الأربعاء 2 يونيو 2021 06:00 ص

مع بدء العد العكسي للانتخابات البرلمانية الجزائرية المبكرة، المقررة في 12 يونيو/حزيران الجاري، تتسابق الأحزاب السياسية الـ28 المشاركة في الاستحقاق وأكثر من 800 قائمة للمستقلين، لإنهاء آخر تجمّعاتها وأنشطتها الدعائية.

ويأخذ هذا الاستحقاق أهمية سياسية بالغة، لكونه أول انتخابات برلمانية تجرى بعد الحراك الشعبي الذي أطاح بحكم الرئيس السابق "عبدالعزيز بوتفليقة"، وغيّر الكثير في المعادلة السياسية في الجزائر.

وتنفرد هذه الانتخابات بكونها الأولى التي تشرف عليها هيئة مستقلة للانتخابات في تاريخ الاستحقاقات الانتخابية في الجزائر، إذ منح الدستور الجديد وبعده القانون الانتخابي الجديد، الهيئة كامل صلاحيات تنظيم الانتخابات وترتيباتها السياسية والقانونية والفنية، والتي تم سحبها من وزارة الداخلية، بدءاً من تسلّم قوائم المرشحين والبت فيها وقبول أو رفض المرشحين والقوائم، إلى تسجيل الناخبين في البلديات، وصولاً إلى الإشراف على الحملة الانتخابية وتسيير مكاتب الاقتراع حتى إعلان النتائج الكاملة.

ويُعدّ استحداث الهيئة المستقلة للانتخابات أحد أبرز المطالب التي نجحت قوى المعارضة السياسية في تحقيقها، إذ طالبت باستحداثها للمرة الأولى في وثيقة مؤتمر المعارضة، الذي عقد في يونيو/حزيران 2014.

وتشهد الانتخابات الجزائرية عودة بعض الأحزاب السياسية التي كانت قد قاطعت واعترضت على المسار الانتخابي الجديد منذ بدايته في ديسمبر/ كانون الأول 2019، وأبرزها حركة "مجتمع السلم"، أكبر الأحزاب الإسلامية، التي كانت قد قاطعت الانتخابات الرئاسية التي جرت في نهاية عام 2019، كما اعترضت على دستور نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، ودعت في تلك الفترة إلى إجراء حوار وطني للتفاهم بين السلطة والمعارضة على توافقات سياسية مستقبلية.

كما عادت أحزاب أخرى إلى المسار الانتخابي، كـ"جبهة العدالة والتنمية" و"حركة النهضة" وغيرها.

وستشهد الانتخابات الجزائرية أيضا مشاركة عدد من الأحزاب السياسية للمرة الأولى، بعد سنوات من المقاطعة ورفض المشاركة في الانتخابات التي كانت تنظم في عهد "بوتفليقة"، وأبرزها حزب "جيل جديد"، بقيادة "جيلالي سفيان"، والذي يعتبر أن انخراطه في المسار الانتخابي مرتبط بالتغييرات الكبيرة داخل السلطة، وانكسار النظام الذي كان يحكم البلاد في عهد "بوتفليقة".

ويرى "سفيان" أن "هناك متغيرات سياسية حقيقية حدثت بفعل الحراك الشعبي، فالنظام الذي كان يحكم لم هو يعد نفسه، والنظام السياسي السابق قد انكسر من الداخل وسيُبنى حتماً نظام جديد، ويتوجب أن نكون شركاء في بناء هذا النظام بفكر جديد، ويتعيّن على القوى السياسية الجادة أن تكون حاضرة ومشاركة وشريكة في إعادة البناء"، وفقا لما نقله موقع "العربي الجديد".

في المقابل، ستشهد الانتخابات الجزائرية للمرة الأولى وجود كل مكونات التيار الديمقراطي خارج السباق، فستة أحزاب سياسية تمثل الأضلاع الرئيسية للكتلة الديمقراطية قررت مقاطعة انتخابات 12 يونيو/حزيران، وبررت ذلك "بالتزامها مع الحراك الشعبي ورفضها إجراء الانتخابات قبل حصول حوار وطني للتوافق على خريطة طريق انتقالية".

هذه الأحزاب هي: "جبهة القوى الاشتراكية" و"التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية"، وهما أبرز أحزاب المعارضة ويتمركزان في منطقة القبائل (ذات الغالبية من السكان الأمازيغ)، و"الحركة الديمقراطية الاجتماعية" (وريث الحزب الشيوعي سابقاً)، وحزب "العمال"، وحزب "العمال الاشتراكي"، و"الاتحاد من أجل التغيير"، والحزبان الأخيران تسعى السلطات لتعليق نشاطهما تمهيداً لحلهما، بسبب ما تعتبره مخالفتهما للقوانين.

وأثار موقف هذه الأحزاب الجدل حول دوافع قرارها بمقاطعة انتخابات تشرف عليها للمرة الأولى هيئة مستقلة، وتقلّص فيها تدخّل وهيمنة الإدارة وسلطات وزارة الداخلية، بينما كانت تشارك بشكل مستمر في الاستحقاقات الانتخابية السابقة، والتي كان تزويرها مؤكداً لكونها تجري بتنظيم كامل من قبل وزارة الداخلية في عهد "بوتفليقة".

بعض المراقبين يرون أن السبب الحقيقي وراء قرار المقاطعة هو إنقاذ هذه الأحزاب سياسيا من انتحار مزدوج حال قررت المشاركة، إذ تشير أغلب التوقعات إلى خسارتها الرهان الانتخابي لأن أغلبها محدودة الانتشار والتنظيم، بما فيها الحزبان البارزان "جبهة القوى الاشتراكية" و"التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية"، اللذان يبقى تمركزهما الأكبر داخل منطقة القبائل، وهي منطقة متمردة تسجل في الغالب أدنى نسب مشاركة، وبلغت في الاستفتاء الماضي نسبة 1%.

وإضافة إلى هذه القوى السياسية، تبدي مكونات الحراك الشعبي المختلفة في توجهاتها ومشاربها الأيديولوجية، اعتراضاً على إجراء الانتخابات البرلمانية، وتصف ذلك بالمسرحية السياسية التي ستسمح للسلطة بإعادة إنتاج مؤسسة نيابية خاضعة وعاجزة عن إحداث التغيير السياسي.

وبذلك بقي الحراك في الجزائر رهن الموقف الرافض للآلية الانتخابية، بعد رفض إجراء الانتخابات الرئاسية التي كانت مقررة في 19 إبريل/نيسان 2019، وإحباط محاولة السلطة تنظيم الانتخابات الرئاسية في 4 يوليو/تموز 2019، وهي انتخابات تم إرجاؤها إلى ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، ورفض قطاع واسع من مكونات الحراك المشاركة فيها.

ودفع الحراك بعد ذلك إلى مقاطعة الاستفتاء على الدستور في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، ونجح في رفع مؤشر المقاطعة والعزوف عن صناديق الاقتراع إلى حدود 77% (سجلت نسبة المشاركة 23%).

وإضافة إلى اعتبار الانتخابات المقبلة جزءاً من خريطة طريق فرضتها السلطة لصالح تقديراتها السياسية، فإن مكونات الحراك تعتبر أن الظروف السياسية المتوترة والتضييق الحاصل على الحريات وحالة الإغلاق التي تفرضها السلطة، لا توفر أي ظروف طبيعية لإجراء انتخابات نزيهة وشفافة.

ويستند الحراك في هذا الموقف إلى رفض السلطة السماح لمجموعة من الأحزاب السياسية الفتية التي أنشأتها مجموعات من شباب الحراك بالنشاط السياسي.

وإذا كانت القوى السياسية والمكونات المدنية المقاطعة للانتخابات المقبلة تراهن على تكرار إنجاز مقاطعة شعبية كبيرة لصناديق الاقتراع، كتلك التي شهدها الاستحقاقان السابقان، وبما يصب في رصيدها السياسي ويثبت صدقية موقفها وتقديرها السياسي بعدم حيازة المسار الانتخابي بالمجمل على إجماع شعبي، فإن باقي أطراف المعادلة السياسية تختلف رهاناتها من طرف إلى آخر.

وبعيداً عن حسابات القوى المقاطعة، تتدافع رهانات أساسية لـ4 أطراف، فهناك قوى المعارضة الفاعلة والمشاركة في الانتخابات والتي كانت تتعرض للظلم السياسي والتزوير ضدها، كحركة "مجتمع السلم" مثلاً، والتي تراهن على أن تنصفها الانتخابات المقبلة لتثبت قوتها وانتشارها، ولتؤكد أن المقاعد التي كانت تحصل عليها في الاستحقاقات السابقة لم تكن تُعبّر مطلقاً عن رصيدها الشعبي الحقيقي.

أما الطرف الثاني فهي أحزاب الموالاة التي كانت محسوبة على نظام "بوتفليقة"، والتي تبقى الانتخابات بالنسبة لها فرصة لتثبيت نفسها في الساحة السياسية، بعد فترة ارتباك كبيرة نتيجة الحراك الذي طالب بحل هذه الأحزاب، إضافة إلى حالة النزيف الكبير من الكوادر التي انسحبت منها.

طرف ثالث دخل في قلب المعادلة الانتخابية هذه المرة بشكل غير مسبوق، وهي القوائم المستقلة التي فاق عددها الـ800 قائمة، وتفوّقت عددياً على مجموع القوائم الحزبية المقدّرة بأكثر من 600 قائمة.

ويشكل المستقلون رهاناً لإثبات عجز الأحزاب السياسية ووجود قطيعة بينها وبين الناخبين من جهة، وتقديم بديل للكيانات الحزبية في البرلمان، من جهة أخرى.

أما الطرف الرابع فهو السلطة التي تهدف إلى تحييد ما أمكن من الأحزاب وتضييق الفرص عليها لمنع أي منها من الهيمنة على البرلمان، وإحداث توازن يسمح بتشكيل ائتلاف رئاسي يشكّل بموجبه الرئيس "عبد المجيد تبون" حكومة رئيس، بدلاً من أن تفوز قوى غير موالية بتشكيل الحكومة.

وتواجه هذه الأطراف جميعا تحديات تتمثل في إعادة الثقة بين الناخب وصندوق الاقتراع، عبر ضمان حد أقصى من الشفافية والنزاهة في سير ونتائج الانتخابات، ورفع نسبة المشاركة وتجاوز صدمة المقاطعة القياسية التي تلقتها السلطة في استفتاء الدستور في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، خصوصاً بالنسبة لمنطقة القبائل التي تبقى عقدة أخرى بحد ذاتها بالنسبة للسلطة كما للأحزاب السياسية.

المصدر | الخليج الجديد + العربي الجديد