الجمعة 26 فبراير 2021 01:56 م

خلق حصار قطر من قبل السعودية والإمارات والبحرين ومصر نظاما سياسيا جديدا في الشرق الأوسط ولم تقتصر تداعيات هذا الانقسام السياسي على المنطقة، بل أثرت على الروابط السياسية والأمنية لطرفي الأزمة مع القرن الأفريقي وجنوب آسيا والعالم الإسلامي عموما.

وفي الوقت الذي دفعت فيه دول الحصار شركاءها إلى اتخاذ موقف أكثر استباقية ضد قطر، أعلنت تركيا على الفور دعمها الكامل للدوحة ضد تصرفات جيرانها في مجلس التعاون الخليجي. وأرسلت أنقرة طائرات محملة بالإمدادات ونشرت مزيدا من القوات التركية في منشآتها العسكرية في قطر. وزادت هذه الخطوة من تعقيد علاقة تركيا بدول الحصار، والتي كانت متوترة من قبل بسبب دعم أنقرة للجماعات السياسية المتحالفة مع جماعة "الإخوان المسلمين" في المنطقة.

ولإنهاء الخلاف مع قطر، قدمت دول الحصار في البداية 13 مطلبا، بما في ذلك إغلاق القاعدة العسكرية التركية في قطر، مما يدل على رفض دول الحصار للوجود العسكري التركي هناك. وفي حين أن العلاقات الثنائية بين السعودية وتركيا كانت متوترة، فإنها لم تصل إلى نقطة الانهيار حتى مقتل الصحفي السعودي "جمال خاشقجي" في قنصلية المملكة في إسطنبول عام 2018.

ويبدو أن الإدارة التركية للقضية كانت تستهدف خلق ضغط كافٍ على العاهل السعودي الملك "سلمان بن عبد العزيز" وحلفاء السعودية الرئيسيين في جميع أنحاء العالم -ولا سيما الولايات المتحدة- لقص أجنحة ولي العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان" على الأقل، إن لم يكن إزالته من السلطة تماما.

وتحول العداء إلى شكل شخصي بين "بن سلمان" والرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" الذي ألقى باللوم على "دولة الظل" داخل الرياض في جريمة مقتل "خاشقجي". وقد امتد هذا العداء المتنامي بين الرياض وأنقرة تدريجيا إلى الساحة الجيوسياسية؛ حيث حاول الطرفان تشكيل تحالفات جديدة من خلال تشكيل هياكل سياسية وأمنية جديدة لاحتواء النفوذ السياسي لبعضهما البعض.

بدأت السعودية تكثيف التعامل الدبلوماسي مع قبرص الرومية بالتوازي مع تكثيف تركيا للتنقيب عن النفط والغاز في البحر الأبيض المتوسط. وزار وزير الخارجية السعودي آنذاك "إبراهيم العساف" نيقوسيا، وأعرب عن دعم المملكة الكامل لـ"شرعية وسيادة حليفتها قبرص".

وفيما يخص تدخلها في الحرب الليبية، عززت السعودية، إلى جانب الإمارات، دعمها للجنرال "خليفة حفتر" ضد حكومة "الوفاق الوطني" المعترف بها من قبل الأمم المتحدة والتي تحظى بدعم تركيا.

وعلى جبهة القرن الأفريقي، أطلقت السعودية منتدى الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن لمزيد من تنظيم الأمن البحري في المنطقة، ولكن أيضا لمنع الجهات الخارجية، وخاصة تركيا، من الانخراط في الشؤون الأمنية للقرن الأفريقي.

وفيما يتعلق بسوريا، واصلت السعودية التعامل مع "قوات سوريا الديمقراطية"، واستغلت الحرب ضد تنظيم "الدولة" لتعميق الشراكة مع التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، والذي يعتمد عمليا على "وحدات حماية الشعب" الكردية الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني الذي تصنفه تركيا كمنظمة إرهابية.

وفي المقابل، اتخذت تركيا خطوات لمواجهة هذه التحركات السياسية السعودية. وإدراكًا منها للتغييرات السياسية والاجتماعية التي تجتاح السياسة الداخلية والخارجية للمملكة والتي أدت إلى تهميش المؤسسة الدينية السعودية، وصعود القومية السعودية، وتلطيف النظرة التقليدية للسياسة الخارجية السعودية، تركزت الجهود الجيوسياسية التركية على تحدي مكانة القيادة السعودية داخل العالم الإسلامي السني الأوسع خاصة مع عدم إدانة السعودية لخطوة إدارة الرئيس "دونالد ترامب" للاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل والإشارات المتضاربة بشأن اتفاقيات "أبراهام" الموقعة من قبل حلفائها الخليجيين، الإمارات والبحرين.

وللاستفادة من هذه الفرصة السياسية واستغلال جهود القوة الناعمة التركية عبر الشارع الإسلامي، سارع "أردوغان" إلى إبراز تركيا كمنقذ للمسلمين في جميع أنحاء العالم. واقترن ذلك بمحاولة تركيا ترسيخ تحالفاتها، خاصة في الدول الإسلامية الأخرى خارج العالم العربي.

وأدت حملة "أردوغان" المتركزة على القضايا الإسلامية ومكافحة الإسلاموفوبيا إلى الضرب على وتر حساس لدى رئيس الوزراء الباكستاني "عمران خان" ورئيس الوزراء الماليزي "مهاتير محمد"؛ حيث اتفق الثلاثي على إطلاق مبادرة إسلامية شاملة تجلت في قمة كوالالمبور 2019. وفي النهاية، تراجعت باكستان عن هذا التكتل بسبب الضغط السعودي، لكن إيران وقطر انضمتا إلى تركيا وماليزيا في القمة. ويُنظر إلى مبادرة كوالالمبور على أنها محاولة لخلق بديل لمنظمة التعاون الإسلامي، التي يوجد مقرها في جدة؛ ما يعني تحدي ادعاء السعودية بقيادة العالم الإسلامي.

فشلت مبادرة تركيا في النهاية بسبب اعتماد باكستان الاقتصادي على السعودية وإقالة حكومة "مهاتير" في ماليزيا. ويعني هذا أن تركيا تُركت مرة أخرى مع قطر باعتبارها الحليف السياسي الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه في المنطقة وأن إطلاق مبادرتها الإسلامية يفتقر إلى الثقل الدولي. في غضون ذلك، لم تحقق استراتيجية السعودية المتمثلة في إنشاء بنية تحتية أمنية جديدة جنبًا إلى جنب مع الجهات الفاعلة الأوروبية في البحر الأبيض المتوسط ​​سوى نجاح محدود.

وكان أحد الإنجازات المهمة هو التوافق بين المخاوف الأمنية المتعلقة بتركيا لدى بعض الدول الأوروبية، بما في ذلك فرنسا واليونان وقبرص الرومية، مع تلك الخاصة بالسعودية والإمارات ومصر. ومع ذلك، لم تكن هذه التحركات السياسية كافية لردع تركيا، التي تدخلت بنجاح في الحرب الليبية، وغيّرت مسارها، وساعدت القوات المتحالفة مع حكومة "الوفاق الوطني" على هزيمة قوات "حفتر" في غرب ليبيا، وبالتالي الاستيلاء على قاعدة الوطية الجوية ذات الأهمية الاستراتيجية.

وبالرغم أن تركيا قد تكون محاصرة سياسيا في القرن الأفريقي، إلا أن العنف الأخير في إثيوبيا والتوترات المتزايدة بين السودان وإثيوبيا جددت أهميتها السياسية.

وبينما نفذت السعودية وتركيا تحركات احتواء موازية لتقويض بعضهما البعض واستمرت قيادتهما في مراكمة الاستياء الشخصي، قررت السعودية فجأة إنهاء الخلاف وتطبيع العلاقات مع قطر؛ حيث استقبل "بن سلمان" أمير قطر "تميم بن حمد آل ثاني" بحرارة لدى وصوله إلى السعودية لحضور القمة الخليجية التاريخية في العلا.

وكان التقارب الخليجي يعني أن قطر أصبحت فجأة صديق وليس عدو، وأن السعودية تستعيد مكانتها باعتبارها الأخ الأكبر وزعيم مجلس التعاون الخليجي في نهاية المطاف. كما تم تعليق المعركة على قيادة العالم الإسلامي؛ حيث تمكنت السعودية من استمالة معظم حلفاء تركيا إما من خلال عناق دافئ في حالة قطر أو من خلال لي الذراع الاقتصادية في الحالة الباكستانية.

علاوة على ذلك، تقلصت مساحة المغامرة السياسية لكل جانب في محاولة تقويض نفوذ الطرف الآخر؛ حيث أدركوا أنهم لن يحصلوا على الضوء الأخضر الذي منحته إدارة "دونالد ترامب" ولكنهم سيواجهون ضوابط سياسية يفرضها الرئيس "جو بايدن".

واستشعارًا لهذا التغيير في أهم عامل خارجي مؤثر في النظام السياسي في الشرق الأوسط، والتطورات الجيوسياسية داخل المنطقة، فقد بدأت كل من السعودية وتركيا درجة من التواصل الحذر. ففي اتصال بين "أردوغان" و"الملك سلمان"، اتفق الطرفان على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة. وكان هناك أيضًا تراجع واضح في تشويه سمعة ولي العهد السعودي في وسائل الإعلام التركية، ويبدو أنه جرت محاولات لتجاوز قضية "خاشقجي".

ورغم الحديث عن مساعي السعودية والإمارات لتحسين العلاقات مع أنقرة، فإن البلدين لم يتخذا أي خطوات عملية في هذا الصدد. وتزايدت مقاطعة السعودية غير الرسمية للبضائع التركية فيما انخفضت الصادرات التركية إلى المملكة بنسبة 92% بين ديسمبر/كانون الأول 2019، وديسمبر/كانون الأول 2020. كما واصلت السعودية تنسيقها مع اليونان؛ حيث حضر وزير الخارجية السعودي مؤخرا اجتماعا لـ"منتدى الصداقة" في أثينا، والذي وصفته تركيا بأنه محاولة لتشكيل تحالف "معاد" لتركيا. وبالمثل، لم تغير الصحف السعودية افتتاحياتها العدوانية التي تستهدف "أردوغان".

ويبدو أن تركيا مستعدة لبدء فصل جديد مع السعودية، وهو ما قد يحدث في نهاية المطاف إذا تعرضت الرياض لضغوط متزايدة من الولايات المتحدة، لا سيما إذا عادت إدارة "بايدن" إلى الاتفاق النووي مع إيران. ومع ذلك، ربما لا تزال تركيا تريد اعتذارا من القيادة السعودية بشأن مقتل "خاشقجي".

بالنسبة للسعودية، قد يكون التقارب ممكنا إذا قدمت تركيا تنازلات فيما يتعلق بـ"الإخوان المسلمين"، لا سيما في حالة مصر وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين المصريين المقيمين الآن في تركيا، وقبلت بأن ولي العهد السعودي - الحاكم الفعلي للسعودية - هو واقع سياسي يتحتم على أنقرة بموجبه التعامل مباشرة مع "بن سلمان" من أجل إصلاح العلاقات الثنائية.

ومع تصاعد التحديات على جبهة السياسة الخارجية وتغير الحقائق الجيوسياسية على المستويين الإقليمي والعالمي، قد يضطر كلا الجانبين في النهاية إلى تنحية هذا التنافس غير المجدي على النفوذ جانبا والاتفاق على انفراج سياسي. ومن أجل حدوث تقارب شامل، يحتاج "أردوغان" و"بن سلمان" إلى المضي قدما وترك ما مضى وراء ظهورهما.

المصدر | أومير كريم/معهد دول الخليج العربية- ترجمة وتحرير الخليج الجديد