الخميس 19 أغسطس 2021 05:27 م

تزايد الوجود الإماراتي في القرن الأفريقي خلال الأعوام القليلة الماضية، وذلك من خلال النشاط الدبلوماسي والاستثمارات الاقتصادية والمشاركة العسكرية. والآن، يشكل الصراع بين إثيوبيا والسودان ومصر بشأن سد النهضة تحديا للاستقرار الإقليمي.

ومع استمرار تعثر المحادثات في جمهورية الكونجو الديمقراطية خلال الأشهر الماضية، أكملت أديس أبابا في يوليو/تموز عملية ملء خزان السد للعام الثاني. وسعت كل من القاهرة والخرطوم إلى إدخال وسيط لحل النزاع، خشية أن تتعرض إمداداتهما المائية للخطر، بينما عارضت إثيوبيا بشدة مشاركة أطراف مثل مجلس الأمن الدولي وجامعة الدول العربية، فيما تعتبره شأنا إقليميا.

وتطالب إثيوبيا بحل القضية حصريا تحت رعاية الاتحاد الأفريقي. ونظرا للمستوى العالي من انخراط دول الخليج في المنطقة، فإن من مصلحتها (لا سيما الإمارات) ألا تتسع الأزمة لتتخذ أبعاد أكثر خطورة، بما في ذلك التصعيد العسكري.

ومن أجل ضمان عدم حدوث ذلك، ربما تستفيد الإمارات من علاقاتها مع كافة الأطراف تسهيل المحادثات بين الدول المتنازعة.

إنجاز السد الكبير

وكما يوحي اسم السد، "سد النهضة الكبير"، فقد تم تقديمه منذ عام 2011 من قبل حكومة "آبي أحمد" كوسيلة حاسمة لإنهاء الفقر في البلاد، وقد شارك الإثيوبيون في تمويله بأنفسهم، وبالتالي فهو موضوع ذو أهمية وطنية.

وراهن رئيس الوزراء الإثيوبي على قدر كبير من مصداقيته في افتتاح السد. وبالنظر إلى الانتخابات البرلمانية الأخيرة والصراع العرقي في "تيجراي"، لم يكن من الممكن تصور تقديم تنازلات كبيرة من قبل "آبي أحمد" بشأن سد النهضة. كما يعتبر استكمال السد خيارا فعالا ضد النزعة الانفصالية العرقية في إثيوبيا. من خلال توحيد المجموعات العرقية الرئيسية وراء إنجاز قومي كبير.

ويبدو أن نهج إثيوبيا المتطرف قد آتى أكله. وفي حين أن العديد من الفصائل دعمت في الأصل الوساطة من خلال الولايات المتحدة أو الهيئات الدولية مثل الأمم المتحدة، إلا أنها عدلت مواقفها منذ ذلك الحين.

وتعد الأزمة الإنسانية من بين النقاط المدرجة في النهج الشامل الذي يفضله وسطاء مثل الولايات المتحدة والأمم المتحدة وأوروبا عند التدخل في محادثات سد النهضة، الأمر الذي جعل "آبي أحمد" لا يفضل وساطة هذه الجهات. نتيجة لذلك، دعمت هذه الجهات مؤخرا وساطة الاتحاد الأفريقي، ومالت لشروط رئيس الوزراء الإثيوبي.

وواجهت جهود مجلس التعاون الخليجي في عملية الوساطة نهاية مماثلة. وعقدت جامعة الدول العربية، التي تضم جميع دول الخليج، محادثات في الدوحة في 15 يونيو/حزيران، دعت فيها إلى تدخل الأمم المتحدة في نزاع السد. ولكن مجلس الأمن أصر على دعم وساطة الاتحاد الأفريقي. ومع ذلك، أثبتت الإمارات أنها فاعل يستطيع الاستفادة من العلاقات التاريخية الجيدة مع الدول الثلاث.

الموقف الدبلوماسي الفريد لدولة الإمارات

ولطالما اتخذت حكومة "آبي أحمد" موقفا أحاديا في العلاقات الخارجية، سواء فيما يتعلق بقضايا إثيوبيا طويلة الأمد أو فيما يتعلق بسد النهضة والمفاوضات مع السودان ومصر. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك حل النزاع الإثيوبي-الإريتري؛ حيث لعبت الإمارات دورا مهما خلال مرحلة الوساطة، ما أدى إلى اتفاق سلام ناجح أنهى الصراع الذي دام 20 عاما.

ويعزز هذا المثال للوساطة الناجحة مكانة الإمارات في جهودها الدبلوماسية الحالية في أزمة السد.

ومن ناحية أخرى، واجهت الإمارات تحديات في الآونة الأخيرة. وكانت أبوظبي نشطة في محاولة إجراء مزيد من المفاوضات بين إثيوبيا والسودان بشأن الخلاف الحدودي بين البلدين، الذي بدأ في ديسمبر/كانون الأول 2020. وبالرغم من دعم السودان لجهود الإمارات، إلا أن الوساطة انتهت بانسحاب الإمارات من المحادثات نهاية مايو/أيار إثر رفض الأطراف المتنازعة عدة مبادرات سلام اقترحتها الإمارات.

ومن الواضح أن التوترات حول قضية الحدود مرتبطة بسد النهضة. وكما هو الحال في صراع السد، فإن التوترات تتفاقم بسبب الديناميكيات المحلية في إثيوبيا. وكانت "أمهرة"، وهي واحدة من أكبر الجماعات العرقية في إثيوبيا، تسكن وتزرع منطقة "الفشقة" المتنازع عليها، وجاء انسحاب الإمارات قبل شهر من الانتخابات البرلمانية في إثيوبيا التي كررت مطلبها بوساطة الاتحاد الأفريقي فقط في الصراع الحدودي.

ويفرض هذا المطلب ضغوطا على مشاركة أبوظبي في وساطة حول سد النهضة، حيث إنها ليست عضوا في الاتحاد الأفريقي. وفي هذا الصدد، نأت الإمارات بنفسها عن موقف جامعة الدول العربية الذي انتقدته إثيوبيا لانحيازه لمصر والسودان (دولتان عربيتان) على حساب إثيوبيا (دولة غير عربية).

وأيد الأمين العام للجامعة "أحمد أبوالغيط" موقفي مصر والسودان، وكذلك فعلت السعودية وأعضاء آخرون. لكن الإمارات خرجت عن موقف الدول العربية الأخرى واحتفظت بموقف الحياد. وبالرغم أن هذا القرار قد يثير انزعاج القاهرة والخرطوم، فإن عدم وجود رأي إماراتي واضح بشأن النزاع يمثل وسيلة لتحسين العلاقات مع حكومة "آبي".

وأصبح الموقف الدبلوماسي المحايد لأبوظبي فيما يتعلق بنزاع سد النهضة ممكنا بفضل العلاقات القوية التي تتمتع بها البلاد بالفعل مع مصر والسودان.

وتستفيد القاهرة من الروابط الاقتصادية مع الإمارات، وتنظر إلى مشاركة حليفها الوثيق في المنطقة منذ فترة طويلة كوسيلة لتوسيع نفوذها المحدود على القرن الأفريقي والجيران الآخرين. وكان الاجتماع الأخير بين الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" وولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد" في العاصمة المصرية مؤشرا على هذا الأمر.

وقد تركت الإمارات انطباعا إيجابيا لدى حكومة السودان الجديدة كذلك؛ فبمجرد تعيينه عام 2019، حافظ رئيس الوزراء السوداني "عبدالله حمدوك" على العلاقات الودية مع أبوظبي، التي زودت السودان بالدعم الاقتصادي. وأجرت الخرطوم عدة اتصالات مع الإمارات بشأن السد ومشاركة الأخيرة في المفاوضات، ودعمت رسميا وساطة أبوظبي بشأن كل من سد النهضة والصراع الحدودي مع إثيوبيا.

التعاون الاقتصادي على المحك

ولم تكن الدبلوماسية النشطة لأبوظبي في القرن الأفريقي وفي نزاع سد النهضة، على وجه الخصوص، لأهداف إنسانية ولكن لحماية استثماراتها ونفوذها في الدول الثلاث، لأن أي تصعيد سيكون مكلفا في نهاية المطاف بالنسبة لأبوظبي أيضا.

وفككت الإمارات مؤخرا قاعدتها في "عصب" بجيبوتي وقلصت من وجودها العسكري في القرن الأفريقي. وتم استبدال الارتباط العسكري هذا بالنفوذ الاقتصادي والاستثمارات في المنطقة في محاولة لزيادة قوتها الناعمة.

وفي الأعوام الأخيرة، وسعت الإمارات بصمتها الاقتصادية في الدول الثلاث المعنية، الأمر الذي يشير إلى أهمية المنطقة بالنسبة لأبوظبي. وأدت استراتيجية التنويع التي تبنتها الإمارات إلى جعل القرن الأفريقي الغني بالفرص وجهة مهمة للأموال القادمة من الإمارات.

واستثمرت "موانئ دبي" بكثافة في عدة مواقع على خليج عدن وسواحل البحر الأحمر بما في ذلك ميناء بربرة في أرض الصومال، وذلك لتعزيز التجارة البحرية التي تعد إحدى ركائز استراتيجية التنويع في البلاد. ومن أجل ممارسة نفوذها وتحقيق أرباح أيضا من اقتصادات مصر والسودان وإثيوبيا، قامت أبوظبي أيضا بتمويل الدول الثلاث التي كانت في حاجة إلى السيولة للاستثمار في مشاريع البنية التحتية الجديدة.

وبعد الانقلاب العسكري المصري المدعوم من الإمارات، الذي أطاح بالرئيس "محمد مرسي" عام 2013، حولت أبوظبي مليارات الدولارات إلى الحكومة الجديدة، وما تزال القاهرة تحافظ على أقوى علاقات تجارية مع النظام الإماراتي مقارنة بأي دولة أخرى في الشرق الأوسط.

وبعد أشهر قليلة من تولي "آبي أحمد" منصبه عام 2018، تلقى البنك المركزي الإثيوبي وديعة إماراتية بقيمة مليار دولار من أجل تخفيف النقص في العملة الأجنبية.

ومنذ عام 2013، عززت الإمارات دورها المتزايد في الدول الثلاث من خلال عمليات الائتمان والمنح والاستثمارات والقروض. ومع ذلك، فإن هذه التدفقات المالية تشير أيضا إلى مخاطر نشوب صراع عسكري في المنطقة. وإلى جانب المليار دولار المذكورة أعلاه من المساعدات، نفذت أبوظبي أيضا استثمارات في إثيوبيا بقيمة 2 مليار دولار إضافية، نظرا للأهمية الاقتصادية لإثيوبيا كوجهة استثمارية للإمارات.

وبخلاف المؤسسات المملوكة للدول، مثل "موانئ دبي"، يتم توجيه الأموال إلى السودان وإثيوبيا من خلال بنك التنمية الإماراتي، أو صندوق أبوظبي للتنمية، أو المؤسسات الخاصة مثل صندوق خليفة.

ومع ذلك، فإن الاستثمارات الأكثر تأثرا بمفاوضات سد النهضة هي الاستثمارات الزراعية. ويعد الأمن الغذائي أحد الركائز الأساسية لخطط التنويع الاقتصادي للإمارات، ويعتبر قضية شائكة لجميع دول مجلس التعاون الخليجي، التي تستورد 80% من غذائها. 

ومع ذلك، إذا تمكنت أبوظبي من أن تكون من بين أكثر البلدان أمانا غذائيا في العالم، فسيكون ذلك بسبب استثماراتها الكبيرة في أراض ذات خصوبة مرتفعة. ومن الجدير بالذكر أن هذه الأراضي توجد على طول نهر النيل، حيث وسعت أبوظبي من وصولها إلى تلك الأراضي داخل الدول الثلاث المتنازعة على سد النهضة.

وفي السودان، تنتشر المزارع التي تسيطر عليها الإمارات وتبلغ مساحتها أكثر من 2800 كيلومتر مربع، ما يجعلها أكبر مستثمر حكومي بين دول مجلس التعاون الخليجي في الأراضي الزراعية في البلاد. لذلك فإن أي تأثير على هذه المزارع بسبب انخفاض منسوب مياه النيل في السودان سيعيق أيضا استثمارات الإمارات في قطاع الزراعة في البلاد.

ويتم تنفيذ الاستثمارات الإماراتية الكبيرة في هذا القطاع من خلال التمويل الحكومي وكذلك تمويل القطاع الخاص، حيث تم ضخ 225 مليون دولار مؤخرا من قبل مستثمرين إماراتيين في مشاريع متعلقة بالزراعة.

وبالنظر إلى أن نفس الديناميكيات موجودة بالنسبة للتربة في إثيوبيا ومصر، فإن مصالح أبوظبي في حل أزمة سد النهضة واضحة، حيث إن الوصول إلى المياه مورد رئيسي للمزارع في جميع أنحاء حوض نهر النيل.

وقد ظهر تأثير الاستثمارات الزراعية الإماراتية في الوساطة الفاشلة بشأن النزاع الحدودي بين السودان وإثيوبيا، حيث اقترحت أبوظبي تقسيما ثلاثيا لأرض الفشقة المتنازع عليها. وتضمنت المبادرة، التي رفضها الطرفان، تخصيص 25% من الأراضي للمزارعين السودانيين، و 25% للمزارعين الإثيوبيين، والنسبة المتبقية البالغة 50% يتم تأجيرها لشركة زراعية إماراتية لمدة 99 عاما.

وتوضح الاستثمارات الاقتصادية الكبرى في إثيوبيا والسودان ومصر سبب محاولة الإمارات الوصول إلى نتيجة مرضية للصراع الذي يشمل الدول الثلاث. ومع ذلك، فإن موقف "آبي أحمد" المتشدد بشأن مشاركة الاتحاد الأفريقي وحده في محادثات سد النهضة يمثل العقبة الرئيسية أمام نجاح النشاط الدبلوماسي لدولة الإمارات.

وإذا تصاعد الصراع إلى حرب عسكرية، فإن استثمارات الإمارات في الدول الثلاث ستعاني من أضرار كبيرة، كما ستعاني علاقات الإمارات في المنطقة من إشكاليات معقدة. ولأن مخاطر الخلاف حول سد النهضة كبيرة بالنسبة للإمارات أيضا، فسوف تتطلع أبوظبي إلى استخدام موقعها المحايد الفريد بين الدول المتصارعة لموازنة العلاقات والتغلب على الصراع.

علاوة على ذلك، تدرك الإمارات بالتأكيد الفوائد التي ستعود على مكانتها في القرن الأفريقي مقارنة بدول مجلس التعاون الخليجي الأخرى إذا نجحت الوساطة.

المصدر | لوتشيانو هولتبرج/منتدى الخليج الدولي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد