد". كما أثار ضجة من خلال اتهام مسؤولي الصحة بتجاهل ما زعم أنه لقاح محلي لفيروس "كوفيد-19"، حين حمل قنينة مزعومة عرضها في البرلمان في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني. ومع ذلك، حتى وإن تم السخرية من مثل هذا الادعاء على نطاق واسع، فإن التلاعب المحسوب من قبل "الكرامة" بقضايا الهوية قد أثار الأتباع والأعداء على حد سواء.

وتتعلق إحدى هذه القضايا بفرنسا. وعملت اعتداءات الكرامة اللفظية على النفوذ السياسي والثقافي والاجتماعي لفرنسا على التشكيك في ولاء النخبة السياسية والاجتماعية الحداثية في تونس. لكن بخلاف اتهامات عدم الولاء، اعتبر زعيم الحزب، "راشد الخياري"، في يونيو/حزيران 2020، أن مؤسس الدولة التونسية الحديثة، "الحبيب بورقيبة"، ابن الإمبريالية الفرنسية. وأثار هذا الاتهام احتجاجا من قادة الأحزاب التي ترى أن مفهوم الدولة المدنية يردد صدى مبادئ "بورقيبة" الدستورية.

وشجبت "عبير موسى"، زعيمة "الحزب الدستوري الحر"، والمدافعة المتحمسة عن إرث "بورقيبة"، تصريحات "خياري"، ما ساعد على إثارة الصراع على الهوية، كما أراد "الخياري" تماما.

لكن تصريح "الخياري"، الذي جاء بعد أن قدم "الكرامة" مشروع قرار يطالب فيه فرنسا بالاعتذار عن كل الجرائم التي ارتكبتها ضد الشعب التونسي، أحرج أيضا "راشد الغنوشي"، الذي تعرض لانتقادات شديدة من قبل الأحزاب الليبرالية واليسارية لسماحه، بقصد أو دون قصد، لـ "الخياري" بالحديث في المقام الأول. وفي حين فشل القرار في جمع العدد الكافي من الأصوات، فقد أيده قادة "النهضة" و"الكرامة"، ما أظهر قدرة الأخير على دفع "النهضة" في اتجاه تصادمي رغم سعي "الغنوشي" للحفاظ على علاقات جيدة مع الأحزاب الليبرالية، وخاصة "قلب تونس".

وفي أكتوبر/تشرين الأول، أثار "الكرامة" مرة أخرى عاصفة من الجدل بعد مقتل "صموئيل باتي"، المدرس في مدرسة فرنسية بالقرب من باريس، والذي تم قتله بعد أن استخدم رسوما كاريكاتورية مسيئة للنبي "محمد" (صلى الله عليه وسلم) كجزء من درس في التربية المدنية. واغتنم "الخياري" الفرصة مرة أخرى لإثارة قضية الهوية، حيث صرح على صفحته على "فيسبوك" أن "أي اعتداء على الرسول هي جريمة من أعظم الجرائم، وأن كل من يجرؤ على فعل مثل هذا يجب أن يتحمل العواقب، سواء كانت دولة أو فرد أو مجموعة".

وحققت كلمات "الخياري" هدفه. وأصدرت مجموعة من المثقفين والمنظمات غير الحكومية ذات التوجه العلماني بيانا غاضبا يطالبون فيه بإلغاء الحصانة البرلمانية عن "الخياري" حتى يمكن محاكمته بتهمة "دعم الإرهاب"، ومع ذلك دعمه العديد من النواب ونظم بعضهم احتجاجات أمام البرلمان، وتلا هذا المطلب تحقيق أولي من قبل القضاء. وأدرج "الخياري" الموقعين على بيان المنظمة غير الحكومية على صفحته على "فيسبوك"، واصفا إياهم بأنهم مجرد "عملاء" لفرنسا.

وجاءت آخر ضربة استفزازية لـ"الكرامة" في 4 ديسمبر/كانون الأول. وفي حديثه أمام البرلمان، أصر النائب عن الكرامة "محمد العفاس" على أنه بينما يوفر الإسلام الحقوق الكاملة للمرأة، فإن النساء اللاتي يقمن بعلاقات جنسية خارج إطار الزواج "فاسدات أخلاقيا"، ووصف الأمهات دون زواج على وجه الخصوص بأنهن "عاهرات"، أما "ما يسمى بالإنجازات الحقوقية"، فهي "قوضت كرامة المرأة التونسية".

وأثارت هذه الكلمات شجارا داخل البرلمان، حيث ورد أن العديد من نواب "الكرامة" اعتدوا على آخرين من التيار الديمقراطي، بما في ذلك "سامية عبو". ويبدو أن "عبو" الناشطة البارزة في مجال حقوق المرأة قد أُغمي عليها بينما تعرضت زميلتها "أنور بنشيد"، لجرح قطعي في الوجه. وبعد أن تم بث الشجار على "فيسبوك"، دعت 5 أحزاب تونسية إلى رفع الحصانة البرلمانية للسماح بتوجيه التهم إلى النواب المتهمين بارتكاب الهجوم.

وبالرغم أن هناك روايات متضاربة عن المشاجرة، فإن تصريحات "العفاس" أنتجت تأثيرها المقصود؛ فقد كثفت الاتهامات بين خصوم "الكرامة" العلمانيين والإسلاميين. وحاول "الغنوشي" تجنب استعداء كلا المعسكرين من خلال إدانة "أي شكل من أشكال العنف". ومع عدم رضاهم عن هذه الكلمات الفاترة، هاجمه قادة "التيار الديمقراطي"، الذين دعموا في السابق جهدا فاشلا لحجب الثقة عن "الغنوشي"، لأنه لم يدن أولئك الذين حملوهم المسؤولية عن المشاجرة.

وتصاعد الموقف بعد لقاء الرئيس "قيس سعيد" بنواب التيار الديمقراطي. وفي مقابلة تلفزيونية، وبّخ "مخلوف" الرئيس لاستضافته الاجتماع قبل إجراء تحقيق، وأشار مرة أخرى إلى أنه لم يعد يعترف بـ "سعيد" كرئيس.

"عبير موسى" الشعوبية العلمانية

وفي حين لم يرد أي زعيم تونسي على استفزاز "الكرامة" أكثر من "عبير موسى"، فإن الأيديولوجية التي تنادي بها هي وحزبها "الدستوري الحر" هي المقابل لشعبوية "الكرامة". وفي حين أن الأخير يعتقد أن الإسلام، وبالتالي الشريعة الإسلامية، هو الهوية الأصيلة الوحيدة لتونس، يرى الحزب "الدستوري الحر" أن الدستورية والعلمانية والقومية توفر الأسس التاريخية والنفسية والروحية للشعب التونسي.

ويصر زعماء الحزب "الدستوري الحر" على الطعن في شرعية أي حزب أو زعيم إسلامي مثلما يفعل قادة "الكرامة" من خلال شيطنة جميع أشكال العلمانية. ويعتبر كل منهما الآخر على أنه حامل لمرض غريب يجب إخراجه من الجسد السياسي.

لكن هذه الشعبوية المتنافسة تختلف فيما يبدو بطرق متناقضة. وفي الوقت الذي يعارض فيه "الكرامة" العلمانية، لم يطالب صراحة بحظر الأحزاب العلمانية. على النقيض من ذلك، سعى الحزب "الدستوري الحر" إلى حظر جميع الأحزاب الإسلامية بما في ذلك حزب "النهضة". وتزعم "عبير موسى" خطأ أن الأخيرة مجرد امتداد لجماعة "الإخوان المسلمون" في مصر وفروعها الإقليمية، ولهذا السبب فهي "تهديد للسيادة الوطنية".

وهكذا فإن الحزب "الدستوري الحر" يدافع عن أجندة استبدادية، أو على الأقل شكل غير ليبرالي للديمقراطية. علاوة على ذلك، تمتد اللاليبرالية إلى العديد من القضايا الاجتماعية. ويعارض الحزب "الدستوري الحر" فكرة الشذوذ، ويدعو إلى إعادة فرض عقوبة الإعدام، ويرفض مقترحات المساواة بين الجنسين في قوانين الميراث.

وفي مجتمع به قطاع محافظ غير ضئيل، فقد أعطى هذا المزيج من المحافظة الاجتماعية والأفكار غير الليبرالية الحزب "الدستوري الحر" ميزة واضحة على الإسلاميين. وفي الواقع، أشار استطلاع أُجري في أغسطس/آب 2020 إلى أن الحزب "الدستوري الحر" سيحصل على ما يقرب من 36% من الأصوات مقابل 22% لحزب "النهضة" و6% لـ"الكرامة".

وتساعد مثل هذه التفاوتات في تفسير سبب تركيز الحزب "الدستوري الحر" على "النهضة" بدلا من "الكرامة". فالجاذبية الشعبية الدائمة للحزب الأول، وإن تضاءلت، واستعداد "النهضة" لدعم تقاسم السلطة في البرلمان الذي يظل رئيسه زعيم "النهضة"، على الأقل في الوقت الحالي، يمنح الحزب "الدستوري الحر" حافزا ليكون أكثر تمييزا من "الكرامة" فيما يتعلق باختيار أعدائه. وهكذا، في الأشهر الأخيرة من عام 2020، كثفت "عبير موسى" هجماتها على "النهضة"، بينما دعت إلى التحول من النظام السياسي المختلط في تونس إلى نظام رئاسي، من شأنه أن يحد من سلطة البرلمان.

الشعبوية الرئاسية لـ"قيس سعيد"

وبحلول نهاية عام 2020، كان معظم قادة تونس غير راضين بشدة عن رئيسهم، رغم أنه حافظ على دعم قوي في المجتمع الأوسع. ومع ذلك فإن هذا الوضع ربما لا يقلقه، فقد فاز "قيس سعيد" في انتخابات 2019 لأنه شخصية مستقلة لا ترتبط بأي حزب سياسي. وأثار دفاعه عن شعبوية اجتماعية غامضة، على أساس المجالس المحلية المنتخبة شعبيا، قلق العديد من قادة الأحزاب ومراقبي وسائل الإعلام. لكنه أشار أيضا إلى أنه يشارك المجتمع الأوسع ازدراء متزايدا للمؤسسة السياسية.

يصور دستور 2014 الرئيس على أنه نوعا ما حكما وطنيا. ويتطلب هذا الدور إدارة النزاعات والارتقاء فوق الصراع بدلا من من الدعوة إلى مشاريع اجتماعية انقسامية أو النهوض بمشروع شعبوي منافس آخر، وهو مشروع يصعب على "سعيد" أن يقدمه لأنه ليس لديه حزب لعرض رسالته أو حشد الدعم من خلاله. ومع ذلك، برز موضوع شعبوي في خطاب الرئيس، وهي اتهاماته بأن جهات فاعلة داخلية أو خارجية (لم يسمها) تعمل على زعزعة الاستقرار السياسي والاجتماعي.

ونظرا لتدهور علاقاته مع جميع القادة السياسيين الرئيسيين، وخاصة "الغنوشي"، لم يكن غريبا أن يلقي "سعيد" باللوم على المؤامرات و"السياسيين الملتويين والمتآمرين" في مشاكل تونس ومشاكله. لكن كما قال منتقدوه الليبراليون، فإن مثل هذا السلوك غير اللائق جعل من الصعب على الرئيس ممارسة السلطة.

وبحلول فجر عام 2021، أشارت كلمات "سعيد" الاستفزازية إلى أنه لا يمكنه لعب دور الحكم السياسي بفعالية. وهكذا، في حين أنه اقترح مؤخرا حوارا وطنيا جديدا حول القضايا الاقتصادية والاجتماعية، فمن المحتمل ألا يحظى اقتراحه بالدعم من خصومه السياسيين لأن الضغط على زر الهوية الشعبوية أكثر إغراء من التعامل مع خيارات سياسية صعبة لا يوجد إجماع بشأنها.

تونس في عام 2021

وفي تونس، كما هو الحال في البلدان الأخرى، بما في ذلك بالطبع الولايات المتحدة، يمكن أن تكون الشعبوية أداة حشد مفيدة، وإن كانت خطيرة في كثير من الأحيان. ومع ذلك، نادرا ما تقدم استراتيجيات فعالة لمعالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والصحية الصعبة.

وبالرغم من ذلك، في العام المقبل، قد تساعد الشعبوية التي تتبناها "عبير موسى" الحزب "الدستوري الحر" في الظهور كلاعب رئيسي في صراع سياسي يمكن أن يختبر حدود الديمقراطية المهزوزة في تونس.

وإذا كانت الديموقراطية في تونس مأزومة، فإن شمال أفريقيا وأوروبا الغربية سيدفعان التكاليف الاجتماعية والإنسانية والسياسية لهذه الأزمة. لذلك ينبغي على لمجتمع الدولي تقديم دعم إضافي بهذا الخصوص. لكن المساعدات الخارجية لن يكون لها تأثير كافٍ ما لم يكن لدى قادة البلاد الإرادة والرؤية لتجنب المسار الاستبدادي الذي اختاره العديد من القادة العرب أو دافعوا عنه في العقد الذي أعقب الربيع العربي.

المصدر | دانييل برومبرج - المركز العربي واشنطن دي سي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد