الأربعاء 24 فبراير 2021 04:05 ص

لدى تركيا هدف بعيد المدى وهو أن تصبح قوة عسكرية واقتصادية على المستوى العالمي، ولكن تحقيق هذا الهدف ليس سهلا، فظهور الأزمات أمر لا مفر منه، مما يتطلب وقفات تكتيكية أو عمليات إعادة توجيه استراتيجي.

اليوم، تواجه تركيا تحديات متزايدة داخل النظام الدولي، مما يجبر البلاد على إعادة التفكير في سياستها الخارجية. لذلك تبذل أنقرة جهودا متزايدة لوقف تدهور علاقاتها الخارجية واستقرار وضعها المالي، حتى تتمكن من استئناف سعيها لتصبح قوة عالمية.

وترجع مساعي تركيا لتصبح قوة عظمى إلى تاريخ طويل. ففي ثلاثينيات القرن الماضي، أيّد "مصطفى كمال أتاتورك" نظرية "لغة الشمس" والتي تعتقد بأن جميع اللغات مشتقة من اللغة التركية. أراد "أتاتورك"، الذي كان من أشد المؤيدين للقومية التركية، من خلال ذلك إقناع الدول الأوروبية بأن تركيا كانت واحدة منهم. وخلال فترة حكمه، ربط المؤرخون الأتراك أصول القومية التركية بمعركة ملاذكرد في عام 1071 عندما هزم السلاجقة الجيش البيزنطي وقاموا بغزو الأناضول. 

وتوجد أوجه شبه بين الرئيس "رجب طيب أردوغان" و"أتاتورك"، فكلاهما زعيم شعبوي سعى للتحديث بشكل قوي. وقد أدرك كلا الرجلين بسرعة أن روسيا لن تكون حليفة لبلادهما في سعيها للنفوذ العالمي. بالنسبة لـ"أتاتورك"، لم يكن النموذج السوفيتي جذابا، وبالنسبة لـ"أردوغان"، فإن تاريخ البلدين وجغرافيتهما وتصوراتهما عن قوتهما تقف في طريق التعاون الاستراتيجي. لكن الفارق بين "أردوغان" و"أتاتورك" هو أن "أتاتورك" نظر إلى أوروبا كنموذج للحداثة أراد تكراره في تركيا، بينما يريد "أردوغان" إعادة ربط تركيا بجذورها العثمانية.

وتقف دوافع "أردوغان" لإحياء مجد تركيا الماضي وتحويلها إلى قوة عسكرية واقتصادية وراء بعض الإنجازات الأخيرة. ففي وقت سابق من هذا الشهر، أعلن "أردوغان" أن تركيا تخطط لإرسال مركبة فضائية بدون طيار إلى سطح القمر في عام 2023. فضلا عن إطلاق أول قمر صناعي محلي للاتصالات في عام 2022.

وعلى مدى العقدين الماضيين، طورت تركيا صناعة دفاعية قوية تلبي الآن 70% من احتياجات البلاد من المعدات العسكرية، مع وجود خطط لتحقيق الاكتفاء الذاتي بحلول عام 2053. كما أصبحت تركيا واحدة من 10 دول فقط تصنع السفن الحربية. فيما تعمل أنقرة على تصنيع دبابة حديثة ومقاتلة من الجيل الخامس.

شهدت تركيا أيضًا تطورًا اقتصاديًا مثيرًا للإعجاب على مدار الثلاثين عامًا الماضية. فقد أصبح اقتصادها في المركز التاسع عشر من حيث الحجم على مستوى العالم فيما يحتل المركز الـ13 من حيث القوة الشرائية. كما ارتفع مؤشر التنمية البشرية من 0.58 في عام 1990 إلى 0.82 في عام 2019، مما يضعها في فئة التنمية البشرية المرتفعة جدًا.

وتتمتع تركيا بهيكل اقتصادي حديث، حيث يشارك 65% من القوى العاملة في قطاع الخدمات، و27% في الصناعة، و 8% في الزراعة. بالرغم من الركود الاقتصادي في عام 2018 ووباء COVID-19، ومن المتوقع أن ينمو الاقتصاد التركي بنسبة 4% هذا العام.

التغييرات الأخيرة في السياسة الخارجية

منذ الانقلاب الفاشل عام 2016، شهدت السياسة الخارجية التركية مجموعة كبيرة من التغييرات. وتم استبدال سياسة رئيس الوزراء السابق "أحمد داود أوغلو" المعروفة بـ"صفر مشاكل مع الجيران" مما ضاعف أعداء تركيا في الشرق الأوسط وما وراءه. وعلى مدى السنوات الخمس الماضية، شاركت تركيا في نزاعات مسلحة في شمال العراق وسوريا وليبيا وكاراباخ. كما أنها تحتفظ بوحدات عسكرية كبيرة في قطر وشمال قبرص والصومال.

وقد تدهورت علاقات أنقرة مع أوروبا والولايات المتحدة نتيجة مبادراتها العسكرية في المنطقة، وشراء صواريخ "إس-400" روسية الصنع مما أدى إلى حظر أمريكي على صادرات الأسلحة إلى تركيا واستبعاد أنقرة من برنامج الطائرات المقاتلة "إف-35".

ومع ذلك، يبدو أن تركيا مصممة على جعل عام 2021 عام المرونة السياسية والدبلوماسية. ويحرص "أردوغان" على التعامل بإيجابية مع الإدارة الأمريكية الجديدة بالرغم من تصريحات الرئيس "جو بايدن" خلال حملته الانتخابية وكذلك وزير خارجيته، "أنتوني بلينكن"، والتي اعتبرا فيها أن تركيا لا تتصرف كحليف.

ولا يزال "أردوغان" يعتقد أن دعم الولايات المتحدة للأكراد السوريين هو قلب الخلاف بين البلدين، لكنه خفف من نبرته، مما يشير إلى أن مشاكل تركيا مع العالم الخارجي يمكن حلها من خلال الحوار. وأشار وزير الدفاع التركي أيضًا إلى أن بلاده مستعدة لعدم استخدام صواريخ "إس-400" في محاولة لنزع فتيل التوترات وتجنب العقوبات.

كما قدم "أردوغان" غصن زيتون إلى مصر. ففي سبتمبر/أيلول الماضي، تحدث عن العلاقات التاريخية العميقة بين تركيا ومصر، ودعا إلى الحوار مع القاهرة واعترف بمصالح مصر في ليبيا، وأبدى حرصه على إبرام اتفاق بحري مماثل للاتفاق الذي توصلت إليه أنقرة مع حكومة الوفاق الليبي. وأكد" أردوغان" أن التعاون الاستخباراتي بين البلدين مستمر بالرغم من الخلافات السياسية بينهما. 

كما قدمت تركيا بادرة إيجابية تجاه إسرائيل، حيث تم الإعلان عن اسم سفير جديد في ديسمبر/كانون الأول الماضي بعد بقاء الموقع شاغرا لمدة عامين.

وبالرغم من وجود مساحة للتفاوض على بعض الجبهات، فإن موقف تركيا من "حزب العمال الكردستاني" و"وحدات حماية الشعب" لا يزال ثابتًا حيث تعتبر أنقرة هذه الجماعات تهديدا وجوديا. وقد أعربت أنقرة عن انزعاجها من بيان وزارة الخارجية الأمريكية الأسبوع الماضي بشأن مقتل 13 تركيًا في العراق والذي بدا فيه ترددا في دعم موقف تركيا. ومع ذلك فإن اتصال "بلينكن" مع نظيره التركي والذي قبل فيه الرواية التركية للأحداث يشهد أيضا على انفتاح إدارة "بايدن" على الحوار.

وفيما يخص التوترات في شرق البحر الأبيض المتوسط​​، فلا تزال تركيا غير معترفة باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 لأن أنقرة تعتقد أن هذه الاتفاقية تصب في مصلحة اليونان وقبرص فقط. ولا تتوقع تركيا التوصل إلى اتفاق مع اليونان في عام 2021 لتحديد مناطقها الاقتصادية الخالصة. بالرغم من استعداد "أردوغان" للتفاوض، إلا أنه ليس على استعداد للتنازل عن الكثير بشأن هذه القضية، التي تتمتع بإجماع وطني نادر في تركيا.

وبالنسبة لروسيا، لدى تركيا العديد من الملفات الخلافية المستمرة معها، بما في ذلك ملف سوريا وليبيا وكاراباخ. وفي سوريا، تريد تركيا إنهاء نظام "بشار الأسد" وتحقيق تسوية سياسية شاملة تسمح بعودة اللاجئين السوريين النازحين. وفي كاراباخ، تمكنت تركيا من اختراق الفناء الخلفي لروسيا من خلال دعم حرب أذربيجان لاستعادة المنطقة المتنازع عليها، وبذلك تمكنت من الوصول إلى ممر نهشيفان، وربطها بأذربيجان وكذلك تركمانستان وكازاخستان عبر بحر قزوين.

وبالرغم من مبادراتها الدبلوماسية، ستواجه تركيا عددًا من التحديات هذا العام. فليس متوقعا حل الملفات الخلافية مع الولايات المتحدة في عام 2021، بالرغم أنه من غير المرجح أن تتدهور العلاقات بين البلدين أكثر من ذلك. وبالرغم أن "أردوغان" لا يرغب في حرق الجسور مع إدارة تولت السلطة للتو، فإن التحدي الأكبر الذي يواجهه هو تحديد علاقة تركيا بروسيا. 

وقد يكون التواصل الدبلوماسي لأنقرة أكثر نجاحًا مع جيرانها في الشرق الأوسط. ويبدو أن السعوديين، القلقين من حدوث تحول في سياسة واشنطن تجاه الخليج، وخاصة فيما يتعلق بإيران والحوثيين في اليمن، قد انفتحوا على تركيا في محاولة لتأمين ما يشبه التوازن الإقليمي.

يهتم السعوديون بالتحالف مع إسرائيل، لكنهم لا يستطيعون فعل ذلك بدون دعم دولة إسلامية كبرى، مثل تركيا. وتشير المؤشرات إلى افتتاح فصل جديد من العلاقات الودية بين الرياض وأنقرة. (تحافظ تركيا أيضًا على علاقات جيدة مع قطر، التي كانت هدفا لحصار قادته السعودية لمدة 3 سنوات ونصف وانتهى مؤخرًا).

ترسل السياسة الخارجية لـ"أردوغان" إشارات إلى الغرب مفادها أن تركيا لن تكون خاضعة بعد الآن. وبهذا المعنى، فإن مقاربته في السياسة الخارجية قريبة من نهج "أتاتورك"، الذي دافع بشراسة عن سيادة تركيا واستقلالها. ولكن ربما يكون "أردوغان" هو الزعيم الشرق أوسطي الأكثر استعدادًا لاغتنام الفرص عندما تظهر، وتغيير موقفه عندما تسمح الظروف، كما هو الحال الآن.

المصدر | هلال خاشان - جيبوليتكال فيوتشرز- ترجمة وتحرير الخليج الجديد