الأحد 25 يوليو 2021 05:51 ص

تدهور الوضع الأمني ​​في أفغانستان منذ أن بدأت الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) في سحب قواتهما من هناك في وقت سابق من هذا العام.

وفي أوائل يوليو/تموز، سيطرت طالبان على أكبر معبر حدودي لإيران في الغرب وكذلك سطرت على معبر آخر بقندهار في الجنوب. وقال مسؤولون في طالبان الأسبوع الماضي إن الحركة تسيطر الآن على 85% من أراضي البلاد. كما ورد أنها تسيطر على كامل الحدود مع طاجيكستان.

ولا يعد الوضع مقلقا بسبب احتمالية تصعيد العنف فحسب، لكن أيضا لأن أفغانستان تحتل مساحة جيوسياسية مهمة تربط بين الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وشبه القارة الهندية؛ ما جعل موقعها موضع تنافس بين قوى عدة ترغب في الوصول إلى أراضيها الغنية بالموارد والانفتاح على أسواق مهمة أخرى.

ومع ذلك، يبدو أن اللاعبين الخارجيين الرئيسيين في البلاد يتخذون نهجا مختلفا.

فقد وعدت الولايات المتحدة بسحب جميع قواتها بنهاية أغسطس/آب.

وبينما تبنت روسيا نهج الانتظار والترقب، ابتعدت تركيا عن القتال رغم أنها عرضت حراسة مطار كابول بعد انسحاب "الناتو".

وفي الوقت الحالي على الأقل يبدو أن الجهات الخارجية قبلت قيود التدخل الأجنبي في أفغانستان؛ مما يعني ظهور واقع جديد للبلد الذي مزقته الحرب.

الولايات المتحدة

لقد نظرت الولايات المتحدة إلى أفغانستان على أنها منطقة اهتمام لعقود من الزمن، لكن أهدافها هناك تغيرت بمرور الوقت.

وبعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، شنت الولايات المتحدة حملة عسكرية من أجل الإطاحة بحكم طالبان، والتي قالت واشنطن إنها تؤوي المجموعة المسؤولة عن الهجمات: القاعدة.

لكن مصالح الولايات المتحدة في البلاد كانت دائما محدودة، ويرجع ذلك جزئيا إلى أن تنفيذ عمليات عسكرية بعيدا عن الوطن ينطوي على تحديات لوجستية ضخمة، بجانب أن أهداف واشنطن كانت أكثر أهمية في ذلك الوقت.

كان أحد الأهداف الجيوسياسية الرئيسية لواشنطن في أفغانستان هو إيجاد موطئ قدم في المنطقة؛ للحد من تقدم تحالف من دول ما بعد الاتحاد السوفيتي الذي يضم بعض جيران أفغانستان. كما أرادت السيطرة على موارد الطاقة وتحقيق وجود استراتيجي في المنطقة. وقد كانت الولايات المتحدة تستحضر دائما سوء تقدير السوفييت أثناء حربهم في أفغانستان.

وتمكّن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة من الإطاحة بحكومة طالبان، وبحلول عام 2013، سلم السيطرة على أكثر من 70% من البلاد إلى الحكومة الجديدة في كابل.

ومع ذلك، فقد أجبر عاملين رئيسيين الولايات المتحدة على التراجع الآن.

أولا، حتى مع سيطرة الإدارة المدعومة من الولايات المتحدة على جزء متزايد من أفغانستان، كان لطالبان نفوذ كبير في البلاد.

وتطور هذا النفوذ إلى مقاومة ضد الحكومة التي تقودها الولايات المتحدة، وقد كافحت كابل للاحتفاظ بمعظم البلاد بالرغم من الموارد الكبيرة التي استثمرتها واشنطن في أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة.

وفي الواقع، أصبح من الواضح أن الحفاظ على السيطرة يتطلب وجود القوات الأمريكية على الأرض؛ الأمر الذي يحمل تكلفة أعلى مما تستحقه الفوائد.

ثانيًا، والأهم من ذلك، أن القوى الأجنبية الأخرى مشغولة جدا في أماكن أخرى مما يدفعها لتجنب التورط في المستنقع الأفغاني؛ حيث تنشغل الصين بمشاكلها الاقتصادية، ولا ترى روسيا فائدة تذكر في دخول المعركة عسكريا، ولا تشكل الجهات الخارجية الأخرى التي قد يكون لها مصالح في البلاد تهديدا كبيرا للولايات المتحدة على أي حال.

إضافة إلى ذلك، تتطلع واشنطن بشكل متزايد إلى اللاعبين الإقليميين لتقاسم عبء تأمين النقاط الساخنة مثل أفغانستان، بينما توجه انتباهها إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ. بالنظر إلى قربهما من البلاد، قد تضطر الصين وروسيا إلى التعامل مع هذه القضية في المستقبل، وبما أن الولايات المتحدة تعتبر هاتين الدولتين أكبر تهديد لها، فإن ترك بعض عدم الاستقرار وراءهما قد يكون له في الواقع بعض الفوائد.

تركيا

انخرطت أنقرة في أفغانستان منذ سقوط نظام "محمد نجيب الله" الذي قاد البلاد حتى عام 1992. ولها مصالح عديدة في أفغانستان.

أولا، تتمثل أحد أهم أهداف الرئيس "رجب طيب أردوغان" في تحويل تركيا إلى المركز السياسي للعالم الإسلامي، وتعد أفغانستان جزءا من هذا اللغز، خاصة أنها على أعتاب آسيا الوسطى، التي تعد موطنا لكثير من السكان الناطقين بالتركية.

ثانيا، يعد توسيع النفوذ التركي في أفغانستان وآسيا الوسطى إحدى طرق مواجهة روسيا، خصم أنقرة التاريخي.

ثالثا، ترى تركيا بعض الفوائد الاقتصادية المحتملة. وقد روجت لممر "اللازورد"، وهو مشروع يربط أفغانستان بتركيا عبر تركمانستان وأذربيجان وجورجيا، متجاوزا إيران وروسيا والصين.

ويمكن لهذا المشروع أن يقلل من اعتماد تركيا على جيرانها. كما أن السوق الأفغانية، وخاصة قطاع البناء فيها، يعد واعدا أيضا للأعمال التركية.

ولا تعتبر طالبان والقوى الخارجية وجود تركيا في أفغانستان تهديدا. فقد كان التدخل التركي هناك يقتصر على كابل. (عرضت تركيا حراسة مطار العاصمة بعد انسحاب القوات).

إلى جانب ذلك، تفتقر أنقرة إلى الموارد اللازمة لتنفيذ أجندتها العثمانية الجديدة في مسارح متعددة في وقت واحد. (تنشط تركيا أيضًا في الصراع السوري، وتبني علاقات أوثق في آسيا الوسطى وتزيد من وجودها في شمال أفريقيا). إذا كان هناك أي شيء، فمن المرجح أن الولايات المتحدة مسرورة لرؤية دولة أخرى تتقدم وتساعد في جهود الأمن وإعادة الإعمار.

من المرجح أن تكون خطة تركيا لتأمين مطار كابل محاولة لجني بعض الفوائد من الأموال التي استثمرتها بالفعل في البلاد.

على سبيل المثال، يعمل 90% من 76 شركة تركية عاملة في أفغانستان في قطاعي البناء والمقاولات.

وقد طورت هذه الشركات 701 مشروعا بين عامي 2003 و 2018، بقيمة إجمالية تقارب 6.6 مليارات دولار.

ونتيجة لذلك، لدى الشعب الأفغاني تصور إيجابي بشكل عام عن تركيا. وقد انتقدت طالبان خطة تركيا لحراسة المطار، لكنها أعربت أيضا عن أملها في علاقات وثيقة مع أنقرة بعد انسحاب القوات الأجنبية.

روسيا

بالنسبة لروسيا، يعتبر استقرار أفغانستان أمرا بالغ الأهمية؛ لأن البلاد تقع على حدود آسيا الوسطى، وهي منطقة عازلة مهمة إلى الجنوب.

بدأت روسيا وبريطانيا في القرن التاسع عشر، التنافس على النفوذ على البلاد. وبعد الحرب العالمية الثانية، رأى السوفييت توسيع نفوذهم هناك كأولوية في السياسة الخارجية، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى حاجتهم إلى توسيع مجال نفوذهم خلال الحرب الباردة بعد أن فقدوا السيطرة على الجمهوريات التابعة في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي، ولم تعد روسيا ترى أفغانستان كدولة عازلة.

اليوم، تركز روسيا على الحفاظ على الحاجز بين حدودها والتهديدات التي تراها ناشئة في أفغانستان.

وهذا الحاجز هو آسيا الوسطى. وعلى عكس الاتحاد السوفيتي، فقد رسمت روسيا اليوم خطا واضحا  على الحدود التركمانية والطاجيكية والأوزبكية، ولا ترغب في التدخل عسكريا بعده.

وبالتالي، فإن اهتمامها الأساسي في أفغانستان هو كيف يمكن أن يؤثر عدم الاستقرار هناك على بلدان آسيا الوسطى.

إذ يشكل انتشار العنف وتجارة المخدرات والعناصر المتطرفة في أفغانستان تهديدا لآسيا الوسطى؛ وبالتالي على روسيا أيضا.

ورغم أن الكرملين وعد ببذل كل ما في وسعه لمنع المزيد من التصعيد للصراع، بما في ذلك استخدام قاعدته العسكرية رقم 201 في طاجيكستان، إلا أنه متردد في التدخل.

 كانت الحرب السوفييتية مع أفغانستان غير شعبية على نطاق واسع وأسفرت عن خسائر فادحة، بما في ذلك مقتل 15 ألفا من الجنود السوفيت. لا يريد الكرملين أن يكرر التاريخ، ولا يريد تقويض معدلات تأييد الحكومة قبل الانتخابات المرتقبة في الخريف.

تتخذ موسكو الآن طريقا مختلفا. إنها تتفاوض مباشرة مع طالبان، للحصول على تطمينات بأن أنشطتها ستقتصر على الأراضي الأفغانية، ولإبراز صورتها كوسيط.

فقد التقى ممثلو طالبان مع المبعوث الروسي الخاص لأفغانستان في موسكو في 8 يوليو/تموز، وكانت الحركة وعدت في وقت سابق خلال محادثات في طهران بعدم السماح باستخدام أراضيها لشن هجمات على روسيا.

التوقعات

تعد الاجتماعات الرسمية في موسكو وطهران جزءا من قواعد اللعبة الجديدة لطالبان.

وفي محاولة للحصول على اعتراف دولي، أصبحوا الآن أكثر انفتاحا على التفاوض مما كانوا عليه في الماضي. ومع ذلك، تدرك الجهات الخارجية أنه بغض النظر عن مدى قوة طالبان داخل أفغانستان، فإن قدرتها على التوسع خارج حدودها محدودة للغاية. وهدفهم الآن هو ببساطة الحفاظ على مواقفهم؛ مما يفسح المجال للتفاوض.

 روسيا، على سبيل المثال، قالت إنها قد تفكر في إزالة طالبان من قائمة المنظمات الإرهابية. في غضون ذلك، قالت الولايات المتحدة إنها ستواصل تقديم الدعم اقتصاديا وعسكريا.

ترى القوى العالمية أن واقعا جديدا آخذ في الظهور. تنسحب القوات الأمريكية وقوات الناتو، وتحبط معنويات قوات الجيش الأفغاني. بلغت قوة طالبان ذروتها منذ بدء الحرب في عام 2001. ويبدو أن الولايات المتحدة وتركيا وروسيا وآخرين قد قبلوا حدودهم وحقيقة أن مستقبل أفغانستان سيحدده الأفغان أنفسهم.

المصدر | إيكاترينا زولوتوفا- جيبوليتكال فيوتشرز/ترجمة وتحرير الخليج الجديد