الأحد 6 يونيو 2021 04:58 ص

نجح خصوم رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" أخيرًا في تشكيل حكومة تضم مزيجا متناقضا من الأحزاب اليسارية واليمينية والعلمانية والدينية، اتحدوا جميعا بهدف الإطاحة بالزعيم الإسرائيلي.

ومع ذلك، لا يزال "نتنياهو" في مقر إقامة رئيس الوزراء في شارع "بلفور" بالقدس الغربية. وإلى أن يتم تعبئة أثاثه ونقله شمالًا إلى منزله في مدينة قيسارية الساحلية الراقية، فإن "نتنياهو" سيستخدم كل ما يمتلكه من أوراق لإفشال الحكومة الجديدة قبل أن تبدأ. بل وحتى بعد تركه لمنصبه.

وما يزال أمام "نتنياهو" متسع من الوقت لتمزيق التحالف الناشئ والهش بقيادة "نفتالي بينيت" و "يائير لابيد".

لقد حكم "نتنياهو" إسرائيل لمدة 15 عامًا خلال السنوات الـ25 الماضية، وترك بصمته حتى خارج رئاسة الوزراء ولن يتلاشى تأثيره على السياسة الداخلية والعلاقات الخارجية بين عشية وضحاها. ويبدو أن "نتنياهو" مصمم على البقاء على الساحة السياسية في الوقت الحالي.

بعد أن عمل سفيرا لإسرائيل لدى الولايات المتحدة والأمم المتحدة في الثمانينيات، أصبح "نتنياهو" أول رئيس وزراء إسرائيلي يولد في الدولة عبر انتخابات عام 1996. وبالرغم أن الفترة الأولى التي قضاها في "بلفور" اتسمت بعدم الاستقرار والفشل، أصبح "نتنياهو" رئيسًا للوزراء مرة أخرى في عام 2009 وظل كذلك منذ ذلك الحين.

وخاض "نتنياهو" 4 انتخابات غير حاسمة في عامين، نصفها خلال الجائحة. وحتى موعد انعقاد جلسة الكنيست للتصويت على الحكومة الجديدة، سيبذل "نتنياهو" كل ما في وسعه لعرقلة منح الثقة لهذه الحكومة.

ومن المقرر أن يكون "بينيت" رئيسًا للوزراء في أول عامين قبل تبادل الأدوار مع "لابيد" الذي سيكون وزيرًا للخارجية.

يشار إلى أن "لابيد" هو الشخص الذي منحه الرئيس "رؤوفين ريفلين" التفويض لتشكيل حكومة، لكن "بينيت"، وهو من الصقور اليمينية المتطرفة، سيقود الحكومة في الفترة الأولى. وكانت المرة الوحيدة التي تم فيها تشكيل مثل هذه الحكومة خلال الستينيات، عندما شكل "ليفي إشكول" ائتلافًا لـ"دافيد بن جوريون" ليكون رئيسًا للوزراء.

تأجيل جلسة التصويت

فاز "يمينا" بسبعة مقاعد فقط في انتخابات مارس/آذار 2021 مما يجعله خامس أكبر حزب في الكنيست، لكن أحد هؤلاء النواب وهو "عميحاي شيكلي" انشق عن الحزب رافضا الجلوس مع منافسين مثل "العمل" و"ميرتس" و"رعام".

وهذه نقطة ضعف يتطلع "نتنياهو" إلى استغلالها، حيث تمتلك الحكومة القادمة 61 صوتا فقط، وهو الحد الأدنى الضروري للحكم، وفي حال انشقاق شخص آخر عن "يمينا" أو حزب يميني آخر فإن ذلك سيطيح بـ"بينيت" قبل أن يتولى منصبه.

والجدير بالذكر أن استطلاعًا للرأي أجري مؤخرًا أظهر أن 60% من ناخبي "يمينا" قالوا إنهم لن يصوتوا للحزب مرة أخرى لو انضم "بينيت" إلى هذا التحالف.

وينتمي رئيس الكنيست، "ياريف ليفين"، إلى حزب "نتنياهو"، وسوف يتطلع إلى تأجيل التصويت لأطول فترة ممكنة، لإتاحة الفرصة لـ"نتنياهو" لإقناع أي نائب متذبذب، مثل "نير أورباخ" من يمينا، للانفصال عن "بينيت".

وبالرغم من مطالبة "لابيد" بعقد الكنيست في أقرب وقت ممكن، إلا أن رئيس الكنيست لديه الحق القانوني في تأجيل التصويت لمدة أسبوع. لذلك من المتوقع عدم إتمام التصويت إلا في 16 يونيو/حزيران.

وفي محاولة لعرقلة لخطة "نتنياهو"، يتناقش أعضاء حزبي "يش عتيد" و"يمينا" حول إمكانية استبدال "ليفين".

مؤيدو "نتنياهو"

وعلى الأرجح سيحاول "نتنياهو" إغراء نواب اليمين بالابتعاد عن الحكومة الجديدة في مقابل وعود مختلفة، لكن هناك طرق أخرى للضغط عليهم. ولدى رئيس الوزراء قاعدة مؤيدة عدوانية ومخلصة من المؤيدين المعروفين باسم "البيبيست"، الذين يمكنهم احتلال الشوارع للاحتجاج على الحكومة الجديدة وتعطيل إسرائيل.

وبالفعل بدأت الاحتجاجات الأسبوع الماضي أمام منازل خصوم "نتنياهو" الذين تلقوا تهديدات بالقتل. ونشرت وكالة المخابرات الداخلية "شين بيت"، تفاصيل أمنية شخصية لـ"بينيت" و عضو الكنيست "أييليت شاكيد" في خطوة غير مسبوقة.

بعد اقتحام مبنى الكابيتول الأمريكي في 6 يناير/كانون الثاني، أعرب المعلقون الإسرائيليون عن خشيتهم من أن يقوم مؤيدو "نتنياهو" بإعادة هذه التجربة في شوارع القدس ودخول الكنيست.

وبالرغم أن الأمر يبدو مجرد تكهنات، إلا أن الجماعات المؤيدة لـ"نتنياهو"، مثل "لافاميليا"، لها تاريخ في الاعتداء على المتظاهرين المناهضين لـ"نتنياهو" في تل أبيب، وما يزال الليكود هو الحزب الأكبر، حيث أن لديه 30 مقعدًا، وهناك عشرات النواب من مختلف الأحزاب اليمينية ما زالوا موالين لـ"نتنياهو".

ويقارن المحللون الإسرائيليون بين شخصية "نتنياهو" وصديقه الرئيس الأمريكي السابق "دونالد ترامب".

في غضون ذلك، ما تزال إسرائيل تعاني من مواجهات بين المواطنين اليهود والفلسطينيين والتي بدأت الشهر الماضي خلال الحرب على غزة. وكادت تلك الاضطراباتأن تقوض أي فرص لحزب "منصور عباس" في الانضمام إلى ائتلاف "لابيد". وقد يؤدي المزيد من التوترات العرقية والصراع إلى الضغط على حزب "راعم"، أول حزب فلسطيني يدخل في ائتلاف حاكم.

"نتنياهو" في صفوف المعارضة

وفي حال إرسال "نتنياهو" أخيرًا إلى مقاعد المعارضة، فهناك العديد من الطرق التي يمكنه من خلالها تقويض خصومه والحث على إجراء انتخابات خامسة.وتتكون الحكومة الجديدة من أحزاب لها أيديولوجيات متعارضة إلى حد كبير، وتختلف حول كل قضية رئيسية تقريبًا، بما في ذلك القضاء والهجرة والتعليم والمجتمع الفلسطيني والاستيطان في الضفة الغربية المحتلة.

ومن أجل أن تدوم إدارة "بينيت-لابيد"، عليها أن تتجنب القضايا الخلافية.

ويبدو أن الزعيم الإسلامي "منصور عباس" يمثل إحدى نقاط ضعف الحكومة، فقد أبقى رئيس "راعم" قناة مفتوحة مع "نتنياهو" حتى ساعات قبل التوقيع على اتفاق الائتلاف مع "لابيد" و"بينيت".

وكان شعار "عباس" السياسي هو أن حزبه ليس يسارًا ولا يمينًا، وأنه يهدف إلى تحقيق مطالب الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية، والذين يشكلون 20% من سكان إسرائيل. ويمتلك حزب "عباس" 4 مقاعد وقد وعد بحل أزمة الإسكان وتأمين وضع أفضل للقرى والبلدات غير المعترف بها في النقب إذا كان جزءًا من أي حكومة مستقبلية.

لكن "راعم" يجلس الآن مع 3 أحزاب يمينية – "يمينا"، و"أمل جديد" بقيادة "جدعون ساعر"، و"إسرائيل بيتنا" بقيادة "أفيجدور ليبرمان" - والتي يتبنى أعضاؤها وجهات نظر عنصرية ومعادية للعرب.

وكان "ليبرمان" المولود في مولدوفا قد عارض في الماضي الانضمام إلى حكومة مع المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل. ويبقى أن نرى كيف سيكون رد فعل ناخبي الحزب لوجوده في حكومة مع "راعم".

قد تظهر خلافات أخرى حول التعليم في حال أخذ الوزارة حزب "أمل جديد". ونتيجة مزيج الأحزاب المتناقضة، من المرجح أن تندلع خلافات حول إعطاء الأولوية للمناهج الدينية أم العلمانية، وكذلك ما إذا كان سيتم السماح للجماعات الحقوقية التي وصفت إسرائيل بأنها "دولة فصل عنصري"، مثل "بتسيلم"، بإعطاء محاضرات في المدارس والجامعات.

هذه مجرد لمحة سريعة عن الخلافات التي من المحتمل أن تنشأ، والتي يمكن لـ"نتنياهو" وحلفائه أن يؤججوها ويستغلوها لتسريع انهيار التحالف.

اضطرابات إقليمية

وربما يكون هذا كابوس للرئيس الأمريكي "جو بايدن"، لكنه قد يكون طريق "نتنياهو" إلى الأمان.

لقد غيرت الإدارة الأمريكية الجديدة سياستها الخارجية لإعطاء الأولوية للصين وروسيا، والابتعاد عن الشرق الأوسط. ومع ذلك، وكما رأينا الشهر الماضي مع حرب غزة والقمع الإسرائيلي، يمكن أن تندلع الأزمات في أي لحظة.

وفي 1 يونيو/حزيران، خلال حفل تعيين رئيس الموساد الجديد، قال "نتنياهو"، في إشارة إلى إيران: "إذا كان علينا الاختيار، بين صديقنا العظيم الولايات المتحدة والقضاء على التهديد الوجودي، فإننا سنختار القضاء على التهديد الوجودي".

قامت إسرائيل وإيران في الأسابيع الأخيرة بحملة تخريب متبادلة في البحر. يوم الأربعاء، غرقت أكبر سفينة حربية إيرانية بعد اشتعال النيران فيها، وبالرغم من عدم وجود مؤشرات على مسؤولية إسرائيل، إلا أن هناك شكوكًا على تورط اسرائيل في الحادث.

لدى "نتنياهو" السلطة على عمليات الموساد، ولكن ليس كذلك على الجيش وجهاز الأمن العام والمخابرات العسكرية. وفي عام 2019، قبل انتخابات سبتمبر/أيلول، دفع "نتنياهو" نحو شن حرب في قطاع غزة، لكنه أصيب بالإحباط بسبب موقف قادة الجيش.

المصدر | مصطفى أبو سنينة - معهد الشرق الأوسط - ترجمة وتحرير الخليج الجديد