الاثنين 19 أبريل 2021 09:06 م

يتسم المجتمع السعودي بثقافة الاعتماد على العلاقات الاجتماعية، لهذا نجد أن الاعتماد على "واسطة" قوية، يكون له تأثير مهم على الحياة المهنية، لكن تجذر هذه الممارسة الاجتماعية بعمق، يأتي على حساب المرأة السعودية.

ويعد الاستناد إلى الشبكات الاجتماعية في المجتمع السعودي (التي كانت تتجسد في علاقات القُربى عادة) شكلًا أساسيًا من رأس المال الاجتماعي داخل السعودية.

ومع انخفاض قوة علاقات القرابة، تطورت الشبكات الاجتماعية فيما يتجاوز العلاقات القبلية، لتشمل الصداقات وزملاء العمل، دون أن يتراجع نفوذ مثل هذه الشبكات.

رغم اكتساب المرأة السعودية لحقوقها؛ مثل إنهاء حظر القيادة، وتمكين المرأة من التقدم بطلب للحصول على جواز سفرها الخاص وتسجيل ولادة طفلها، والتعيينات رفيعة المستوى في الخدمات المصرفية والحكومة، إلا إن التركيز على المكاسب الاقتصادية للمرأة يحول الانتباه بعيدا عن استمرار العقبات الاجتماعية أمام تمكين المرأة.

التشريعات غير كافية

على الرغم من وجود إرادة سياسية لزيادة فرص النساء، عبر التشريعات وسياسات العمل، فإن استمرار قوة الشبكات الاجتماعية التي يهيمن عليها الذكور، مع انخفاض مستويات تمثيل المرأة في المناصب القيادية في القطاع العام، يعني أن تأثير النساء أضعف من نظرائهن الذكور، وعدم وصول النساء للواسطة، سيواصل الحد من مكاسبهن.

كما إن الاعتراف الدولي بالإصلاحات القانونية والتنظيمية في السعودية، والذي تجسد في تصنيفها كبلد متفوقة في الإصلاح، عبر تقارير "المرأة والأعمال والقانون" للبنك الدولي، يسمح لصانعي السياسات برفض الاعتراف بمشكلة مقاومة تضمين النساء، مجادلين بأن المشكلة مؤقتة ومنحسرة.

وبالطبع، يتم النظر إلى المعايير الدولية على أنها أفضل معيار للإصلاح داخل المملكة، لكن الواقع أن المعايير التي طُوّرت لأجل سياقات أخرى، سوف تغفل محاذير السياق المحلي.

غياب المرأة عن القيادة

تُكلّف وكالة تمكين المرأة في وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، بإقناع القطاعات الخاصة والعامة بتوظيف المزيد من النساء، وتعيينهن في مواقع قيادية، وإغلاق الفجوة بين الجنسين، وقد أبرزت التطورات الضخمة في السنوات الأخيرة، مؤكدة الأهمية الاقتصادية لتمكين المرأة وإسهامها الإيجابي في الناتج المحلي الإجمالي.

فقد تجاوزت المملكة العديد من مؤشرات الأداء الرئيسية في برنامج التحول الوطني، التابع لـ"رؤية السعودية 2030"، وهو البرنامج الذي يهدف بشكل أوّلي إلى زيادة حصة النساء الشاملة في سوق العمل من 21.2% في عام 2017 إلى 24% في عام 2020.

تم تخطي هذا الهدف بالفعل، حيث وصل معدل مشاركة القوى العاملة النسائية في الربع الرابع من 2020، إلى 33.1%.

ولكن، على الرغم من مشاركة المزيد من النساء في سوق العمل، إلا أن بطالة الإناث لا تزال مرتفعة بنسبة 24.4%، مقارنة بمعدل بطالة الذكور البالغ 7.1%.

والأهم من ذلك، إن النساء لا تحتل إلا 2.5% فقط من المناصب القيادية في الحكومة (تمثل 25.6% ​​من الناتج المحلي الإجمالي)، وهو أقل من الهدف المحدد البالغ 5%.

ويستمر هذا المستوى المتدني على الرغم من إدخال التدريب على القيادة والحوافز لتشجيع توظيف المزيد من النساء، وتتركز النساء القياديات في الحكومة في القطاع العام، وتحديدا في التعليم والرعاية الصحية.

وفي حين لا يمكن تجاهل الإنجازات، فإن التمثيل في القيادة الحكومية حتمي للنهوض بالنساء، ويشير عدم التمثيل الكافي إلى عجز كبير في رأس المال الاجتماعي للنساء.

ضعف الشبكات الاجتماعية للنساء

يؤدي الفصل العميق بين الرجال والنساء في التعليم والمجتمع، إلى ميلهم لتعزيز الصداقات من نفس الجنس، وعلاوة على ذلك، تؤثر الاختلافات في مواقف الرجال والنساء إزاء التعليم والمؤهلات على أنواع العلاقات التي يطورونها أثناء تعليمهم.

فعندما تنظر النساء إلى تعليمهن على أنه أمر مفيد فحسب، بدل النظر إليه كوسيلة وظيفية لاتخاذ مهنة، فلن تكون لديهن تطلعات لتعزيز الشبكات الاجتماعية التي يمكن الاستفادة منها في حياتهن المهنية.

حاليًا، يحتاج الوصول إلى شبكات القوة والدعم إلى الاستناد إلى العلاقات بالرجال، وتعتمد شبكات النساء ووصولهن إلى السلطة في مكان العمل على أقاربهن الذكور غالبًا، والذين قد يترددون في تسهيل تقدم المرأة.

حتى عندما تبحث النساء عن الواسطة من داخل دوائر الصداقة، فإن القرارات التي ستتخذ بشأن توظيفهن والمقابلات والعروض، غالبا ما تكون في أيدي الرجال في نهاية المطاف.

وبالتالي، فإن الطبيعة الجنسانية للوظائف ومقاومة أفراد الأسرة للسماح للمرأة بالعمل، يزيد من الحاجة إلى شبكات داعمة في أماكن العمل.

نساء بلا واسطة

تؤكد الدراسات أهمية وجود الواسطة والشبكة الاجتماعية القوية للوصول إلى الوظائف والتقدم في الحياة المهنية، وتختلف الخبرات بناء على الطبقة والوضع الأسري وغيرها من المؤشرات الاجتماعية، ولكن بشكل عام، تظل أنماط التوظيف مختلفة وفق الجنس، ويهيمن القبول الاجتماعي في كثير من الأحيان على اتخاذ القرارات.

وبالتالي، فإن الجهود المبذولة لتعزيز بيئات العمل من خلال مرافق رعاية الأطفال وسياسات مكافحة التمييز، تقوم بتخفيف مقاومة عمل النساء، ومع ذلك، لا تزال الضغوط الاجتماعية لتحقيق الأدوار المحددة لكلا الجنسين، أقوى.

تواجه النساء قيودًا منهجية على اختياراتهن، وهذه القيود ليست مؤسسية فحسب، بل ترتبط ارتباطا وثيقا باستمرار المعايير الاجتماعية والثقافية، مما يحدد أدوارهن بطرق قد لا تتماشى مع تصوراتهن الخاصة.

ومع استمرار ثقافة الواسطة، وتطورها في الوقت ذاته لتتجاوز علاقات القرابة إلى الصداقات، فإن من الأهمية بمكان أن تحصل النساء على مناصب قيادية لمواجهة محسوبية شبكات الذكور.

ولن يتحقق بعض التمكين الحقيقي للنساء في سوق العمل إلا من خلال إرادة سياسية من أعلى الهرم، حيث ستحتاج النساء إلى احتلال المواقع القيادية، لتحقيق تغيير حقيقي ومستدام.

المصدر | هناء المعيبد - كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية