الاثنين 19 أكتوبر 2015 05:10 ص

ينبغي على أي محاولة لرصد وتحليل سياسات الاستيطان الكولونيالية التي اعتمدتها (إسرائيل) من أجل تهويد «القدس الشرقية» بعد استكمال احتلال المدينة عام 1967، أن تتطرّق قبل أي شيء إلى مجموع ممارسات المحو والإحلال الرمزية والفعلية التي اعتمدتها دولة الاحتلال من أجل إضفاء الطابع اليهودي على المكان وتغيير طابعه وسماته الديمغرافية والطوبوغرافية.

وينبغي كذلك أن تتطرّق إلى العلاقة المتشابكة بين سياسات الاستيطان الإحلالية والتهويدية التي اعتمدت وبين سياسات تشكيل وإنتاج الفلسطينيين في القدس.

لفهم ما يجري في القدس المحتلة اليوم، لا بد من فهم العلاقة المتشابكة بين سياسات الاستيطان وسياسات «تشكيل وإنتاج الفلسطينيين»، بعد عام 1967، كسكان "مارقين" يتموقعون دائماً «على حافة الجنحة» ويشكل وجودهم مصدراً للخطر المستمر على النظام العام. يمكن القول وبصورة عملية إن سياسات الإحلال والمحو التي اتبعتها دولة الاحتلال بهدف تهويد القدس انتظمت ضمن أربعة محاور متشابكة ومترابطة ومتفاعلة:

أولاً: المحور الديموغرافي: من خلال تبني وتنفيذ خطط قومية استيطانية وتطويرية كبرى تم بواسطتها استجلاب المستوطنين اليهود وتوطينهم في «القدس الشرقية»، وقلب التركيبة الديموغرافية للحيز الذي تم احتلاله، في مقابل توكيل شركات متخصصة بإعادة تشكيل المشهد الحضاري لـ«القدس الشرقية» بغية منحه طابعاً يهودياً- توراتياً (مصهيناً).

ثانياً: المحور الرمزي: الذي يعمل على المحو الرمزي للساكن الأصلاني، من خلال اعتبار الحيز المحتل حيزاً خالياً واعتبار الأراضي المحتلة أراضي جرداء «تنتظر من يحييها ويعيدها إلى الحياة» وتنميط الفلسطينيين المقدسيين باعتبارهم «آخـَر اليهودي العائد» وذواتاً غير مؤهلة للفعل السياسي غالباً.

ثالثاً: المحور القانوني: شرعنة وجود المقدسيين على أسس من الـ«وقتية» والـ«عرضية» باعتبارهم «ساكنين دائمين» مقابل فئة «المواطنين الدائمين» (اليهودي- الإسرائيلي)، وهو ما يعني أن دمج المقدسيين قانونياً في النظام السياسي الإسرائيلي يتم من خلال «إقصائهم» وتمييزهم عن المواطنين والتعامل معهم كأنهم «الشاذ النموذجي».

رابعاً: المحور الأمني - الجسدي: يتمثل في اعتبار الجسد الفلسطيني في القدس مصدراً للخطر والفوضى (الديموغرافية والأمنية) اللذين يهددان تعميم النموذج المرغوب «للمواطن»، وهو ما يعني تعريضه للتهديد الدائم الذي تتم مواجهته بالإبعاد والإزالة عن الحيز من أجل «الحفاظ على السلامة العامة للجماعة»!

1967 والسياسة الحيوية للاستيطان الكولونيالي

تميز الباحثة «لورينزو فيراسني» بين الاستعمار بشكل عام والاستعمار الاستيطاني بشكل خاص، من حيث الأهداف التي تحركهما، وتشير إلى أن الاستعمار يُعرّف على أنه هيمنة خارجية تتسم بميزتين اثنتين: الأولى، عملية الانتقال إلى مكان جديد، والثانية، وجود علاقات غير متساوية من السيطرة والهيمنة في الأماكن الجديدة.

وتشكل عمليات السيطرة والهيمنة والهدف الذي يحرك المستعمر بدايات التفريق بين أشكال الاستعمار، إذ كما تكتب فيراسني لا يتساوى القول «اشتغل من أجلي» مع القول «ارحل»، وهو ما يمكن أن يشكل عملياً فارقاً بين الاستعمار الذي يتأسس على دوافع اقتصادية، كما حدث في جنوب إفريقيا، وبين الاستعمار الصهيوني لفلسطين.

فقد رأى الأول في سكان البلاد قوة عمل رخيصة وعمد إلى استخدامها لتحقيق مصالحه الاقتصادية، فيما اعتبر المستعمر الصهيوني ابن البلاد الفلسطيني عقبة أمام تحقيق أهدافه في إقامة الدولة اليهودية فلجأ إلى إبعاده بالقوة، إما من خلال سياسات التطهير الإثني التي مورست في البلاد خلال 1948 وما شمله ذلك من هدم للقرى وإزالة معالمها من الوجود، أو باللجوء إلى سياسات تغيير ملامح المكان الديموغرافية والجغرافية، من خلال ممارسة أنماط من «القوة الحيوية» التي تعمل على الهندسة الإثنية للتركيبة السكانية والجغرافية وتوزيعها في الحيز.

ويشير مفهوم «القوة الحيوية» بحسب فوكو إلى أنماط من القوة التي تمارس على الأفراد أساساً من خلال اعتبارهم كائنات حية: سياسات تهتم بالأفراد كأعضاء في مجموعة السكان، وهو ما يعني عملياً التعامل مع كل الممارسات والسلوكيات الفردية الخاصة، مثل النشاط الجنسي للفرد وخصوبته، باعتبارها مواضيع متصلة بالسياسات القومية والقوة والسلطة السيادية.

وقد أوضح فوكو، في محاضراته لاحقاً، أنه «يجب الدفاع عن المجتمع بسيطرة الدولة على البيولوجيا». وفي السياق الاستعماري الاستيطاني، الذي يتأسس أصلاً على منطق الإحلال والمحو، تصبح «سيطرة الدولة على البيولوجيا» الأداة الأهمّ في رسم المشهد السكاني المرغوب والمراد، حيث تتم صياغة الخطط «القومية» الكبرى ويتم رصد الميزانيات الطائلة بغية التقليل من الأجساد التي تحسب على الفئات المعادية وغير المرغوبة، مقابل الاستثمار في الأجساد المرغوبة التي تُحسب على الفئة المرغوبة والمُرادة، ثم العمل على زيادتها إحصائياً.

وفي هذا السياق، بلورت دولة الاحتلال خططها القومية الخاصة بمدينة القدس، فسعت بواسطتها إلى قلب المشهد الديموغرافي والحضاري وإعادة هندسته إثنياً، بحيث يتحول اليهود إلى أكثرية والعرب إلى أقلية غير فاعلة. وقد عللت فعلها الاستعماري- الاستيطاني و«ضمها» لـ«القدس الشرقية» بأنه «إحقاق حق تاريخي»، إذ اعتبرت (إسرائيل) - على لسان كل سياسييها تقريباً وبلغة تمزج بين الشاعرية والانفعال والمسيانية السياسية - أنها لم تحتل القدس سنة 1967 بل «حررت» المدينة وأن اليهود يعودون إلى مدينتهم التي حلموا بها طوال ألفي عام وأن أي وجود آخر في المدينة طيلة هذه الأعوام لم يكن سوى وجود عابر وغير محسوب.

وأصرت، على لسان أرفع قياداتها وممثليها، على أنها لن تسمح أبداً بالعودة إلى الوراء وأنها ستعمل كل ما في وسعها من أجل سد الطريق أمام أي «عودة» إلى ما كان، وذلك عبر انتهاج ما صار يعرف بالقاموس السياسي «تهويد المكان»، والذي يعني عملياً إحلال المشهد اليهودي (الذي صاغته الحركة الصهيونية بالطبع) مكان المشهد الفلسطيني الأصلاني.

وفي سبيل تطبيق ذلك، قامت (إسرائيل) أولاً بتمييز «القدس الشرقية» عن باقي الأراضي الفلسطينية المحتلة باعتبارها رسمياً «أراضي محررة تعود إلى أصحابها»، وذلك بعكس بقية الأراضي المحتلة التي بقيت العلاقة معها، رسمياً على الأقل، ملتبسة وامتنعت (إسرائيل) عن ضمها أو الانسحاب منها.

وفي مقابل حسم العلاقة مع الأرض على أساس الضم الكامل، حسمت علاقتها مع السكان على أساس «دمجهم من خلال إقصائهم»، إذ تم دمجهم باعتماد قانون تنظيم دخول الأجانب 1952 كمقيمين دائمين، كما تم إقصاؤهم عن فئة المواطنين، من جهة، وسلخهم من مكانتهم كـ«سكان أصلانيين» في أرض تم احتلالها، من جهة أخرى، وهو ما يعني بالتالي تحويل حقهم في الوجود إلى حق مشروط وإلى واقع مُهدّد.

سياسات الضم: أرض أكثر وعرب أقل

أقر الكنيست الإسرائيلي، بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة سنة 1967، مباشرة، تطبيق القانون الإسرائيلي على «القدس الشرقية»، وذلك بموجب مرسوم 11 ب الذي تمت إضافته إلى «مرسوم أنظمة الحكم والقضاء» للعام 1948. وفي 28 حزيران/ يونيو 1967 قررت الحكومة الإسرائيلية أن «القدس الشرقية هي جزء من أرض (إسرائيل)، يسري فيها قانون الدولة، قضاؤها ونظامها الإداري».

كما سنّ الكنيست لاحقاً، في 30 تموز/ يوليو 1980 «قانون أساس: القدس عاصمة إسرائيل»، الذي حدد أن «القدس الكاملة والموحدة هي مركز مقرات وعمل رئيس الدولة، الكنيست، الحكومة ومحكمة العدل العليا». ثم أضيفت إليه لاحقاً، سنة 2001، ثلاثة بنود جديدة هدفت عملياً إلى سد الطريق أمام أي اتفاق يترتب عليه «استغناء» عن أجزاء من القدس، إذ حددت البنود 5 - 7 من القانون أن «حدود القدس هي الحدود التي أقرت في حزيران/ يونيو 1967».

لا تشبه حدود «القدس الشرقية» التي «ضمتها» (إسرائيل) بعد 1967 حدودها قبل الاحتلال. ففيما امتدت مساحة «القدس الشرقية» خلال الحكم الأردني على مساحة لا تتعدى 6،4 كم مربعة، تعدت حدودها الجديدة التي وضعتها دولة الاحتلال الـ 70 كم مربعاً، ما يعني أن 91% من الأراضي التي ضمتها هذه الدولة على أساس كونها «جزءاً من القدس» لم تكن كذلك قبل الاحتلال، وهو ما ضاعف مساحة القدس إلى ثلاثة أضعاف حجمها السابق وحوّلها إلى كبرى المدن الإسرائيلية.

وقد شملت المساحة الجديدة أراضي 28 قرية فلسطينية من غير سكانها، جزء منها من قرى القدس التي تم اعتبارها لاحقاً جزءاً من الضفة الغربية، وأخرى تتبع لبلديتي بيت جالا وبيت لحم، حيث تم مصادرة أراضي هذه القرى على أساس اعتبار أصحابها «غائبين»، بحسب «قانون أملاك الغائبين» من سنة 1950. وقد بلغ تعداد السكان العرب في حدود المناطق التي ضمت إلى القدس بحسب التعداد السكاني الأول الذي أجراه مكتب الإحصاء المركزي بعد الاحتلال ما يقارب 67 ألف نسمة.

خضعت عملية ترسيم الحدود الجديدة لبلدية القدس، كما يستشف من النقاشات التي دارت في الجلسة الوزارية التي عقدت في 26 حزيران/ يونيو 1967، إلى الاعتبارات الديموغرافية وهدفت عملياً إلى السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض بأقل عدد من السكان الفلسطينيين، وذلك بهدف توفير مساحات واسعة لتوطين سكان يهود، وهو ما حصل فعلاً إذ قامت الدولة الإسرائيلية، منذ الاحتلال، بتوطين ما يقارب 200000 نسمة من اليهود في الأراضي التي تم ضمها وقلبت بذلك التركيبة الاثنية- الديموغرافية بعد أن صار المستوطنون اليهود يشكلون نسبة 43% من سكان القدس المحتلة.

لقد سبق إقرار مساحة وحجم ونوع الأراضي التي سيتم ضمها إلى حدود منطقة القدس الجديدة قيام لجنة عسكرية خاصة برئاسة رحبعام زئيفي - الذي كان آنذاك مساعداً لرئيس قسم العمليات في هيئة الأركان العامة - بوضع توصيات لشكل وامتداد الحدود المقترحة، وتمت مناقشة هذه التوصيات والمصادقة عليها في الجلسة الوزارية الخاصة التي عقدت في 28 حزيران/ يونيو 1967.

وفيما تباينت واختلفت الآراء في داخل اللجنة الوزارية، التي أقيمت من أجل مناقشة وإقرار توصيات لجنة ترسيم الحدود، حول حجم المساحة التي يجب ضمها، فقد ساد إجماع تام على مبدأ الضم وحتميته. فقد أراد زئيفي، مثلاً - وهو الذي مثل الجيش في تلك اللجنة - ضم أكبر قدر ممكن من الأراضي إلى حدود البلدية، كما شمل اقتراحه، أيضاً، ضم حوالى ثلث أراضي الضفة الغربية، والتي تمتد من مسجد بلال ابن رباح جنوباً، مروراً بالعبيدية ووادي القلط وصولاً إلى قلنديا.

غير أن هذا الاقتراح قوبل بالرفض من جانب موشيه دايان الذي عارض ضم بعض المساحات بسبب وجود أعداد كبيرة من السكان العرب فيها قائلاً: «أعرف شهية اليهود المفتوحة.... إذن، لن يكون لنا مطار في القدس!!. طالما كانت الأرض تحت سيطرتنا فمن الممكن أن نقلع من هناك. أنا لست مع (ضم) قلنديا، ولست مع (ضم) عشر قرى إضافية مع 20 ألف ساكن وفصل الضفة الجنوبية عن الشمالية».

وقد تردد يغئال ألون في اتخاذ قراره حول الحدود الأمثل لبلدية القدس «الجديدة»، لأنه ظن أن هذه الحدود ستتحول إلى حدود (إسرائيل) المستقبلية، لذا فقد سعى لاحقاً إلى توسيعها وزيادة مساحتها. ومن أجل التوسط بين رأيه ورأي ليفي أشكول، قام بيغن برسم خط حدودي يتوسط خطوط الحدود التي اقترحها كل واحد منهما.

تغيير المشهد الديموغرافي

بعد مأسسة الضم وقوننته، وضعت الحكومة الإسرائيلية نصب عينيها هدف تغيير المشهد السكاني في المساحة التي تم ضمها فأعلنت أن الهدف بعد «التحرير» هو «توطين اليهود في القدس».

ولتنفيذ ذلك، شكلت الحكومة لجنة جديدة سمتها «لجنة إسكان القدس» برئاسة «ليفي أشكول» الذي وعد بأن يعمل بجدية من أجل «توطين اليهود في القدس الشرقية»، وهو ما يعني عملياً نقل جماعات سكانية يهودية إلى تلك المناطق.

وقد أعلن يغئال ألون، نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي، في 10/12/1969 ومن منبر الكنيست، أن الحكومة تعمل على أن يصل عدد السكان اليهود في نهاية العام 1973 إلى 42 ألف نسمة، بينما لم يتجاوز عددهم حينذاك 3000 نسمة قدموا إليها، أصلاً، بعد الاحتلال. وأضاف أن الحكومة ستساعد «كل يهودي يريد أن يشتري أو أن يستأجر أراضي في أحياء المدينة»، موضحاً أن «القدس الموحدة هي حقيقة أبدية».

وبالفعل، وبعد عدة أشهر من التخطيط، قامت وزارة الإسكان وإدارة أراضي (إسرائيل) بنشر خططهما التي تشجع على الاستيطان في «شرقي القدس»، كما تم إعلان «القدس الشرقية» منطقة تطوير (أ) أي ذات أولوية تطويرية، مما يعني إعطاء منحة تساوي ثلث قيمة الاستثمار وإعطاء قروض بفائدة منخفضة تصل حتى 80% من قيمة الاستثمار، بما في ذلك المنحة.

وفي المقابل، قامت الحكومة بمصادرة 24500 دونم، أي أكثر بقليل من ثلث الأراضي التي ضمتها إلى حدود البلدية، وذلك من أجل إقامة مستوطنات يهودية تجعل العودة إلى واقع ما قبل العام 1967 ضرباً من المستحيل. وقد تحولت هذه المستوطنات إلى أحياء ضخمة يعيش فيها مئات الآلاف من المستوطنين.

بداية، تبنت دولة الاحتلال خطتين إسكانيتين إستراتيجيتين لتغيير المعالم الديموغرافية والجغرافية للأراضي التي ضمتها إلى حدود بلدية القدس، هما «خطة القفل» و«خطة الخاتم»، اللتان تمت خلالهما إقامة نوعين من المستوطنات.

كان الهدف من عملية نقل السكان اليهود إلى الأراضي الجديدة والخطط القومية التي تم تنفيذها من أجل تغيير الملامح الديموغرافية للمكان، فرض الوقائع على الأرض وتأكيد استحالة العودة إلى المشهد السابق. لكن عملية التدخل العنيف من أجل تغيير المشهد الإثني من دون الالتفات إلى وجود سكان أصلانيين ما كان له أن يتم دون وجود مخيال استعماري للحيز المحتل كحيز خال، على الأقل، «من الذوات المحسوبة» وينتظر «من يسكنه»، ومن دون توفر رافعة قانونية تسمح بـ«عدم أخذهم بالحسبان».