الأربعاء 3 مارس 2021 02:17 م

من اشتباكات ليلية وأعمال عنف بين محتجين وقوات الأمن في يناير/كانون الثاني الماضي وحشود سياسية بالشارع في فبراير/شباط الماضي، دارت أحداث أزمة جديدة في تونس لاتزال تراوح مكانها إلى اليوم الأربعاء، ما ينذر بتفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.

وساهمت زيادة تفشي فيروس "كورونا" المستجد من حدة المعاناة واندلاع احتجاجات يناير/كانون الثاني الاجتماعية بمختلف مناطق تونس، ما أسفر عن إيقافات ناهز عددها الألف في صفوف الشباب، ومن بينهم قصر، وفق ما ذكرته سابقا وزارة الداخلية والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.

وإزاء ذلك، يرى مراقبون أن الاحتقان الاجتماعي ينذر في كل مرة بتوسع دائرة الاحتجاجات في الوقت الذي تحاول فيه حكومة "هشام المشيشي" إيجاد حلول للأزمات الموروثة عن الحكومات السابقة، لكن هذه المحاولات تصطدم بعقبات أخرى تصعّب مهمتها، وعلى رأسها آخر أزمات الصراع السياسي حول تشكيل التعديل الوزاري.

ويعود لب الصراع في تونس بين رأسي السلطة التنفيذية (رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة) بخصوص استكمال إجراءات التعديل الذي شمل 11 وزيرا ويرفضه الرئيس "قيس سعيد" تماما، زاعما أن عددا من الوزراء الجدد تحوم حولهم شبهات فساد، دون أن يفصح عن أسمائهم رغم أن "المشيشي" طالبه بذلك.

وكان "المشيشي" المدعوم من حركة النهضة، قد أقصى وزير داخليته السابق "توفيق شرف الدين"، المقرب من الرئيس "قيس سعيّد"، في مطلع يناير/كانون الثاني الماضي، قبل أن يجري التعديل الوزاري، ما أثار غضب الرئيس، بدعوى أنه لم يجر التباحث معه بشأن التعديل.

واعتبر "سعيد" الأمر انتهاكا للدستور التونسي، زاعما أن هناك بعض شبهات لتضارب المصالح للوزراء الجدد.

وفي 27 يناير/كانون الثاني الماضي، نال وزراء "المشيشي" الجدد ثقة البرلمان رغم تحفظ "سعيّد" الذي تحدث عن شبهات بالفساد وتضارب المصالح تحوم حول بعض الوزراء، إضافة إلى غياب تمثيل المرأة.

وفي 16 يناير/كانون الثاني الماضي، أعلن رئيس "المشيشي"، تعديلا شمل 11 حقيبة وزارية من أصل 25، وبعد 10 أيام صادق عليه البرلمان.

ورغم ذلك لم يوجه "سعيد"، دعوة للوزراء الجديد لأداء اليمين الدستورية أمامه، معتبرا أن التعديل شهد "خروقات".

وازدادت الأزمة تعقيدا بعد ما رفض "المشيشي" تقديم استقالته، داعيا "سعيد" إلى تحديد أسماء الوزراء الذين تتعلق بهم شبهات فساد أو تضارب مصالح، واعتبر أن رفض الرئيس لأداء اليمين الدستورية عطل المرافق العامة وسير دواليب الدولة.

وبدا الاتحاد العام التونسي للشغل منحازا لصف "سعيد"، حيث دعا - وعدد من القوى السياسية - الوزراء المزعوم فسادهم في حكومة "المشيشي" إلى الاعتذار عن المسؤوليات المسندة إليهم؛ لتتمكن الحكومة من مباشرة مهامها، دون أن يحدد أسماء أيضا.

وإزاء انسداد التفاهم السياسي، انتقل الصراع إلى الشارع حيث حشدت القوى الداعمة لـ"سعيد" أنصارا لها، وردت حركة النهضة بدعوة أنصارها، السبت الماضي، إلى مسيرة للتأكيد على "دعم المؤسسات" و"الوحدة الوطنية".

ومساء السبت الماضي، علق الرئيس التونسي على مسيرة النهضة: "نحن لا نتحرك وفقا لحساباتهم ولا ترتيباتهم، نتحرك وفق مبادئنا التي عاهدنا الشعب عليها"، مضيفا: "تشاهدون اليوم وللأسف كيف تظهر وتهدر الأموال في العاصمة".

ويرى المحلل السياسي "يوسف الشريف" أن مسيرة "النهضة" أظهرت أن الحركة "ما زالت قادرة على الحشد بأعداد كبيرة"، الأمر الذي "يسمح لها بالجلوس إلى طاولة المفاوضات معززة بهذا الدعم"، وفقا لما أوردته وكالة الأنباء الفرنسية.

لكن "الشريف" أشار في الوقت ذاته إلى أن سياسة الحشد الحشد المضاد قد تؤدي إلى تعقيد المشهد إذ "اكتسب" قادة النهضة "الثقة" في مواجهة رئيس يرفض التسويات.

الأمر ذاته حذر منه المحلل السياسي "الصغير الزاكراوي" مشيرا إلى أن الاحتكام إلى الشارع "عملية وعرة وخطيرة يمكن أن تؤدي إلى انفلات في البلاد ومن ثم إلى حمام دم".

وأبدى "الزاكراوي" دهشته من لجوء من هم في السطلة ويديرون تونس إلى الشارع للاحتكام بينهم، وفقا لما أورده موقع قناة "الحرة" الأمريكية.

وفي السياق، يرى المدير العام السابق للمعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية "طارق الكحلاوي" أن مسيرة النهضة "مقدمة للتفاوض في محاولة لتعديل موازين القوى والتأكيد على نقاط القوة"، وفقا لما أوردته وكالة الأناضول.

كما اعتبر المحلل السياسي "بولبابة سالم" أن "الدعوة للتظاهر بمثابة استعراض للقوة الشعبية في إطار رسالة سياسية موجهة لرئيس الدولة، بأنهم (النهضة) ما زالوا يمتلكون الشارع والقوة الشعبية وأنهم قادرون على تعبئته".

وبينما يتحدث محللون عن استعراض للشعبية، يمثل ورقة تفاوضية في حل الأزمة، استبعد الباحث والأكاديمي "خالد عبيد" أن يكون هناك تفاهم بين "المشيشي" و"سعيد"؛ لأن "الأزمة بالأساس هي بين رئيس الجمهورية، ورئيس البرلمان، زعيم حركة النهضة، (راشد الغنوشي)، وأن رئيس الحكومة وجد نفسه بينهما مضطرا" حسب قوله. 

وإزاء ذلك، يتوقع المحلل السياسي "كمال بن يونس" 3 سيناريوهات للخروج من الأزمة، أولها أن يحدث توافق سياسي في الكواليس بين "المشيشي" و"سعيد" و"الغنوشي" وقيادات النقابات وكبري الأحزاب من أجل هدنة تفرض نفسها بسبب الأزمة الاقتصادية والاجتماعية ومضاعفات وباء "كورونا".

ويتمثل السيناريو الثاني في تعميق الخلاف والصدام بين قصر قرطاج والحكومة والبرلمان والأحزاب التي تدعم كل طرف، ما قد يودي إلى إسقاط الحكومة أو إلى المزيد من إضعافها، بما سيعني تمديد الأزمة السياسية.

أما السيناريو الثالث فهو ترجيح كفة طرف من الأطراف السياسية المتصارعة بفعل ورقة الشارع وبشرط انحياز المؤسسات العسكرية والأمنية والسفارات الأجنبية المهمة إليه.

ويشير "بن يونس"، في هذا الصدد، إلى عنصر ترجيح آخر لموازين القوى في الصراع، وهو سفارات الاتحاد الأوربي والسفارة الأمريكية، التي أعلنت جميعا أنها بصدد عقد مقابلات مع كل الأطراف التونسية.

 ولفت إلى أن هناك "قرارا دوليا لضمان استقرار تونس وبلدان جنوب المتوسط، لمنع استغلالها محطة لتسلل مئات الآلاف من المهاجرين السريين إلى أوروبا"، حسب تقديره.

ويستبعد المحلل السياسي "منذر ثابت" سيناريو التوافق بين "المشيشي" و"سعيد"، مرجحا استقالة الأول لتعود المبادرة إلى رئيس الجمهورية لتكليف شخصية أخرى برئاسة الحكومة، أو سحب الثقة وتوجيه لائحة لوم من البرلمان إلى المشيشي، وفي هذه الحالة تعود المبادرة إلى حركة النهضة باعتبارها الحزب الأول في الانتخابات"، وفقا لما أوردته وكالة "سبوتنيك" الروسية.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات