الاثنين 19 أبريل 2021 07:27 ص

كان 11 أبريل/نيسان 2021 يوما للاحتفال والاعتزاز الوطني بمناسبة الذكرى المئوية للمملكة الأردنية كدولة، وهو إنجاز جيوسياسي بحد ذاته لم يكن يُعتقد أنه كان ممكنا قبل قرن من الزمان. ولكن بدلا من الاحتفال، طغت الأحداث الصارخة التي وقعت قبل أسبوع على الاحتفالات عندما كشفت الحكومة عن "مؤامرة" لزعزعة استقرار البلاد شارك فيها عضو بارز في العائلة المالكة، ومساعد سابق مقرب من القصر، و"كيانات خارجية". وكان هذا تطورا غير مسبوق في تاريخ المملكة والنظام الملكي الحاكم. وصدم تورط الأمير "حمزة"، ولي العهد السابق والأخ غير الشقيق للملك "عبدالله"، في مؤامرة غامضة ترقى إلى مستوى الانقلاب الأردنيين من جميع الفئات.

ونفى ولي العهد السابق، الابن الأكبر للملك الراحل "حسين" وزوجته أمريكية المولد الملكة "نور"، الاتهامات الموجهة إليه في مقاطع فيديو ورسائل صوتية مسربة. وفي 10 أبريل/نيسان، انتشر حديث له مع قائد الجيش، الذي زاره في المنزل وطلب منه قصر أنشطته العامة على مقابلة أفراد الأسرة المقربين فقط، عندما تم نشر التسجيل الصوتي على وسائل التواصل الاجتماعي، على ما يبدو من قبل "حمزة" نفسه.

واستغرق الأمر بضعة أيام قبل أن يخاطب الملك "عبدالله" الأمة شديدة الانقسام في بيان مكتوب أعلن فيه أن "الفتنة وئدت في مهدها"، وأن قضية الأمير "حمزة" سيتم حلها داخل الأسرة الهاشمية بعد أن تعهد الأمير بالولاء للملك ونجله ولي العهد الأمير "حسين". وكان "حمزة" وريث العرش، تماشيا مع رغبات والده المحتضر، بين عامي 1999 و2004، قبل أن يعفيه الملك "عبدالله".

لكن الأزمة لم تنته بعد. وبينما تعرضت وسائل الإعلام المحلية لأوامر حظر النشر، تحدثت وسائل الإعلام الأجنبية عن انقسام عميق داخل العائلة المالكة ومؤامرة أوسع تشمل الأمير والمساعد المقرب السابق للملك "عبدالله"، "باسم عوض الله"، الذي كان يعمل حتى هذا الوقت مستشارا لولي العهد السعودي "محمد بن سلمان".

والتزمت الحكومة الصمت، لكن الشائعات والتقارير غير المؤكدة ملأت منصات التواصل الاجتماعي. وأطلق أردنيون على تويتر وسوم تشيد بالأمير "حمزة" وتستنكر محاولات إسكاته. وأصبحت هذه الأزمة الوطنية والتحدي الأكبر حتى الآن للملك "عبدالله" البالغ من العمر 59 عاما، والذي يحكم البلاد دون معارضة منذ عام 1999.

وسوف يستغرق الأمر أسابيع وشهورا قبل أن منح الأردنيين الحقائق، وحتى في هذه الحالة ستبقى العديد من الأسئلة دون إجابة. وزعمت الحكومة أن "حمزة المتواطئ" أراد أن يعرض نفسه كبديل للملك. وكثير من الأردنيين لا يؤيدون الرواية الرسمية الهزيلة للأحداث، لكن الأزمة حولت الانتباه إلى الحالة الأليمة للمملكة التي مرت 100 عام على وجودها.

وتحدث "حمزة" عن أعوام من الفساد المستشري وسوء الإدارة العامة ومضايقة المنتقدين. ولاقت كلماته صدى لدى غالبية الأردنيين وخاصة الشباب الساخط.

حالة يرثى لها

وكان لعام من مكافحة جائحة فيروس كورونا أثره على الاقتصاد المتعثر بالفعل. وتسببت عمليات الإغلاق المتكررة في إلحاق الضرر بالشركات الخاصة وتفاقم الأوضاع الاجتماعية. وقفز معدل البطالة الرسمي إلى 23%، ووصل إلى ما يقرب من 50% بين الشباب.

وكان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي قد تقلص فعليا خلال العقد الماضي إلى نحو 3 آلاف دولار بحلول عام 2020. واتُهمت الحكومة بسوء إدارة الاستجابة للوباء حيث سجل الأردن، وهو بلد يبلغ عدد سكانه 10 ملايين نسمة، أعلى معدلات الإصابة والوفيات في منطقة شرق البحر المتوسط ​​في الأسابيع الأخيرة.

علاوة على ذلك، فرضت الحكومة "قانون الدفاع" في مارس/آذار 2020، الذي منحها صلاحيات تنفيذية واسعة لتعديل وتعليق القوانين دون رقابة. وبموجب قانون الطوارئ هذا، أصدرت الحكومة سلسلة من الأوامر، يُلام بعضها الآن في إلحاق الضرر بالقطاع الخاص وتفاقم سوء الظروف المعيشية لملايين الأردنيين. لكن ربما الأهم من ذلك أن الحكومة استخدمت "قانون الدفاع" لإسكات المنتقدين والمعارضة عبر أجهزتها الأمنية.

واتسعت الفجوة بين النظام ورعاياه إلى مستويات خطيرة. ومنذ احتجاجات الربيع العربي، التي تعامل معها الأردن بعناية وسلمية، تراجعت الكثير من الإصلاحات السياسية الموعودة. وتم إجراء اثنين من الانتخابات التشريعية في ظل أشكال مختلفة من نظام الصوت الفردي المثير للجدل، الذي أضعف الأحزاب السياسية، وعمق المنافسة بين القبائل، وأنتج مجالس تشريعية هشة، وانخفضت نسبة إقبال الناخبين في المناطق الحضرية إلى مستويات غير مسبوقة، ما يعكس تزايد اللامبالاة.

وأدى فشل الحكومات المتعاقبة، التي عينها الملك، في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية التي تشتد الحاجة إليها، بهدف إنهاء النظام الريعي الحالي، إلى إثقال كاهل الخزانة الوطنية وأدى إلى زيادة هائلة في الديون الخارجية والوطنية بلغت 45 مليار دولار.

ودفعت الظروف الاجتماعية والاقتصادية الفاشلة المتقاعدين العسكريين والشباب الأردنيين، الذين يشكلون غالبية أصوات الضفة الشرقية، إلى أن ينتقدوا النظام بشكل علني. واتُهم "حمزة" بالصمت عندما تجاوز زعماء القبائل الذين زارهم في كثير من الأحيان الخطوط الحمراء في انتقادهم للنظام.

وعلى مدى الأعوام الماضية، اختار النظام إحكام قبضته على الحياة السياسية في الأردن من خلال إجراءات وخيارات أمنية بحتة. وتم تفكيك المعارضة التقليدية، بقيادة الإسلاميين، بمساعدة القضاء. وترك ذلك ائتلافا فضفاضا من الشباب الأردني، ومعظمهم من القبائل، لتشكيل ما يسمى الآن "الحراك".

وفي هذه الأزمة الأخيرة، أعاد "الحراك"، الذين فشلوا قبل شهر في تنظيم احتجاجات على مستوى الدولة بالتزامن مع مرور عقد على الربيع العربي، تجميع صفوفهم وشنوا احتجاجات إلكترونية على تويتر للمطالبة بإنهاء الفساد والإصلاحات السياسية الحقيقية باستخدام الأمير "حمزة" كشخصية رمزية.

وفي أعقاب الربيع العربي وبين عامي 2012 و2017، نشر الملك "عبدالله" 7 أوراق مناقشة ملكية تقدم رؤيته حول الدولة المدنية والحكومة البرلمانية وسيادة القانون والتمكين الديمقراطي والديمقراطية المستدامة.

وقد استقبل النقاد في البلاد هذه الأوراق بحماس عندما خرجت للعلن لكن في الواقع وعلى الأرض كانت البلاد تتجه في اتجاه مختلف تماما، وكان يُنظر إلى الملك على أنه يعتمد على مساعديه والمسؤولين الذين قاوموا التغيير. وبينما طالب المزيد من الأردنيين بالإصلاحات، لجأ هؤلاء المساعدون إلى الكليشيهات التي غالبا ما تستخدم بأن الوقت لم يحن بعد.

وقبل بضعة أسابيع، غيّرت "فريدوم هاوس" مكانة الأردن من "حر جزئيا" إلى "غير حر"، مشيرة إلى أن "مجلس النواب في البرلمان منتخب، لكن النظام الانتخابي لا يزال يضع المعارضة في وضع غير موات بالرغم من الإصلاحات الأخيرة، ويمارس المجلس القليل من القوة في الممارسة. وتتعرض وسائل الإعلام ومجموعات المجتمع المدني للإعاقة بسبب القوانين التقييدية والضغط الحكومي". وقالت إن "النظام القضائي ليس مستقلا وغالبا ما يفشل في ضمان الإجراءات القانونية الواجبة".

هل يمكن أن تكون هذه نقطة تحول؟

يعتقد الآن عدد متزايد من الأردنيين أن هذه الأزمة الأخيرة تمثل نقطة تحول، وأن على الملك أن يتخذ مسارا جديدا يتماشى مع رؤيته المعلنة سابقا. وهم يعتقدون أنه يجب أن يحول هذه الأزمة إلى فرصة لإجراء إصلاحات هيكلية تشتد الحاجة إليها.

وكشفت جائحة كورونا عن حالة التآكل التي أصابت البنية التحتية للدولة الأردنية الحديثة، بما في ذلك الصحة والتعليم والإعلام والمجتمع المدني والأحزاب السياسية والهيئات المؤسسية، ويرى الخبراء هنا أن الوضع الحالي لا يمكن تحمله، وأنه لكي ينجو الأردن من التحديات الجيوسياسية والداخلية الهائلة، يجب عليه تغيير مساره من خلال تبني اتفاق جديد بين النظام الملكي ورعاياه.

وعندما واجه الملك الراحل "الحسين" انتفاضة عام 1989 في أعقاب انهيار العملة الوطنية ورفع الدعم عن الخبز، اختار الرد بإعادة الحياة الديمقراطية بعد أكثر من 20 عاما من التعليق. وتم احتواء الاحتجاجات وأجريت انتخابات جديدة وحرة، ما وضع المملكة في انتقال بطيء نحو الديمقراطية.

ويبدو أنه بعد 30 عاما من بدء هذا الانتقال أنه قد توقف عن مساره. ويطالب الشباب الأردني، الذين يشكلون غالبية السكان، بمزيد من الحريات وشروط جديدة بين الملكية الحاكمة ومواطنيها. والسؤال الملح الآن هو هل يأخذ الملك "عبدالله" زمام المبادرة ويستغل الأزمة الأخيرة لوضع بلاده على طريق ديمقراطي حقيقي؟ حسنا، لننتظر ونرى.

المصدر | أسامة الشريف - ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد