لم تكن زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي "يائير لابيد" إلى المغرب هذا الأسبوع حدثا عاديا، حيث إنها جاءت بعد أشهر من قيام المغرب بتطبيع علاقاته مع إسرائيل. ومع ذلك، بدت هذه الزيارة رفيعة المستوى كأنها مهزلة وطنية في المغرب، فهي سخيفة وغريبة على حد سواء.

ورفض رئيس الوزراء المغربي "سعد الدين العثماني" لقاء المسؤول الإسرائيلي، وهو قرار يصعب فهمه، خاصة أن "العثماني" هو الذي وقع في 22 ديسمبر/كانون الأول 2020 على الإعلان المغربي الإسرائيلي المشترك الذي كان الخطوة الأخيرة في اتفاق التطبيع مع إسرائيل.

وبرر الرجل، الذي كان نصيرا للقضية الفلسطينية وأعلن في أغسطس/آب 2020 رفضه "لأي تطبيع مع الكيان الصهيوني"، توقيعه فيما بعد على اتفاق التطبيع مع إسرائيل عبر التذرع بـ"الدعم الدائم الذي قدمه الكيان الصهيوني لحكومة الملك محمد السادس في جميع المبادرات التي يطلقها من أجل المصلحة العليا للمملكة".

ويا له من مبرر سيئ.

نفاق

ويشغل "العثماني" منصب الأمين العام لحزب "العدالة والتنمية" الإسلامي الديمقراطي. فهل يشير رفضه لقاء "لابيد" إلى أن هذا "الدعم الدائم" للملك تراجع؟ حسنًا، تنتشر السخرية في المغرب من هذه التناقضات.

وبرر سياسي إسلامي آخر، وهو "عبدالإله بنكيران"، رئيس الوزراء السابق والرئيس السابق لحزب العدالة والتنمية (الذي لم يفوت فرصة لإعلان دعم سياسات النظام المغربي) التطبيع مع إسرائيل ببيان غامض حول "المصالح العليا للدولة".

كما برر فضيحة برنامج التجسس الإسرائيلي "بيجاسوس" باسم الأمن القومي.

وبالرغم من استمرار "العثماني" في الادعاء بأنه يدعم النضال الفلسطيني، فمن الواضح أنه لا يملك الشجاعة في هذه "المملكة المباركة"، كما يصفها النظام، للوقوف وجها إلى وجه أمام المسؤولين الإسرائيليين الذين يتدخلون في الشؤون الداخلية المغربية.

ومن الأمثلة على ذلك رئيس مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط "ديفيد جوفرين". وخلال حرب إسرائيل على غزة في مايو/أيار الماضي، لم يكن لدى "جوفرين" أي قلق من كتابة عدد كبير من التغريدات، التي حذفها لاحقا، حول ما يعتقده عن الفلسطينيين وحلفائهم المغاربة.

تحالف استراتيجي

وبأسلوب غير دبلوماسي لافت للنظر، ذهب "جوفرين" إلى حد إلقاء اللوم على "العثماني" لدعمه وتهنئتة "المنظمتين الإرهابيتين، حماس والجهاد الإسلامي" (على حد زعمه). وبالطبع يعني دعم جماعة "إرهابية" أن الداعم إرهابي أيضا.

وبدلا من انتقاد رئيس وزراء إسرائيل آنذاك "بنيامين نتنياهو" أو انتقاد التدخل الإسرائيلي في الشؤون الداخلية للمغرب، التزم "العثماني" الصمت. وكان يعلم أنه لن يحظى بدعم القصر الذي اختار بشكل قاطع التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل تحسبا لمستقبل مضطرب.

ولعل فكرة تقفز إلى عقولنا حول ما كان سيحدث لو انتقد سفير دولة أوروبية مثل إسبانيا عضوا في حكومة الملك المغربي. دعونا لا نتحدث حتى عن السفارة الفلسطينية في الرباط، التي لم تشر ولم تلمح ولم تنتقد على الإطلاق اتفاق التطبيع بين إسرائيل والمغرب.

لهذا السبب، حاول "العثماني" مؤخرا إثبات أنه لا يزال لديه بعض النفوذ من خلال دعوة رئيس المكتب السياسي لحركة حماس "إسماعيل هنية" إلى الرباط في يونيو/حزيران الماضي. وكانت هذه سابقة للمرة الأولى، لكن لم ينخدع أحد، وكان الجميع يعلم أن مثل هذه الزيارة لم تكن لتحدث أبدا بدون موافقة مسبقة من القصر الملكي، والتي بدونها لا يمكن أن يحدث شيء في المغرب.

وكان الهدف من حملة العلاقات العامة هذه هو إنقاذ سمعة "العثماني" نفسه، حيث يُنظر إليه الآن على أنه رئيس حكومة وحزب سياسي منغمس بعمق في هذه التناقضات التي يتسم بها نهج المغرب. لكنها كانت قبل كل شيء محاولة لإدامة وهم "لجنة القدس"، وهي هيئة تأسست عام 1975 لجمع أنصار الشعب الفلسطيني في جميع أنحاء العالم العربي، ويرأسها العاهل المغربي.

ويرى بعض المراقبين أن الدافع الحقيقي وراء توجيه الدعوة لـ "هنية" لزيارة الرباط هو تقويض الطموح المحتمل للرئيس التركي إما بتولي رئاسة اللجنة أو إعلان أن اللجنة غير ذات صلة بسبب عدم جدواها وتناقضها.

وأعطت زيارة "هنية" للمغرب الفلسطينيين فرصة لتسجيل نقاط ضد إسرائيل. ولكن ما الذي كان يفكر فيه زعيم "حماس" حقا عندما تمت دعوته لتناول العشاء في القصر الملكي بحضور رئيس الوزراء؟ هل كان صادقا عندما أعلن عن تقديره لـ "الإجماع المغربي تجاه قضية فلسطين على كافة الأصعدة، الملكية والحكومية والشعبية، بما في ذلك الأحزاب والحركات السياسية"؟

تصريح غريب

وكان هذا البيان غريبا بالفعل، بالنظر إلى أنه بعد أيام قليلة، كشف تسريب في الصحافة الإسرائيلية أن طائرة عسكرية مغربية هبطت في إسرائيل على متنها عناصر من القوات المسلحة الملكية، الذين شاركوا في مناورات عسكرية مشتركة مع الجيش الإسرائيلي الذي يطلق النار بانتظام على الفلسطينيين.

وتشارك الدول عادة في مثل هذه التدريبات العسكرية من أجل اختبار قواتها والاستعداد لمواجهة عدو مشترك. ولكن من هو هذا العدو المشترك الذي يمكن أن يهدد كلا البلدين في ذلك الجزء المحدد من العالم؟ سوريا؟ إيران؟ حزب الله؟

وإذا لم تحدث المفاجأة، لن يلتقي "يائير لابيد" بـ "العثماني". وحتى لو حدث ذلك، فماذا سيكون الهدف من مثل هذا الاجتماع؟

يعرف "لابيد" جيدا أن السلطة الحقيقية في المغرب ليست بيد البرلمان أو الحكومة التي يوجد مقرها داخل القصر الملكي نفسه. ويريد "لابيد" تعزيز التعاون بين البلدين في جميع المجالات، التجارية والاقتصادية والمالية والتكنولوجية وغيرها. ويشمل ذلك قضايا الأمن القومي، التي كانت دائما محورا رئيسيا في العلاقات المغربية الإسرائيلية السرية قبل اتفاق التطبيع.

وبما أنه من المرجح أن تتم دعوة "لابيد" إلى القصر، سيكون من المثير للاهتمام معرفة ما إذا كان سيجلس في نفس المكان الذي جلس فيه "هنية" في يونيو/حزيران الماضي.

المصدر | علي لمرابط/ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد