الأربعاء 7 أبريل 2021 12:10 م

ينهار لبنان اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، بينما تبدو الحكومة مشلولة والمؤسسات في حالة من الفوضى. ويتشارك المسؤولون اللبنانيون في مسؤولية الوصول لهذا الوضع؛ خاصة الرئيس "ميشال عون"، ورئيس الوزراء المؤقت "حسان دياب"، ورئيس الوزراء المكلف "سعد الحريري"، والأمين العام لـ"حزب الله"، "حسن نصر الله"، وزعيم أمل ورئيس مجلس النواب "نبيه بري".

ولا يمكن إنقاذ لبنان من هذا الوضع ما لم تقرر الجهات الفاعلة الخارجية، مجتمعة وفُرادى، أن تتخذ خطوة لخلق ظروف يمكنها سحب لبنان من الهاوية.

لهذا اقترح البروفيسور والمسؤول الكبير السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "إميل نخلة" إنشاء مجلس وصاية مؤقت على لبنان تابع للأمم المتحدة، من أجل إعادة البلاد للوقوف على قدميها، معتبرًا أن المضي في هذا الخيار الآن أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.

ولا يهدف نظام الوصاية ذاك إلى تغيير النظام في لبنان، وإنما إلى إنشاء نظام وظيفي يعيد بناء المؤسسات الوطنية والاقتصاد، ويحاسب كبار المسؤولين عن أفعالهم، مما يساعد في إعادة الثقة في الحكومة.

بين صراعات النفوذ والمجاعة

أدت السياسة الطائفية في لبنان إلى سعي السياسيين خلف مصالحهم الضيقة على حساب البلاد. وعلى سبيل المثال، تم تشكيل التحالف بين الرئيس الماروني وزعيم "حزب الله" الشيعي "حسن نصر الله"، من أجل زيادة سيطرتهم على المحفظة الوطنية، وتوسيع ثرواتهم، والحفاظ على التمويل الجيد لميليشياتهم المسلحة.

وتعد حياة البذخ التي تعيشها النخبة السياسية شاهدة على الفساد الذي تعاني منه البلاد، وإذا استمرت هذه الأوضاع، فقد يفلس لبنان خلال عامين، مما سيسمح للدول المجاورة و"الجماعات الإرهابية" باستغلال عدم الاستقرار.

في غضون ذلك، فإن تحالف "حزب الله" الطويل مع إيران وسوريا، سمح له باستغلال الموارد العسكرية والمالية التي يمنحها البلدان، لإخضاع قادة الأحزاب اللبنانية الأخرى لإرادته، خاصة بشأن تشكيل الحكومة ومخصصات الميزانية.

وبالرغم من الدفاع العلني لـ"حسن نصر الله" عن السيادة الوطنية للبنان، فإن مناوراته السياسية أدت عن غير قصد أو عن قصد إلى تحويل البلاد إلى قبائل ومناطق نفوذ متناحرة.

وبالرغم من شعارات السيادة التي يرفعها قادة البلاد، فإنهم اتبعوا استراتيجيات فاقمت الأوضاع الاقتصادية للشعب. وهكذا فإن الشلل السياسي المستمر وعدم القدرة على تشكيل حكومة يدفع لبنان نحو التفكك والانهيار.

وقد فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 80% من قيمتها خلال العام الماضي فقط، لتصبح بلا قيمة تقريبًا. مما أشعل الغضب في الأسواق والبنوك والمكاتب الحكومية والشوارع. ويعني ذلك أن دوافع الغضب ضد الطبقة السياسية تأتي من رغيف الخبز وليس الأيديولوجية.

وأشار تقرير الأمم المتحدة الأخير بشأن المناطق التي تعاني من الجوع إلى وضع الجوع المزري في لبنان. وأصبح لبنان الآن في قائمة واحدة مع بلدان مثل اليمن الذي يتعرض لخطر "المجاعة الكارثية".

ويحذر تقرير منظمة الأغذية والزراعة "فاو" من أن الزيادات في أسعار المواد الغذائية وشلل الاقتصاد وارتفاع البطالة، يجعل "الاضطرابات المدنية والاشتباكات العنيفة أكثر ترجيحا".

هجرة العقول

كما إن هجرة العقول هي نتيجة أخرى مقلقة ناجمة عن تدهور الوضع الاقتصادي في لبنان، فالعديد من الأطباء والمهندسين والأساتذة والباحثين والصحفيين ورجال الأعمال، يغادرون البلاد بشكل جماعي، وخاصة أولئك الذين يحملون جنسية مزدوجة من الدول الغربية ولديهم أقارب يعيشون في هذه البلدان.

وفي حين أن الطبقات الضعيفة من المجتمع اللبناني تكافح من أجل وضع طعام على طاولتها، فإن الطبقة المهنية تهاجر وتأخذ خبرتها معها، في الوقت الذي ما تزال فيه الطبقة السياسية غارقة في الصراع على النفوذ. 

ونظرا لأن لبنان يفقد رأس المال البشري الإبداعي، فإنه يتجه ببطء ليصبح شبيها للعديد من الدول الفاشلة الفقيرة في منطقة الشرق الأوسط وخارجها.

وما يزال سكان القرى والبلدات الصغيرة مثل الدروز والمسيحيين في الجبال الشمالية والشيعة في الجنوب قادرين على زراعة بعض الأطعمة الأساسية مثل الفواكه والخضروات، وتربية حيوانات المزرعة، لكن سكان بيروت وطرابلس ليس لديهم مثل هذه الرفاهية، وبالتالي يواجهون خطر المجاعة.

وتختفي الحياة الحضرية في بيروت بسرعة باستثناء القشرة العلوية الرقيقة للمدينة، وترتفع جرائم العقارات، وأصبح الأمن الشخصي للمواطنين مهددا، وتتحول البلاد إلى مراكز نفوذ تشبه المافيا على طول الخطوط الجغرافية دون موارد ملموسة لتوليد الثروات أو المبادرات التي تخلق الوظائف.

ومع اختفاء أشكال التجارة التي كانت السمة المميزة للبنان في العقود السابقة، فإن البلاد أصبحت أشبه بجمهورية موز.

تصورات الحل

وإذا كانت القوى الخارجية -وخاصة الاتحاد الأوروبي وبريطانيا والولايات المتحدة وكندا وأستراليا- تعتقد أن استقرار لبنان ما زال مكونا مهما في السياق الجيوسياسي الإقليمي، فيجب أن يشرعوا في استراتيجية جريئة لمنع لبنان من أن يصبح دولة فاشلة.

ستجد هذه الدول الدعم داخل حدودها من مئات الآلاف من المهاجرين اللبنانيين، وفي حال رفض مجلس الأمن إقامة مجلس وصاية مؤقت على لبنان، فيمكن أن يكون الاتحاد الأوروبي وهذه الدول الأربعة بديلا فعالا، "الاتحاد الأوروبي+4".

وتستند المشاركة المقترحة للولايات المتحدة في هذه المبادرة متعددة الجنسيات إلى افتراض أن انهيار لبنان سيكون له تأثير مزعزع للاستقرار في جميع أنحاء المنطقة، حيث ستسارع الجماعات الإرهابية  بالإضافة إلى الدول المجاورة لملء هذا الفراغ مما يؤثر على المصالح الإقليمية الأمريكية.

وبما إن لبنان لديه سوريا في الشمال والشرق وإسرائيل في الجنوب، فإنه سيكون هدفًا سهلًا يثير شهية الفاعلين الإقليميين.

ولكي تكون خطة الإنقاذ فعالة، فيجب أن تحتوي على مكونات قصيرة وطويلة الأجل. وعلى المدى القصير، ينبغي لمجموعة "الاتحاد الأوروبي+4" إنشاء صندوق به مليارات الدولارات لمساعدة الاقتصاد اللبناني على التعافي. ويجب أن يتم إنفاق الأموال من خلال مجلس اقتصادي خاص بلبنان، يتم إنشاؤه من قبل "الاتحاد الأوروبي+4".

وقد يشتمل على تكنوقراط لبنانيين غير سياسيين، بالإضافة إلى ممثلين عن مجموعة "الاتحاد الأوروبي+4"، و يجب أن يكون المجلس مسؤولا عن الأموال التي يتلقاها ومسؤولًا عن توزيعها وصرفها.

وعلى المدى القصير أيضًا، يجب أن يعمل "الاتحاد الأوروبي+4" مع المهنيين والتكنوقراط اللبنانيين لتشكيل حكومة جديدة هدفها الوحيد هو هو إحياء الاقتصاد. ويمكن للحكومة الجديدة التركيز على تقليص الجوع في البلاد من خلال دعم الأغذية والوقود ومبادرات خلق فرص العمل.

أما بالنسبة للاستراتيجية الطويلة الأجل، فسيحتاج "الاتحاد الأوروبي+4" إلى معالجة الأسس الطائفية في لبنان، والتي كانت سببا كبيرا للفساد المنتشر في البلاد.

ويجب أن يبدأ مبعوث "الاتحاد الأوروبي+4" للبنان سلسلة من الاجتماعات مع ممثلي مراكز النفوذ المختلفين والمجموعات المهنية والمنظمات غير الحكومية والزعماء الدينيين والخبراء الأكاديميين ورجال الأعمال، بالإضافة إلى ممثلين من الجامعات والعمال والشركات الصغيرة التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد اللبناني.

وتستهدف هذه الاجتماعات استكشاف طرق مختلفة للحكم في المستقبل. ومع إن النظام الطائفي ساعد في تحقيق الاستقرار في البلاد وخلق نظام حكومي فعال في وقت مبكر من تاريخ لبنان الحديث، إلا إن التغيرات الاقتصادية والديموغرافية والسياسية في العقود الأخيرة أثبتت أن النظام الطائفي عفا عليه الزمن، ويجب تغييره إذا كنا نريد إنقاذ لبنان.

المصدر | إميل نخلة - ريبونسبل ستيتكرافت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد