الأحد 22 أغسطس 2021 06:42 م

وسط غياب حكومي معتاد، أعلن الأمين العام لـ"حزب الله" اللبناني "حسن نصرالله" في 19 أغسطس/آب أن الحزب قد أمّن شحنات وقود من إيران، وأكد أن أول شحنة ستبدأ في الإبحار إلى لبنان في نفس اليوم. وبعد ساعات، أعلنت السفيرة الأمريكية في لبنان "دوروثي شيا" أن الولايات المتحدة كانت تعمل عن كثب مع مصر والأردن والبنك الدولي لإيجاد حلول لأزمة الوقود في لبنان.

وتعني تعليقات "دوروثي" استعداد الولايات المتحدة لتخفيف قيود قانون قيصر التي كانت تمنع لبنان من استيراد الغاز الطبيعي والكهرباء من مصر والأردن عبر سوريا.

ويأتي كلا الإعلانين في الوقت الذي تنهار فيه البنية التحتية في لبنان في غياب إمدادات الوقود الأساسية ومصادر الطاقة.

أفضلية السبق بالخطوة الأولى

بعد أن سبق "نصرالله" الولايات المتحدة واتخذ خطوته أولا، أجبر الولايات المتحدة على دبلوماسية رد الفعل وترك لواشنطن خيارين محرجين وغير مريحين.

ونظرا لحجم الكارثة الإنسانية في لبنان وعدم قدرة الحكومة على التصرف لحل أزمة الوقود، فإن الولايات المتحدة قد تختار التغاضي عن واردات الوقود المزعومة.

وبغض النظر عما إذا كانت السفن سترسو في لبنان (في مخاطرة كبيرة) أو سوريا (أقل خطورة)، فإن هذا الخيار يهدد بجعل الولايات المتحدة تبدو غير متسقة وينتهك قواعدها المتمثلة في فرض عقوبات على البلدان التي تتعامل مع إيران.

أما الخيار الآخر فهو أن تمضي واشنطن قدمًا في فرض عقوبات على لبنان، لكن ذلك سيعزز نظرية المؤامرة التي تبناها "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" والتي مفادها مشاكل لبنان هي نتيجة مباشرة للحظر الاقتصادي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد البلاد.

ويفترض كلا الخيارين عدم وقوع حوادث مثل عمل عسكري أو تخريب إسرائيلي، وهو ما حذر "نصرالله" من القيام به.

وفي كلتا الحالتين، سيتولى "حزب الله" التسويق لشحنات الوقود الواردة وكذلك سيستغل حدوث رد فعل أمريكي أو عدم حدوثه، للترويج لما يدعوه بنجاحه العظيم المناهض للإمبريالية لدى كل من المؤيدين والحلفاء.

وفي خضم عملية الترويج، لن يصبح مهمًا عمليات التهريب عبر سوريا التي بلغت قيمتها مليارات الدولارات، والتي وقعت خلال السنوات القليلة الماضية وساهمت في مأزق لبنان الحالي.

وفي الوقت ذاته، سيدين المعارضون المحليون لـ"حزب الله" ما يرونه اعتمادًا صارخًا على إيران ومخاطر ذلك، بغض النظر عن مدى احتياج لبنان إلى الوقود.

لكن هذه الإدانات ستظهر عدم اتساق معارضي "حزب الله" ففي الوقت الذي يتحدثون فيه عن السيادة اللبنانية سيختار هؤلاء الاستمرار في تجاهل العدوان الإسرائيلي وإنكار النفوذ المالي والمادي لجهات أجنبية أخرى مثل السعودية.

تعتبر المؤسسة السياسية في لبنان موهوبة فيما يتعلق بتحويل الأزمات إلى فرص، وسوف تستغل الأحزاب السياسية العروض الإيرانية والأمريكية هذا الأسبوع بسرعة كبيرة لتبادل اللوم واسترضاء المؤيدين ومضاعفة الرهانات الخارجية.

لكن خطوة "حزب الله" ستدفع اللبنانيين أكثر إلى الاستقطاب السياسي وزيادة اعتمادهم على الجيوب الطائفية والأطراف الخارجية.

جدوى العرض الإيراني والأمريكي

تأتي العروض الإيرانية والأمريكية على خلفية اعتماد قطاع الطاقة اللبناني على حلول مؤقتة لتجنب الانقطاع الكلي للكهرباء. ففي يونيو/حزيران الماضي، وقع لبنان اتفاقية مع العراق عرضت فيها بغداد توفير نفط الوقود الثقيل في مقابل الخدمات الطبية والاستشارية.

وكان من المفترض أن يتم تبديل الوقود (الذي ما يزال غير كاف للاستخدام في محطات توليد الطاقة اللبنانية) بوقود ذي محتوى كبريت أقل من خلال طرف ثالث، ولكن لم يتم الكشف عن التفاصيل وطريقة الدفع في الصفقة حتى الآن، ولم ترسُ  سفن الوقود بعد على الشواطئ اللبنانية.

وحتى لو كان إرسال سفينة الوقود الإيرانية جادًا وتمكنت من تجاوز العراقيل السياسية والدبلوماسية، فلم يتم الإعلان عن التفاصيل والخدمات اللوجستية.

وعلاوة على ذلك، فإن الوقود لن يغطي إلا بضعة أيام من احتياجات البلاد، أو فترة أطول بالنسبة لمناطق محددة تحت نفوذ "حزب الله".

كما أن الشحنات الإيرانية الواردة من المرجح أن توفر الديزل للمولدات وليس الوقود لمحطات الكهرباء. ويعتبر الاعتماد على المولدات أكثر تكلفة وغير مستدام كما يهدد بالبقاء تحت رحمة مافيا المولدات وشبكات الوكلاء.

أما بالنسبة للاقتراح الأمريكي، فلكي تبيع الأردن الكهرباء إلى لبنان، يتعين عليها تمرير الطاقة من خلال سوريا، لكن الربط مع سوريا من خلال محطة كسارا اللبنانية، يتطلب التعزيز، حيث تقف سعة تبادل الكهرباء الحالية عند 160 ميجاوات ولكن يمكن توسيعها للوصول إلى 400-500 ميجاوات إذا كان الأردن لديه ما يكفي من قدرة البيع والاستعداد للقيام بذلك.

وسيستغرق تعزيز هذا الارتباط اللبناني السوري بضعة أشهر، لكنه قابل للتحقق، وتجري المفاوضات حاليا مع البنك الدولي لتأمين التمويل.

وتعد هذه خطوة في الاتجاه الصحيح بالرغم من عدم سدها لفجوة إمداد الطاقة في لبنان، والتي تتجاوز حاليا 1500 ميجاوات وتستمر في الاتساع.

وفي السنوات الماضية، أعرب الأردن (الذي لديه فائض في توليد الكهرباء) عن استعداده لبيع الكهرباء إلى لبنان، لكن رفض سوريا لتمرير الاقتراح -بالإضافة إلى صراعات المصالح اللبنانية المحلية- عرقل الاقتراح بزعم قلة رسوم تمرير الكهرباء.

وبالمثل، يمكن أن تتم واردات الغاز من خلال خط أنابيب الغاز العربي، الذي يمتد من مصر إلى شمال لبنان عبر الأردن وسوريا، كما سيقدم البنك الدولي ضمانات الدفع لمشروع الغاز، مما سيوفر ملايين الدولارات التي تنفق سنويا على الواردات من نفط الوقود الثقيل الأكثر تكلفة.

ومع بعض العمل على إعادة التأهيل، يمكن أن يعمل ما يقرب من نصف سعة توليد الكهرباء اللبنانية المتاحة بالغاز الذي ما يزال مصدر توليد غير مستغل للكهرباء.

ولكن هناك مشكلتان رئيسيتان يجب وضعهما في الاعتبار، الأولى هي حالة خط الأنابيب على الجانب السوري، والذي عانى من أضرار خلال النزاع هناك، وكذلك خطر قطع دمشق الوصول إلى الغاز في حالة وجود نزاع مع بيروت، فيما سيمثل نسخة لبنانية من معارك الغاز بين روسيا وأوكرانيا.

المستقبل لا يزال مظلمًا

وبالرغم من أن الإصلاحات السريعة قد تخفف من الانهيار الفوري لإمدادات الوقود في القطاعات الحرجة مثل الرعاية الصحية والمياه، إلا أنها لن تحل مشاكل قطاع الطاقة في لبنان بشكل دائم، بل قد تؤدي في الواقع إلى تقاعس الحكومة ورضاها عن نفسها وافتراضها الخاطئ بأن الدول الأجنبية ستهب لإنقاذ لبنان.

والواقع أن هناك مشكلة أكثر فداحة من مصادر الوقود والكهرباء، وتتمثل في تقلص الاحتياطي من العملات الأجنبية في خضم تقاعس حكومي كامل بعد 18 شهرًا من أول تخلف للحكومة عن دفع ديونها.

وسيظل لبنان يواجه فجوات كبيرة في إمدادات الطاقة وخسائر تقنية وغير تقنية في المستقبل، مما يعني أن بيروت ستحتاج إلى استيراد كميات كبيرة من الوقود لمحطات الكهرباء المتبقية ولمولدات الديزل التي تواصل ملء هذه الفجوات جزئيا.

وبدون حكومة قوية وذات مصداقية لتنفيذ إصلاحات قطاع الطاقة المستدامة والتفاوض على حزمة مالية مع صندوق النقد الدولي، ستواصل الليرة اللبنانية سقوطها الحر ولن يتمكن المواطنون اللبنانيون من دفع ثمن الساعات القليلة من امدادات الكهرباء، وستظل لبنان عالقة بين ضغط "حزب الله" لتحريك البلاد لمحور الشرق، وبين محاولة الغرب احتواء تنامي نفوذ إيران في المنطقة.

المصدر | كريستوف ابي ناصيف - معهد الشرق الأوسط - ترجمة وتحرير الخليج الجديد