الأحد 20 يونيو 2021 01:28 ص

مع تنصيب الرئيس الأمريكي "جو بايدن" في يناير/كانون الثاني كان هناك أمل بأن يتحول عن تفضيل "دونالد ترامب" للمستبدين ويفي بوعوده بوضع حقوق الإنسان في طليعة سياسته الخارجية، لكن هذه التعهدات لم تتحقق، وأكثر ما تجلى فيه ذلك هو استئناف "بايدن" للعلاقات مع الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" دون تغيير.

وفي الواقع، استمرت واشنطن في التسامح مع انتهاكات "السيسي" لحقوق الإنسان، بالرغم من تعهد "بايدن" أثناء حملته بأنه "لا مزيد من الشيكات على بياض لديكتاتور ترامب المفضل".

خطب ود الإدارة الجديدة

اعتمدت مصر نهجًا محسوبًا لكسب ود الإدارة الجديدة، فبعد أيام فقط من فوز "بايدن" في الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر/تشرين الثاني، وظفت سفارة مصر في واشنطن شركة الضغط "براونشتاين هيات فاربر شريك"، في عقد تبلغ قيمته 65 ألف دولار أمريكي شهريا، وفق ما أفاد به موقع "فورين لوبي".

وفي تعزيز لجهود التقرب من واشنطن واسترضاء "بايدن"، أفرجت القاهرة أيضا عن أكثر من 400 سجين سياسي في ذلك الشهر.

وبالرغم من ذلك، ظلت القاهرة تشعر ببعض القلق بشأن ضغط محتمل من "بايدن" بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، وتعززت هذه المخاوف مع رفض "بايدن" الاتصال بـ"السيسي" حتى مايو/أيار.

ومع ذلك، لم تكن مصر مستعدة لتقديم تنازلات رئيسية إلى "بايدن" مثل إطلاق عدد أكبر من السجناء السياسيين، مما يشير إلى أن القاهرة رأت أن الرئيس الأمريكي الجديد لن يتابع تهديداته في نهاية المطاف.

كما فقد "بايدن" فرصة كبيرة للضغط على مصر بشأن انتهاكات حقوق الإنسان في فبراير/شباط.

وبالرغم أنه أعرب عن قلقه بشأن احتجاز مصر لثلاثة من عائلة الناشط الأمريكي المصري "محمد سلطان" في ذلك الشهر، إلا أنه قبل يوم من ذلك، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن بيع صواريخ أرض جو بقيمة 197 مليون دولار إلى الجيش المصري.

وادعى بيان الولايات المتحدة بشأن صفقة الأسلحة أنه "سيدعم السياسة الخارجية والأمن القومي للولايات المتحدة من خلال المساعدة في تحسين أمن حليف كبير لها خارج حلف الناتو والذي يظل شريكًا استراتيجيًا مهمًا في الشرق الأوسط".

فرصة "السيسي" الذهبية

وفي وقت لاحق، عندما شنت إسرائيل عملية عسكرية على غزة في مايو/أيار الماضي، رأى "السيسي" في ذلك فرصة ذهبية لضمان دعم واشنطن، ويبدو أنه حتى ذلك الحين لم يكن "السيسي" يشعر بأنه يحظى بمباركة "بايدن" الكاملة.

وفي أول مكالمة هاتفية رسمية لـ"بايدن" مع "السيسي" في 20 مايو/أيار، أعرب الرئيس الأمريكي عن الحاجة إلى خفض التصعيد، وهكذا كانت معركة غزة بمثابة طوق الإنقاذ الذي سعى إليه "السيسي" بشدة.

قدمت مصر نفسها كوسيط سلام بارز بين "حماس" وإسرائيل، وأظهرت أنه يمكنها تقديم خدمة حقيقية لواشنطن، بالنظر إلى أن "بايدن" أخذ موقفًا متحفظًا بشأن التصعيد الإسرائيلي.

وجاء ذلك بعد أن سعت مصر أيضا في الأشهر الأخيرة إلى تحسين علاقاتها مع تركيا وقطر في محاولة لإعادة تشكيل صورتها.

وبعد أن استغلت مصر صفقة وقف إطلاق النار للحصول على القبول من واشنطن، حقق "بايدن" رغبات الرئيس المصري حيث أشاد بدور القاهرة في التوسط في الاتفاقية.

ومن الواضح أن "السيسي" كان حريصًا على اللعب على أسباب الدعم الأمريكي التقليدي للقاهرة والتي بدأت في عام 1979 بما في ذلك ضمان الود المصري تجاه إسرائيل، بعد أن كانت الدولتان في حالة حرب حتى معاهدة السلام في تلك السنة.

وزودت الولايات المتحدة مصر بحوالي 50 مليار دولار أمريكي من المساعدات العسكرية منذ ذلك الحين، متجاهلة الاستبداد الذي فاقمه الانقلاب العسكري في عام 2013 ضد "محمد مرسي"، أول رئيس منتخب ديمقراطيا بعد ثورة 2011.

الشيكات على بياض مستمرة

أصدرت 5 جماعات حقوقية (منظمة العفو الدولية في الولايات المتحدة وهيومن رايتس ووتش ومبادرة الحرية ومشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط ومعهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان) بيانًا ينتقد "بايدن" على تقديم "شيكات على بياض للسيسي" رغم وعده بوقف ذلك.

وفي مثال صارخ على أحدث انتهاكات، حكمت محكمة النقض في 14 يونيو/حزيران بتأييد عقوبة الإعدام بحق 12 من كبار أعضاء جماعة "الإخوان المسلمين"، في القضية المعروفة إعلاميًا بـ"فض اعتصام رابعة العدوية".

وتعليقا على الحكم، قال "فيليب لوثر"، مدير البحوث وكسب التأييد للشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمنظمة العفو الدولية إن "الحكم يأتي بعد ارتفاع حاد في عمليات الإعدام التي نفذت في مصر في عام 2020، مما يجعلها ثالث أكبر دولة في تنفيذ الإعدامات في العالم".

وبالإضافة إلى ذلك، نشرت منظمة "مبادرة الحرية" تقريرا في 26 مايو/أيار يسلط الضوء على محاولات مصر إخضاع الناشطين المصريين المنفيين في الولايات المتحدة، وتم إهداء التقرير لـ"مصطفى قاسم"، وهو مواطن أمريكي مات أثناء احتجازه في مصر.

وذكرت "مبادرة الحرية" أن أكثر من 120 ألفًا من المصريين يعانون في السجون ومراكز الاحتجاز، وتم سجن معظم المعتقلين دون محاكمة عادلة كما إنهم يحتجزون في ظروف غير إنسانية.

وعلاوة على ذلك، أشارت "مبادرة الحرية" إلى ما لا يقل عن 11 حالة احتُجز فيها مصريون أمريكيون، وأشار التقرير أيضا إلى أن هناك العديد من المواطنين الأمريكيين الذين احتُجز أقاربهم في مصر.

وهناك واجب قانوني واضح على إدارة "بايدن" بالتصرف لحماية مواطنيها في مصر ومعالجة انتهاكات القاهرة لحقوق الإنسان، ومع ذلك يبدو أن "السيسي" يتنفس الصعداء مع إخفاق "بايدن" في الوفاء بوعود حملته أو التزامات واشنطن القانونية بدعم حقوق الإنسان.

لا بديل عن الضغط

وفي الوقت الذي يُطلق فيه على مصر وصف "سجن في الهواء الطلق" من قبل منتقدي النظام، يبدو أن "بايدن" ضمن أن تظل قبضة "السيسي" قوية على مفاتيح هذا السجن.

ومع ذلك، ما يزال هناك حل. فقد اتضح أن ضغط "بايدن" المحتمل على "السيسي" أجبر النظام المصري مؤقتا على إعادة حساب سياساته، وهذا هو المطلوب لمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان في مصر.

وسيكون رهن المساعدات العسكرية الأمريكية للقاهرة بالإصلاحات في مجال حقوق الإنسان خطوة ضرورية، فضلا عن تقديم الدعم الملموس لأولئك الذين ما زالوا مسجونين في مصر.

المصدر | جوناثان فنتون هارفي/ إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد