عقد مضى على ثورة 25 يناير/كانون الثاني في مصر، ولا أدل على حال البلاد الآن من وجه الساحة التي شهدت أهم أحداث الثورة.. ميدان التحرير الذي تحولت إطلالته إلى مظهر فخم يهيمن عليه الصمت وتحيطه أجواء فرعونية.

هكذا جاء وصف مراسل صحيفة "نيويورك تايمز" بالقاهرة "ديكلان والش" لوجه الميدان الجديد، الذي شهدت جنباته الهتاف بأحلام الشباب المصري بوطن تسوده العدالة والحرية، لكنه بات أشبه بساحة أشباح لا يملأ صمتها صخب حركة مرور السيارات.

"أحمد طه" صاحب فندق بالميدان شاهد على ما لحقه من "تطوير" صرف عنه الأجانب أولا ثم المصريين لاحقا، حسبما نقلت عنه الصحيفة الأمريكية.

العزوف عن الإقامة بالميدان ليس ناشئا عن تداعيات جائحة كورونا، بل عن واقع الميدان الجديد، إذ سجل آخر ضيف بالفندق المغادرة تاركًا "طه" جالسًا على سرير غير مرتب في غرفة مهجورة، وهو يفكر في مستقبله.

يستعيد صاحب الفندق ذكرياته بالساحة التي احتشد فيها مئات الآلاف من المصريين قبل عقد من الزمان للإطاحة بالديكتاتور "حسني مبارك"، في ذروة موجة من الانتفاضات بجميع أنحاء المنطقة العربية، عرفت لاحقا باسم "الربيع العربي"، واصفا إياها بـ "المجيدة".

لكن "طه" يعرف الساحة بالكاد الآن، بعدما تحول مركزها الدائري، حيث كان الثوار المبتهجون يتشاركون الهتاف إلى ساحة عشبية ارتفع في وسطها نصب تذكاري فخم، في إطار عملية تجديد بقيمة 6 ملايين دولار، استهدفت "تجميل" الميدان على نسق الساحات الفخمة في أوروبا.

في قلب الساحة مسلة (فرعونية) قديمة مثبتة على قاعدة يحرسها 4 تماثيل تشبه أبي الهول لكن برأس كبش، تم نقلها مؤخرًا من المعبد القديم في الكرنك، ولا تزال مخبأة في صناديقها.

وخلف المسلة، أُعيد طلاء سلسلة طويلة من المباني باللون الكاكي، وتثبيت أضواء فخمة تقود إليها درجات من الجرانيت، وسط حركة مستمرة على الأرصفة من حراس الأمن.

كانت هذه التأثيرات بمثابة تغيير لشخصية "التحرير"، وهو ما أراده بالضبط الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي"، صاحب الأمر بتنفيذها.

فالميدان المعروف بتشابك حركة المرور فيه احتل منذ فترة طويلة مكانة خاصة في ثقافة مصر وتاريخها، منذ أن تم إنشاؤه على قطعة أرض بجوار نهر النيل قبل أكثر من 150 عامًا، وظل ساحة مترامية الأطراف تهدد حكام مصر، إذ كان يعني السيطرة عليه امتلاك القوة لجذب الناس ومن ثم إسقاط السلطة الحاكمة، لكنه لم يعد كذلك الآن.

ولدت ساحة "التحرير" من نزوة حاكم مغرور في منتصف القرن التاسع عشر، عندما أنشأ الخديوي "إسماعيل باشا" شبكة من الطرق الأنيقة، تقليدًا لباريس، تقاربت في فضاء سمي في البداية باسمه: ميدان الإسماعيلية.

بعد أن تولى البريطانيون زمام الأمور في مصر عام 1882، كان الميدان في قلب المشروع الاستعماري، موطنًا لثكنات عسكرية كبيرة، لكنه انقلب لاحقا على المستعمرين عام 1919 عندما اجتاحت مصر ثورة شعبية، ما عجل بخروج بريطانيا منها.

وفي عام 1952، أعاد الضباط الأحرار تسمية الميدان بـ "التحرير"، عندما قام الحاكم العسكري الجديد آنذاك "جمال عبد الناصر" بتدمير الثكنات البريطانية واستبدالها بمقر جامعة الدول العربية، في تحول جسد مد القومية العربية في مصر آنذاك.

وأصبح الميدان لاحقا رمزًا للدولة المصرية، حيث كان المواطنون يمشون عبر ممرات في "مجمّع التحرير"، وهو مبنى مكتبي ضخم يقع في زاوية واحدة "لطلب طوابع وتصاريح من البيروقراطيين الباحثين عن الرشوة" حسبما يصف مراسل "نيويورك تايمز".

إنه ميدان بوجهين.. وجه الدولة البيروقراطية، ووجه المكان الذي يصنع فيه الناس الثورات.. هكذا وصفه اليساري المصري "شوقي عقل".

كان "عقل" طالبا عندما شارك في مظاهرات احتجاجية ضد فشل مصر في استعادة سيناء من إسرائيل عام 1973، وبعد 4 سنوات، كان على خط المواجهة في انتفاضة الخبز التي هزت سلطة الرئيس الراحل "أنور السادات".

واليوم، يدير "عقل" شركة، ويميل إلى الابتعاد عن السياسة، لكنه مع ذلك لم يستطع إخفاء ازدرائه لمظهر "التحرير" الجديد، قائلا: "السيسي حول الساحة إلى معسكر للجيش يتوسطه علم يفترض بنا أن نحييه كل يوم.. نحييه على ماذا؟ هذه ليست مصر".

رغم أن وصول "السيسي" للسلطة لم يكن ليتحقق دون إسقاط "مبارك" في ثورة يناير، ثم الاحتجاجات التي اندلعت ضد أول رئيس مدني منتخب ديمقراطيا في تاريخ مصر (محمد مرسي) عام 2013، إلا أنه تحرك بسرعة لمحو أي أثر للثورة في "التحرير".

أُزيلت الكتابات من جدران الميدان وطُليت الجداريات، واجتاح المسؤولون الأمنيون والمخبرون الساحة، وتم حظر الاحتجاجات، ولم تكن أعمال "تطوير" الميدان الأخيرة سوى الخطوة الأخيرة في تغيير وجهه.

وحتى مع تفشي وباء كورونا بمصر في الصيف الماضي، استمر العمل على تجديد الميدان، بتوجيهات من "السيسي"، وبينما أعجب كثير من المصريين بالتغييرات، لم يجرؤ سوى القليل منهم على البقاء في "التحرير".

ويروي مراسل "نيويورك تايمز" هيمنة الأجواء الأمنية على الميدان، قائلا: "ذات ليلة توقفت للراحة على مقعد جديد خارج المجمع، فإذا بحارس أمن يقول لي: استمر في التحرك".

ويشير مراسل الصحيفة الأمريكية، في هذا الصدد، إلى أن مجمع التحرير في طريقه للتحرك هو الآخر في إطار خطة طموحة لإعادة تشكيل القاهرة بشكل جذري، إذا أمر "السيسي" مجلس النواب والوزارات بالانتقال من وسط العاصمة القديمة إلى "عاصمة إدارية" قيد الإنشاء في الصحراء تبلغ كلفتها 60 مليار دولار.

يصر "السيسي" على أن العاصمة الجديدة ستخفف الضغط على القاهرة، باعتبارها مدينة ضخمة يفترض أن تضم 20 مليون نسمة، لكن منتقديه يرون دافعه أقل نبلا من ذلك، وهو تجريد ميدان "التحرير" من أهميته عبر تحويل مركز السلطة إلى مكان بعيد، حتى لا يتمكن سوى عدد قليل من المصريين من التجمع وإسماع أصواتهم.

وحتى نقل مركز السلطة، يبدو أن الأجواء الأمنية ستظل حاكمة لـ "التحرير"، وهو ما عبر عنه مراسل الصحيفة الأمريكية بقوله: "عندما زرت الميدان ظهر أحد أيام الخريف الماضي، كان ضباط الأمن يجلسون على الجسور فوق النيل ويوقفون المشاة ويفتشون حقائب الظهر الخاصة بهم وهواتفهم المحمولة. ودارت عربات مصفحة مليئة بشرطة مكافحة الشغب حول النصب التذكاري الجديد".

ولما دخل إلى المتحف المصري، وجده قد تغير أيضًا، حيث تم نقل كنوزه الأكثر شهرة، بما في ذلك القناع الذهبي لتوت عنخ آمون، إلى المتحف المصري الكبير، وهو مشروع بكلفة 1.1 مليار دولار، بالقرب من الأهرامات، ويأمل "السيسي" افتتاحه باحتفالات فخمة في يونيو/حزيران المقبل.

معروضات المتحف قدمت حقائق حول طبيعة السلطة في مصر وحكايات طموح الفراعنة وانتصاراتهم وهزائمهم، وبينما تم وضع هؤلاء الذين تركوا موروثات عظيمة كالأهرامات في مناطق بارزة من المتحف، وُضع هؤلاء الذين فشلوا – لسوء حظهم أو لسوء تقديرهم - بزوايا أخرى متربة من المتحف ليطويهم الزمن.

تساءل مراسل الصحيفة الأمريكية: أين سيكون موضع تمثال "السيسي" لاحقا بالمتحف؟ وأقر بأن الإجابة لا يمكن التنبؤ بها، بدليل ما جرى لـ "حسني مبارك" الذي حكم مصر لنحو 30 عاما.

"أحمد طه"، صاحب الفندق لم يعد ينتظر معرفة ذلك المصير، فالرجل كان قادما لأخذ أسرته ونقل وحدات التكييف، استعدادا للمغادرة إلى تونس كي يجربوا حظهم في كسب العيش هناك.

تنهد "طه" وهو ينظر إلى "التحرير" قائلا إنه لا يريد الذهاب وإن قلبه سيبقى في القاهرة، لكن ليس أمامه حاليا خيار آخر سوى المغادرة.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات