الثلاثاء 17 أغسطس 2021 09:57 ص

لو كانت الولايات المتحدة ألقت القبض على "أسامة بن لادن" وقتلته في ديسمبر/كانون الثاني 2001، لكان الوجود العسكري الأمريكي في أفغانستان قد تلاشى بعد ذلك مباشرة تقريبا. في الحقيقة لا أستطيع إثبات ذلك، إنه مجرد رأي من وجهة نظري كأحد كتاب خطابات الرئيس "جورج دبليو بوش" في عامي 2001 و2002. ومع ذلك فأنا أؤمن به بشدة.

لقد بقيت الولايات المتحدة لمدة 20 عاما في أفغانستان لأن "بوش" في البداية ومن ثم خلفاءه حوصروا في الحاجة إلى معالجة إخفاقات الماضي من خلال مضاعفة جهود المستقبل. وفي خريف عام 2001، كانت مهمة الولايات المتحدة في أفغانستان واضحة ومحدودة وقابلة للتحقيق، العثور على "بن لادن" وقتله. وبعد هروب "بن لادن"، تصاعدت تلك المهمة حتى وصلت إلى شيء ضبابي وصعب بشكل مستحيل، وهو إعادة بناء المجتمع الأفغاني وإعادة تشكيل الدولة الأفغانية.

ولو نجحت القوات الأمريكية ضد "بن لادن" عام 2001، لكان من الممكن تحقيق العدالة بالطريقة التي يحبها الأمريكيون، أي عبر مهمة سريعة وحاسمة ورخيصة. وكان بإمكان الجمهوريين أن يخوضوا حملة انتخابية في انتخابات عام 2002 كمنتصرين في حرب مكتملة ثم يركزون على الاهتمامات المحلية.

لكن إذا كان "جورج بوش" قد تعلم درسا واحدا من رئاسة والده، فإنه "حتى أكثر النجاحات العسكرية الساحقة لا تُترجم إلى إعادة انتخاب". وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1992، حصل "بوش الأب" على نسبة 37% من الأصوات ضد مرشح ديمقراطي كان قد عارض انتصار حرب الخليج.

لقد قضى بقاء "بن لادن" على أي فكرة تتعلق بالعودة إلى الاهتمامات المحلية. ودون مقتل "بن لادن" أو القبض عليه، بدت الإطاحة السريعة بحكومة طالبان بمثابة جائزة ترضية إلى حد كبير.

فتح الطريق أمام حرب العراق

ومرة أخرى، هذا رأي رجل واحد فقط، لكنني لا أعتقد أن "بوش" كان ملتزما بعد بحرب برية ضد "صدام حسين" عندما ألقى خطابه حول "محور الشر" في يناير/كانون الثاني 2002. وقد حدد هذا الخطاب إمكانات أسلحة العراق على أنها أسلحة دمار شامل تهدد الأمن القومي الأمريكي. وقال نفس الشيء عن إمكانات أسلحة إيران وكوريا الشمالية، ولم يكن لدى "بوش" أي نية لمحاربة أي منهما. وكانت هناك ولا تزال العديد من الطرق لمعالجة تهديدات الأسلحة المحتملة بخلاف الحرب البرية، سواء كانت عقوبات أو تخريب أو ضربات جوية.

لكن في العام الذي أعقب ذلك الخطاب، تم تبني قرار الحرب. وكان لا بد من عمل شيء ضد "الإرهاب الإسلامي" خارج أفغانستان. وأصبحت حرب العراق هو هذا الشيء. ولكن من المثير أن هذه الحرب أدت إلى انقسام نخبة السياسة الخارجية الأمريكية. وكانت هناك رغبة كبيرة لدى الشخصيات البارزة في إدارة "بوش"، نائب الرئيس "تشيني" ووزير الدفاع "دونالد رامسفيلد"، في الهروب من أفغانستان. وكانت هذه الرغبة جزئيا بسبب إصرارهم على القضاء على "صدام حسين"، لكنها كانت أيضا تفضيلا سياسيا في حد ذاتها.

وعمل المنطق الذي دفع "بوش" نحو العراق بشكل عكسي على دفع خصوم "بوش" الديمقراطيين إلى التعمق أكثر فأكثر في أفغانستان. وأشك في أن "جون كيري" أو "باراك أوباما" كانا سيختاران الحرب البرية في أفغانستان باعتبارها مشروع سليم في السياسة الخارجية. لكن بعد أن وصفوا العراق بالحرب الخاطئة في المكان الخطأ ضد العدو الخطأ، اضطروا لاعتبار أفغانستان الحرب الصحيحة في المكان المناسب ضد العدو المناسب.

وأصبح من عقيدة الحزب الديمقراطي المطالبة بالمزيد والمزيد في أفغانستان. وهكذا حث البرنامج الديمقراطي في عام 2004 على ما يلي: "يجب علينا توسيع انتشار قوات الناتو خارج كابل. ويجب أن نسرع ​​في تدريب الجيش والشرطة الأفغانيين. ويجب التعجيل ببرنامج نزع سلاح ميليشيات أمراء الحرب وإعادة دمجها في المجتمع وتوسيع نطاقه ليصبح استراتيجية سائدة. وسوف نهاجم تجارة الأفيون الهائلة التي تجاهلتها إدارة بوش من خلال مضاعفة مساعدتنا لحكومة كرزاي في مجال مكافحة المخدرات وتنشيط البرنامج الإقليمي لمكافحة المخدرات".

وبالمثل، التزم حلفاء أمريكا المتشككون في حرب العراق أكثر فأكثر بأفغانستان. وفي يناير/كانون الثاني 2002، تعهدوا بتقديم 4.5 مليار دولار على مدى 5 أعوام لإعادة إعمار أفغانستان، أي أقل بقليل من مليار دولار في العام. وبحلول عام 2004، ضاعفوا معدل الإنفاق السنوي هذا إلى 7 مليارات دولار على مدى 3 أعوام.

وكان "باراك أوباما" معارضا لحرب العراق أكثر من "جون كيري"، لذا فإن منطق "افعل شيئا ما" دفعه لأن يكون مؤيدا لحرب أفغانستان أكثر مما كان عليه "كيري". وفي فبراير/شباط 2009، وافق "أوباما" على زيادة 17 ألف جندي أمريكي إضافي في أفغانستان. وطلب 30 ألفا إضافيا في يناير/كانون الأول. ووصل عدد القوات الأمريكية التي تم نشرها في البلاد إلى 65 ألف فرد بحلول نهاية فترة ولايته الأولى.

لكن ماذا يجب على هذه القوات أن تفعل في أفغانستان؟ لقد أصبح من الصعب الإجابة على هذا السؤال بمرور الوقت. وكان الشريك الأهم لأمريكا في أفغانستان هو الجارة باكستان. وبدون بعض التعاون من باكستان، لا يمكن للعمليات العسكرية داخل أفغانستان أن تستمر. ومع ذلك، كانت باكستان أيضا العدو الأكثر مقاومة للجهود الأمريكية في أفغانستان. فعندما قُتل "بن لادن" أخيرا، قُتل في باكستان، حيث كان شخص ما يخفيه لأعوام عديدة.

وفي عام 2001، كان قتل "بن لادن" سينهي الحرب. لكن بحلول عام 2011، لم يكن أي شيء قابل للإنهاء.

ومثل الرئيس "أوباما"، بدأ "ترامب" كرئيس إدارته بنشر المزيد من القوات في أفغانستان. وبحلول نهاية ولايته الأولى، كان "ترامب" يبحث عن مخرج بأي ثمن تقريبا. وكان الثمن الذي دفعه صفقة مع طالبان؛ بحيث يكون الانسحاب الأمريكي النهائي من أفغانستان بعد انتخابات 2020 مقابل التزام طالبان بعدم التسبب في خسائر أمريكية قبل انتخابات 2020.

وحصل "ترامب" على مصلحته السياسية، أي تفاخره بإنهاء "الحرب التي لا نهاية لها" على الأقل، بينما ترك معضلة قبيحة لخليفته وهي التراجع عن صفقة "ترامب" وإعادة إطلاق حرب نارية أو التمسك بصفقة "ترامب" والقبول بانهيار حكومة كابل.

لكن ما سيأتي بعد ذلك في أفغانستان سيكون مروعا ومخيفا. وإذا كان بإمكان الولايات المتحدة أن تخفف منه شيئا فيجب أن تخففه، خاصة من خلال مساعدة أولئك الذين ساعدوا القوات الأمريكية والمجتمع الدولي.

لكن في الحسابات الباردة، من المرجح أن يكون التأثير على الولايات المتحدة أقل بكثير مما يتوقعه الكثيرون الآن بقلق. لقد حطمت الولايات المتحدة القوة العسكرية لـ"القاعدة" أولا، ثم "الدولة الإسلامية". وتشير استطلاعات الرأي إلى أن "التطرف الإسلامي" يتراجع في الشرق الأوسط العربي وشمال أفريقيا. وكان "بن لادن" قد انتقل إلى أفغانستان كملاذ آمن للقتال من أجل السيطرة على الدولة السعودية. لكن من المرجح أيضا أن تهدأ الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط قريبا.

ومن المرجح أن يصل استهلاك النفط العالمي إلى الذروة في وقت ما في هذا العقد الحالي، ثم ينخفض. وتتحرك الولايات المتحدة والدول المتقدمة الأخرى بسرعة نحو مرحلة ما بعد النفط. وحتى خلال الفترة التي سيستمر فيها استخدام النفط، فإنه سيأتي من مصادر أكثر بكثير مما كان عليه في الماضي. فقد أصبحت الولايات المتحدة مُصدرا للنفط منذ ما يقرب من عقد من الزمان. وتبدو رؤية "بن لادن" لأفغانستان كمنطلق لخلافة عالمية أكثر غرابة الآن مما كانت عليه قبل 20 عاما.

وبدلا من ذلك، فإن الخروج من أفغانستان يحرر الولايات المتحدة من مواجهة التحدي الأمني ​​الذي يمثله دعم الدولة الباكستانية للجهاد الإقليمي والعالمي بشكل مباشر. ومنذ 11 سبتمبر/أيلول، طورت الولايات المتحدة طرقا جديدة لضرب الأعداء "الإرهابيين" مع تعريض عدد أقل من أفرادها العسكريين للخطر.

ويمكن للولايات المتحدة أن تفرض عقوبات شديدة للغاية على الحكام الجدد لأفغانستان إذا قرروا العودة إلى أعمال إيواء الجهاديين المناهضين للولايات المتحدة.

وربما يكون الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من النتيجة في أفغانستان هو التكلفة الاستراتيجية الباهظة للاستقطاب الحزبي العنيف في أمريكا. وكانت القرارات في أفغانستان من قبل الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء مدفوعة بالمنافسة السياسية المحلية أكثر بكثير من الحقائق داخل أفغانستان.

ولم يكن باستطاعة "جورج دبليو بوش" أن يترك أفغانستان في الوقت الذي كان عليه أن يفعل ذلك، في أوائل عام 2002. واضطر "جون كيري" و"باراك أوباما" إلى المبالغة في الوعود بشأن أفغانستان بالرغم من مخاوفهما. وخلف "دونالد ترامب" وراءه كارثة لأنه أراد فوزا رخيصا على ما يبدو لعام 2020.

وخلال الحرب الباردة، وجدت الولايات المتحدة طرقا لإدارة السياسة الخارجية ارتفعت فوق الحزبية. ومنذ عام 1990، كانت الولايات المتحدة أقل نجاحا في هذه المهمة، وفي القرن الـ21 كان الأمر أسوأ.

وللأسف، نتجه حاليا إلى جولة مفرغة أخرى من التحزب في السياسة الخارجية بعد سقوط كابل. وعلى مدار 5 أعوام، دافعت الأصوات المؤيدة لـ"ترامب" عن الحمائية والانعزالية وخيانة الحلفاء مثل إستونيا والجبل الأسود والأكراد السوريين. لقد صور "ترامب" نفسه السياسة الخارجية للولايات المتحدة على أنها خدمة لمن يدفع إلى حد ما. والآن سيحاول هؤلاء المدافعون عن "أمريكا أولا" إعادة تعريف أنفسهم كمدافعين عن قوة الولايات المتحدة وقيادتها.

وخلال الأسابيع المقبلة، سيذهل منتقدو "بايدن" المؤيدون لـ"ترامب" العالم، حين يتحولون من انتقاد "الحروب التي لا نهاية لها" إلى رثاء آخر طائرة هليكوبتر تترك أفغانستان. 

ولا تزال الولايات المتحدة تملك الأصول المادية والاقتصادية والمالية والمعنوية التي تحتاجها أمريكا لتكون قوية. وما يهم الآن هو الخلل السياسي المحلي، وليس مغادرة آخر طائرات الهليكوبتر لكابل، وهذا هو الضعف الذي يجب التغلب عليه الآن.

المصدر | ديفيد فروم - ذا أتلانتيك - ترجمة وتحرير الخليج الجديد