الخميس 29 يوليو 2021 04:36 ص

نقلت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية ما قالت إنها "رواية مروعة" تصف كيف عذب عملاء سعوديون مقربون من ولي العهد "محمد بن سلمان"، "سالم عبيد المزيني"، صهر مسؤول الاستخبارات السعودي البارز السابق "سعد الجبري"، المقيم في كندا، والذي يلاحقه "بن سلمان" بإصرار لإعادته إلى المملكة، حيث اتهمته الحكومة السعودية بالفساد المالي.

وقالت الصحيفة، في تقرير كتبه الصحفي الأمريكي البارز "ديفيد إجناتيوس" إن تلك الرواية المروعة كانت محور دعوى قضائية أمام محكمة كندية أقامتها زوجة "المزيني"، "حصة بنت سعد الجبري"، حيث أكدت فيها تعرضه للجلد والتجويع والضرب بقضبان حديدية والصعق بالكهرباء؛ كما قالت أيضًا إنه أُمِر بالزحف على أطرافه الأربعة والنباح مثل الكلب.

وقال "المزيني" أيضا إن مساعد "محمد بن سلمان" المقرب "سعود القحطاني" كان حاضرا أثناء تعذيبه، كما أن الضابط السعودي "ماهر المطرب" شارك أيضا في التعذيب، وهو أحد أبرز المتهمين في قضية اغتيال الصحفي السعودي "جمال خاشقجي"، علاوة على سبعة من فريق الاغتيال.

وأرفق بالتقرير المقدم إلى المحكمة صورا مؤلمة لندوب واسعة النطاق على جسد "سالم المزيني" نجمت عن إصابات قال إنه أصيب بها على يد عملاء ولي العهد السعودي، حيث أكد "المزيني" أنه ضرب "نيابة عن صهره سعد الجبري" كما أخبره المحققون الذين كانوا يوسعونه ضربا متواصلا، ويقولون له إنه يجب أن "يحصل على حصة سعد الجبري من الضرب لأن الأخير لا يريد الرجوع إلى السعودية".

وأوضحت "واشنطن بوست" أن تلك التفاصيل وصلت إلى هاتف "حصة الجبري" عبر رسالة نصية في سبتمبر/آب 2019، وفقًا لعائلتها، مع تعليمات بنشرها في حال اختفائه مرةً أخرى، وبالفعل لا يزال "سالم المزيني" مختفيا منذ أن قُبِض عليه في دبي يوم 26 سبتمبر/أيلول 2017 من قبل مسؤولين أمنيين إماراتيين، ثم أرسلوه إلى السعودية؛ ثم اختفى تماما يوم 24 أغسطس/آب 2020 بعد زيارته لمسؤول أمني سعودي رفيع المستوى، حيث لم ير منذ ذلك الحين.

وعلقت الصحيفة على تفاصيل التعذيب قائلة إن الرواية التي أرسلت إلى هاتف زوجة "المزيني" نجلة "سعد الجبري"، "تذكرنا بمذكرات معاناة السجناء السياسيين في إيران وتشيلي وجنوب إفريقيا والاتحاد السوفيتي".

ووفقا للرواية، يقول "المزيني": "مرت الأيام، وظللت أخشى سماع صوت المفاتيح وفتح الباب. لم أكن أعرف ما كان مُخَبّئًا لي، سواء كان تعذيبًا أم تصفية".

ويصف "المزيني" كيف أمره أحد المحققين بتقبيل حذائه ثم ضرب رأسه، معلقا بأسى: "المفارقة المحزنة هي أنه لم يكن هناك جهاز آخر ساعدتُه أكثر من المباحث والاستخبارات الخاصة، وها أنا الآن رهن الاعتقال والتعذيب من قبلهم".

وذات مرة، والكلام لـ"واشنطن بوست"، طلب منه الشخص الذي يحقق معه أن يمد يده إلى صندوق ما ويختار سوطًا من أجل عملية ضربه التالية؛ وعندما تردد، اختار المحقق أحدها وجلد "المزيني" أثناء تبوله.

أيضا طُلِب من "المزيني" عدم ذكر اسمه، وبدلًا من ذلك أشار إلى نفسه على أنه "الرقم تسعة".

وفي وقت آخر، أُمِر بتناول عشائه من الأرض مثل الكلب.

يروي "المزيني": "كنت أشعر بالقلق من جميع الجهات. كنت قَلِقًا على والدتي وزوجتي وأطفالي وأخواتي وعمي وشركاتي والموظفين ومستقبلي والألم في جسدي والإذلال والخوف. في الواقع، لا يمكن للمشاعر أن تصف الأمر. كل ما سأقوله هو أن ظلم وقمع البشرية كانا شديدَين. شعرت بالضعف والعجز".

وقالت الصحيفة إن السفارتين السعودية والإماراتية في واشنطن رفضتا التعليق على مزاعم التهذيب التي وردت في رواية صهر "صعد الجبري" المقدمة إلى المحكمة الكندية.

وانضم "المزيني"، وهو خريج أكاديمية الشرطة بالسعودية، إلى وزارة الداخلية وأشرف على مشاريع طيران للأمير "محمد بن نايف"، الذي كان حينها مسؤولًا عن مشاريع مكافحة الإرهاب في الوزارة قبل أن يصبح وزيرًا الداخلية ووليًا للعهد.

ووفقًا لرواية "المزيني"، فإنه عندما قرر "بن نايف" إنشاء شركة طيران خاصة تدعى "ألفا ستار"، طلب من "المزيني" إدارتها، وفي وقت لاحق، عندما أنشأ "بن نايف" شركته الخاصة للطيران التجاري باسم "سكاي برايم للطيران"، طلب من "المزيني" الإشراف عليها في دبي.

المفارقة أيضا أن ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان"، بحسب الصحيفة، استخدم طائرة تابعة لتلك الشركة لنقل فريق اغتيال الصحفي السعودي "جمال خاشقجي" إلى إسطنبول، وذلك بعد أن استولى على الشركة.

جريمة "المزيني" المزعومة، بناء على الأسئلة التي قال إن معذبيه سألوه إياها، هي أنه ساهم في مؤامرة لسحب الأموال من شركتَي الطيران، وهو أمر يقول إنه نفاه طيلة جلسات التعذيب.

وبالمثل نفى "سعد الجبري" أي تورط في إساءة استخدام الأموال.

ورفعت شركات تسيطر عليها الحكومة السعودية دعوى قضائية ضد "الجبري" في كندا، حيث يعيش الآن، لاستعادة الأموال التي تزعم أنه سرقها.

وتقول الصحيفة: "لكن جريمة المزيني الحقيقية، كما يتضح في وثائق المحكمة، ربما كانت زواجه من ابنة الجبري، حصة".

وتضيف: "كان بن سلمان، وهو منافس بن نايف، يلاحق الجبري منذ عام 2017 عندما عزل بن نايف من منصب ولي العهد وفرّ الجبري من المملكة، ويحاول بن سلمان إجباره على العودة إلى المملكة منذ ذلك الحين".

وتستأنف "واشنطن بوست" سرد رواية تعذيب "المزيني" المروعة، فتقول: "قال إنه ذات مرة، قبل أن يُضرَب مائة مرة دون توقف، قيل له: (هذا نيابةً عن سعد الجبري)، و(هذا جزاء زواجك من ابنته)".

في بعض الأحيان، قال المحققون لـ"سالم" وهم يضربونه: "نحن نضيف جلدات وعمليات ضرب إضافية لأن والد زوجتك ليس هنا، لذا يمكنك أن تأخذ نصيبه".

وبعد مقتل "جمال خاشقجي" في إسطنبول في أكتوبر/تشرين الأول 2018 بناءً على ما تصفه وكالة الاستخبارات المركزية بأوامر من "بن سلمان"، تبادر إلى "المزيني" أمر مألوف، حيث قال لزوجته إن الأشخاص الذين كانوا يستجوبونه هم "ماهر المطرب"، الذي كُشِف علنًا عن كونه قائد فريق الاغتيال في إسطنبول، وسبعة من أعضاء الفريق الآخرين، وفقًا لإفادة خطية من زوجته.

تزعم الإفادة الخطية أيضا أن من بين الحاضرين أثناء تعذيبه كان مساعد "محمد بن سلمان" المقرب "سعود القحطاني".

وتقول الصحيفة إنه عندما احتُجِز "المزيني" في فندق "ريتز كارلتون" لمدة ستة أسابيع تقريبًا بدءًا من أواخر عام 2017، فقد توقف التعذيب وفقًا لإفادة زوجته.

كانت عملية الابتزاز حينها تتعلق بالحصول على المال – كما كان الحال مع حوالي 400 سعودي بارز آخر، بمن في ذلك أمراء ومسؤولون بارزون احتُجِزوا في الفندق، في نوفمبر/تشرين الثاني 2017 وأجبرهم عملاء "بن سلمان" على التنازل عن أصول كانوا يمتلكونها.

وقال "المزيني"، خلال الإقادة، إنه قيل له في فندق "ريتز كارلتون": "سنأخذ كل أموالك. نحن لا نعترف بالعقود أو أي من ترهاتك. سنعيد الأموال إلى الدولة"، ووافق أخيرًا على تسليم أكثر من 400 مليون ريال سعودي، أي ما يعادل حوالي 106 ملايين دولار بأسعار الصرف الحالية.

وأضاف "المزيني" لزوجته: "لم يكن يكفيهم تعذيبي وسجني، لكن هل كان عليهم أخذ أموالي أيضًا؟.. لماذا حدث كل هذا؟ لماذا كل هذا الظلم؟ لم أفعل شيئًا خاطئًا ولم أرتكب أي ذنب.. لقد عرضتُ خدماتي وأنجزتُ أشياء كثيرة لهذا البلد.. لقد ساهمتُ في الحفاظ على سلامتها".

وفي ختام روايته المريعة، يقول "المزيني" عن آسريه: "بكل صراحة، الكلمات الوحيدة التي يجب أن أصفهم بها أنهم المنافقون الذين أفسدوا في الأرض".

المصدر | الخليج الجديد