الأربعاء 27 يناير 2021 11:03 م

يمكن أن تؤدي إعادة فتح المحادثات الثنائية بين تركيا واليونان إلى انفراجة مؤقتة في نزاعاتهما البحرية في البحر المتوسط​، الأمر الذي سيثبت أنه مفيد سياسيًا لكلا البلدين وينزع فتيل صراع عسكري قريب.

ومع ذلك، فإن إيجاد حل طويل الأمد لنقاط الاحتكاك العديدة بين أثينا وأنقرة يظل غير مرجح.

وبعد فترة توقف دامت 5 سنوات، التقى دبلوماسيون يونانيون وأتراك في إسطنبول في 25 يناير/كانون الثاني على أمل إيجاد أرضية مشتركة فيما يتعلق بالمطالبات البحرية في البحر الأبيض المتوسط.

وبالرغم من تصريح المتحدث باسم الرئاسة التركية "إبراهيم قالن" عشية اجتماع إسطنبول بشأن إمكانية حل جميع المشاكل، فإن أنقرة وأثينا بعيدتان عن حل نزاعاتهما البحرية والإقليمية والثقافية الأعمق.

ويؤكد المنظور المختلف الذي تفضل تركيا واليونان رؤية محادثات 25 يناير/كانون الثاني في ضوئه، مدى صعوبة التوصل إلى توافق في الآراء بشأن القضايا التي يرونها ذات أهمية متباينة، حيث سعت اليونان إلى إبقاء المناقشة مركزة فقط على ترسيم الحدود البحرية وإيجاد حل لمشكلة تداخل مناطقها الاقتصادية الخالصة مع تركيا، لا سيما في بحر إيجه.

أما تركيا فقد سعت إلى نطاق أوسع لمحادثات 25 يناير/كانون الثاني، على أمل التطرق إلى قضايا تتجاوز ترسيم الحدود البحرية، بما في ذلك معاملة الأقلية المسلمة في اليونان ونزع السلاح من الجزر المتنازع عليها في بحر إيجه.

بادرة حسن نوايا تركية

بالنسبة لتركيا؛ فإن اتباع نهج تصالحي مع اليونان يساعد في تجنب المزيد من العقوبات المالية والضغط السياسي من الاتحاد الأوروبي في وقت يشهد ضعفًا اقتصاديًا شديدًا.

ومن المحتمل أن أنقرة تضع في حساباتها أن انفراجة محدودة مع اليونان سوف تعكس حسن النية أمام بروكسل والجهات الفاعلة القوية في الاتحاد الأوروبي مثل فرنسا وألمانيا، اللتين حثتا تركيا على التخلي عن أنشطتها للتنقيب عن النفط والغاز في شرق البحر المتوسط ​​وانتقدتا الإجراءات العسكرية لأنقرة في ليبيا وسوريا.

وتأمل تركيا أن يساعد التعاون المستمر مع الاتحاد الأوروبي في تجنب العقوبات المالية عليها ويضع الأساس لتعاون أعمق في المستقبل بشأن القضايا طويلة الأجل التي تريد تركيا طرحها مع الكتلة.

كما تسعى تركيا جاهدة لمغازلة المستثمرين الأجانب وتجنب المزيد من العقوبات بعد عدة سنوات مضطربة لاقتصادها، حيث جرى استنفاد احتياطي العملات الأجنبية بشكل قياسي في عام 2020، وأدى ارتفاع التضخم إلى تقويض القوة الشرائية للأتراك وكذلك ثقتهم.

ويعتبر الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأكثر أهمية لأنقرة، حيث يمثل 50% من إجمالي الصادرات التركية، وتُعد تركيا أيضًا حصنًا مهمًا للاتحاد الأوروبي، حيث تقدم المساعدة اللوجستية لوقف تدفق المهاجرين واللاجئين إلى الشواطئ الأوروبية مقابل تمويل الاتحاد الأوروبي كجزء من اتفاقية الهجرة لعام 2016 مع بروكسل.

وظلت تركيا منذ سنوات تضغط من أجل توسيع اتفاقية الاتحاد الجمركي لعام 1995 مع الاتحاد الأوروبي، والتي تغطي حاليًا السلع الصناعية فقط، لتشمل قطاعات مثل الخدمات والزراعة والمشتريات العامة.

كما تدور مناقشات بين تركيا والاتحاد الأوروبي منذ 2013 لتقديم إعفاء من التأشيرة للمواطنين الأتراك الذين يزورون دول الاتحاد. 

واستغلت بروكسل مرارًا وتكرارًا المفاوضات الجارية بشأن هاتين المسألتين كوسيلة ضغط في علاقتها مع أنقرة.

اليونان والبحث عن بدائل

وبالنسبة لليونان، فإنها تأمل أن توفر الانفراجة المؤقتة مع تركيا مساحة لبدء مفاوضات مستقبلية محتملة يمكن أن تميل لصالح أثينا، ويبدو أن اليونان توصلت إلى أنه من غير المرجح أن يفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات اقتصادية أكثر إيلامًا على تركيا ككل، وأن العقوبات المجزأة والموجهة هي أقصى ما يمكن توقعه من بروكسل، التي فشلت حتى الآن في تغيير السلوك التركي بشكل كبير في البحر المتوسط.

وقد جعل ذلك أثينا أكثر استعدادًا لإعادة فتح المحادثات الثنائية مع تركيا، من أجل أن يكون لديها على الأقل خيار آخر في متناول اليد عندما تشعر أن الضغط متعدد الأطراف قد انتهى.

فبالرغم من الدعوات اليونانية المستمرة لفرض عقوبات شاملة على تركيا، لم يفرض قادة الاتحاد الأوروبي سوى عقوبات محدودة على الشخصيات والشركات التركية الضالعة في أنشطة أنقرة للتنقيب عن النفط والغاز في شرق البحر المتوسط.

ورداً على هذه العقوبات المحدودة التي فرضها الاتحاد الأوروبي، قالت تركيا إنها لن تغير سلوكها، بالرغم أن أنقرة قامت في العام الماضي بسحب سفن المسح "عروج ريس" و"باربادوس" من المياه المتنازع عليها مع اليونان.

وفي 25 يناير/كانون الثاني، قال المتحدث باسم الحكومة اليونانية "كريستوس تارانتيليس" إن المحادثات مع تركيا "ليست مفاوضات وليس لها آثار ملزمة".

وأضاف أنها تهدف إلى" التقاط الخيط من النقطة التي انقطعت فيها الاتصالات في عام 2016 لمعرفة ما إذا كانت هناك نقطة تقارب تقودنا إلى المفاوضات".

خطوة مبشرة

في نهاية المطاف، سيساعد استئناف المحادثات الثنائية على تجنب نزاع عسكري خطير بين عضوين في الناتو، حتى لو كانت الخلافات العميقة بينهما حتمية الاستمرار.

فتركيا مصرة على تأكيد سيادتها من خلال المطالبات بالأحقية البحرية وأنشطة التنقيب عن الطاقة، كما من غير المرجح أن تتخلى اليونان عن مخاوفها بشأن استمرار توغل تركيا فيما تعتبره مناطقها الاقتصادية الخالصة.

وفي حين أن المحادثات الثنائية التي أعيد فتحها حديثًا لن تخفف مثل هذه النزاعات، فإنها يمكن أن تمنع صراعًا عسكريًا خطيرًا من خلال توفير مساحة لتهدئة التصعيد ستريح بلا شك الدول المجاورة.

فقد شهد عام 2020 عدة حالات من المضايقات والتهديدات البحرية بين تركيا واليونان، بما في ذلك في أغسطس/آب 2020 عندما رافقت سفن حربية تركية سفينة استطلاع تركية، مما أدى إلى نشر اليونان لسفن حربية، وحدوث تصادم.

وكانت اليونان هي من أوقف المحادثات الاستكشافية في عام 2016 بعد 60 جولة، في ظل عدم رضاها عن المنحنى الذي تأخذه المحادثات والغضب من تركيا، ومنذ ذلك الحين وسعت أنقرة أنشطتها للتنقيب عن النفط والغاز.

المصدر | ستراتفور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد