الأحد 15 أغسطس 2021 09:39 م

حدثت أشياء غريبة خلال الأيام العديدة الماضية في خليج عمان، حيث أفادت بعض الأطقم البحرية أنها فقدت السيطرة مؤقتًا على سفنهم لأسباب غير محددة.

وقد تعرضت سفينة أخرى لما وصفته البحرية البريطانية بأنه "اختطاف محتمل غير مرتبط بالقرصنة" عندما صعد على متنها رجال مسلحون مجهولون ثم غادروا السفينة في ظروف غامضة.

وقد تركز معظم الاهتمام على سفينة أخرى تعرضت لهجوم بطائرة بدون طيار؛ مما أسفر عن مقتل اثنين من أفراد الطاقم.

واتضح أن هذه السفينة، وهي ناقلة تحمل اسم "ميركر ستريت"، كانت تدار من قبل شركة إسرائيلية، بالرغم من أن السفينة التي ترفع العلم الليبيري مملوكة لشركة يابانية، وتبين أن طاقمها القتلى بريطانيون ورومانيون.

تم توجيه حملات التنديد على الفور إلى إيران. وكالعادة في أي شيء يتعلق بها، كان المسؤولون الإسرائيليون هم الأعلى في التنديد والأسرع في إشهار السيوف.

وقد أعلن نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع الإسرائيلي، "بيني جانتس"، أن "العالم بحاجة إلى التعامل مع إيران، والمنطقة بحاجة للتعامل مع إيران، وإسرائيل بحاجة أيضًا إلى القيام بدورها في هذا الوضع".

وقال "جانتس"، رداً على أسئلة المراسلين، إن إسرائيل مستعدة لضرب إيران وإن على الآخرين المشاركة في العمل العسكري.

كان تصريح وزير الخارجية الأمريكية "أنتوني بلينكين" أقل عدوانية إلى حد ما، حيث استخدم عبارة "إدانة قوية" ولكنه وعد فقط بالتشاور مع الحكومات الأخرى حول "الرد المناسب". وقال: "نحن واثقون من أن إيران هي من قامت بهذا الهجوم". وليس من الواضح ما الذي يمنح "بلينكن" مثل هذه الثقة.

كما هو الحال دائمًا، لا يستطيع هؤلاء الأشخاص خارج أروقة الحكومة الوصول إلى أي معلومات متاحة، لذلك فإن إسناد المسؤولية على أسس متينة عن هذا النوع من الهجوم قد يكون بعيد المنال.

وعينت إيران للتو رئيسًا متشددًا يحتاج إلى إصلاح الاقتصاد الإيراني المريض بسرعة، وبناءً على ذلك، يطمح الرئيس إلى جانب المرشد الأعلى "علي خامنئي" في التخفيف من العقوبات الأمريكية من خلال إعادة العمل بالاتفاق الذي يقيد برنامج إيران النووي.

لم يعد هناك رئيس إيراني معتدل يقوضه المتشددون، ولذلك فإن المخاطرة بمواجهة عسكرية الآن لا تخدم أجندة المتشددين الذين لديهم القوة.

كما نفت إيران ضلوعها في الهجوم، بعبارات تبدو أقوى مما لو كان النظام يحاول إرسال رسالة عبر هذه العملية.

ولا ينبغي أن يؤخذ النفي في ظاهره، ولكن لا ينبغي أيضا استبعاد أن المحرض على الهجوم كان شخصًا يرحب بالعمل العسكري في الخليج العربي، مع كل الضرر الدبلوماسي الذي قد يترتب عليه أكثر من النظام في طهران.

وحتى لو كان النظام الإيراني مسؤولاً، فلن يكون الحادث سوى أحدث نقطة بيانات في منافسة إسرائيلية - إيرانية سرية كانت إسرائيل فيها هي البادئ.

 إن السجل الإسرائيلي من التخريب والاغتيالات وغيرها من الأعمال الضارة والعدوانية ضد إيران واسع النطاق، وقد شمل أعمال تخريب داخل إيران لا تشبه ما فعلته إيران داخل إسرائيل.

لقد تم ربط العديد من الأهداف بالبرنامج النووي الإيراني، لكن تم استهداف منشآت أخرى أيضًا، مثل المستودعات ومصانع البتروكيماويات.

هذا بالإضافة إلى محاولات الهجمات التي تزعم السلطات الإيرانية أنها أحبطتها.

إن  الطبيعة السرية للتخريب تخفي الكثير، لكن اليد الإسرائيلية في الهجمات مقنعة - على الأقل - مثل اليد الإيرانية المزعومة فيما حدث في خليج عمان.

امتدت الهجمات الإسرائيلية إلى السفن في عرض البحار. ولم تكن الأهداف البحرية عسكرية فحسب، بل كانت تجارية أيضًا، واستهدفت ناقلات النفط.

استهدفت إسرائيل ما لا يقل عن 12 سفينة إيرانية متجهة إلى سوريا، معظمها ناقلات نفط. يضاف إلى كل ذلك حملة إسرائيلية مستمرة من الضربات الجوية في سوريا، والتي كانت تستهدف في الغالب أهدافًا مرتبطة بإيران وتسببت في خسائر بشرية لا توصف.

من السهل في أي منافسة مطولة تتضمن أعمالا انتقامية متبادلة، أن يغيب عن بالنا كيف بدأ كل شيء، ومن الصعب تحديد أي من الأفعال متبادل وأيها غير متبادل.

لكن فحص المبادلات الإسرائيلية الإيرانية يظهر أن إسرائيل هي البادئ وأن إيران هي المستجيب.

على سبيل المثال، كانت الاغتيالات الإسرائيلية المتسلسلة للعلماء النوويين الإيرانيين قبل عدة سنوات مختلفة عن أي شيء فعلته إيران ضد إسرائيل - بالرغم من أن ما يُعتقد عمومًا أن العلماء النوويين الإسرائيليين قد أنجزوه سراً يتجاوز بكثير، مع تداعيات عسكرية، ما فعلته إيران.

عندما نفذت إيران بعد ذلك بعض الهجمات التي لم تكن ناجحة جدًا ضد أهداف دبلوماسية إسرائيلية في الخارج، كان من الواضح أنها كانت محاولة للرد على عمليات قتل العلماء، حتى في درجة محاكاة أساليب الهجوم.

فيما يتعلق باغتيالات الإيرانيين، كانت إسرائيل في الآونة الأخيرة تكرر ذلك.

باختصار إذا كانت إدارة "بايدن" تريد دعم الملاحة الحرة والسلمية للبحار ومعارضة الأعمال الضارة والمزعزعة للاستقرار في منطقة الخليج، فلا فائدة من استبعاد أحد الأطراف بينما تتجاهل الإجراءات الضارة والمزعزعة للاستقرار للطرف الآخر.

إن القيام بذلك يكشف أن سياسة الولايات المتحدة لا تقوم على احترام قواعد السلوك الدولي بل على المحسوبية الموجودة لأسباب أخرى.

بالإضافة إلى ذلك، سيستمر الطرف الذي تم استهدافه في الانتقام من الضرر الذي لحق به.

حتى الآن، يشبه الرد على ما حدث في خليج عُمان حادثة في خليج آخر قبل 57 عامًا.

في كل حالة، كان هناك لقاء غامض في البحر، مع الرغبة في القفز إلى استنتاجات حول النوايا الشريرة لسلطة محلية.

لقد قفز الاستنتاج حول ما حدث في خليج تونكين في عام 1964، إلى أن السفن الفيتنامية الشمالية هاجمت، في 4 أغسطس/آب، المدمرة الأمريكية، "يو إس إس مادوكس"، في المياه الدولية ولكن هذا في الواقع لم يحدث.

وقد استندت القفزة إلى النتيجة الخاطئة للتطلع السياسي في واشنطن لعزو العدوانية إلى شمال فيتنام وعلى سوء تفسير من قبل البحارة للصور الضبابية التي رأوها على أمواج المحيط ليلا وعلى راسمات الذبذبات الخاصة بهم.

هناك تشابه آخر هو أن القوة المحلية التي يتم إلقاء اللوم عليها قد تم استفزازها مرارًا وتكرارًا من قبل دولة أخرى في المنطقة حظيت بموافقة واشنطن، وأن أحد الأسباب التي جعلت البحارة على متن حاملة الطائرات "يو إس إس مادوكس" يقومون بذلك هو أن زوارق الدوريات الفيتنامية الشمالية أطلقت النار بالفعل على المدمرة قبل يومين عندما كانت "يو إس إس مادوكس" في المياه الإقليمية لفيتنام الشمالية.

وكان هناك تشابه آخر بين الحلقتين، وهو أن فيتنام الشمالية في عام 1964 لم يكن لديها سبب آخر لرغبة بحرب أوسع مع الولايات المتحدة - حيث سيتكبد الفيتناميون الشماليون تكاليف باهظة - مقارنة بإيران في عام 2021.

من المحتمل ألا يذهب التشابه بعيدًا لدرجة أن يسن الكونجرس بخصوص خليج عمان قرارا مماثلا لقرار خليج تونكين، الذي تحول لتفويضً من الكونجرس لحرب فيتنام.

لكن هذا ليس مطمئنًا، نظرًا للرخاوة التي عولجت بها تصاريح استخدام القوة العسكرية في الآونة الأخيرة.

فاليوم، يقاوم بعض الجمهوريين في الكونجرس إلغاء تفويض الحرب في العراق لعام 2002 - 2003 وهي الحرب التي أطاحت بـ"صدام حسين"، العدو اللدود لإيران - لأنه، على حد تعبير السناتور "تيد كروز"، سيتم استخدام الإلغاء "كمبرر للاستمرار في التساهل مع إيران".

المصدر | باول بيلار/نيويورك تايمز – ترجمة وتحرير الخليج الجديد