الأحد 12 سبتمبر 2021 06:50 ص

كان من الصعب ألا يحتفل الفلسطينيين بالهروب الجريء لـ6 من الأسرى من أحد أكثر السجون الإسرائيلية تحصينا. ورغم أن إسرائيل عملت على تشويه صورة الرجال الـ6، لكن بالنسبة للفلسطينيين، فهم من بين أبطالها الأفضل والأشجع.

إنهم أسرى حرب، قضى معظمهم أحكاما طويلة بعد أن حاولوا تحرير وطنهم بقتل جنود أو مستوطنين إسرائيليين، أي الطرف الذي يفرض الاحتلال المستمر للأراضي الفلسطينية منذ عقود.

ويمكن لجميع الفلسطينيين الشعور بمحنة هؤلاء الرجال، فالسجن هو طقس يمر به الكثير من الفلسطينيين. وتشير التقديرات إلى أن مئات الآلاف قد مروا بالسجون الإسرائيلية على مدى العقود الـ5 الماضية.

ويقبع الكثير من الفلسطينيين في السجن في انتظار المحاكمة، وهكذا كان حال 2 من الفارين الـ6. ويوجد آخرون رهن الاعتقال الإداري، أي أنهم سُجنوا دون محاكمة أو حتى إبلاغهم بالتهم الموجهة إليهم. ويتم انتهاك حقوق الأسرى بشكل مستمر حيث يتم احتجازهم في زنازين مكتظة، ومنع اتصالهم بعائلاتهم، وغالبا ما يتعرضون للضرب أو التعذيب.

وفي الصيف، ظهرت لقطات تشبه الانتهاكات التي ارتكبها الجيش الأمريكي في سجن أبو غريب في العراق، حيث أظهرت اللقطات الضرب الجماعي لنزلاء فلسطينيين في سجن "كتسيعوت" في جنوب إسرائيل عام 2019. ولم يتم اتخاذ أي إجراء حتى بعد تسريب الفيديو، على الأرجح لأن محتوى الفيديو يعد أمرا روتينيا لسلطات الاحتلال. ويؤكد ذلك ما يقوله الأسرى الفلسطينيون منذ فترة طويلة.

ويتم احتجاز معظم الأسرى الفلسطينيين في سجون داخل إسرائيل، في انتهاك صارخ لاتفاقيات جنيف والتزامات إسرائيل بموجب قوانين الحرب. نتيجة لذلك، غالبا ما تكون الزيارات العائلية صعبة، إن لم تكن مستحيلة.

إذلال إسرائيل

ورغم إعلان إسرائيل إعادة اعتقال 4 من الفارين الـ6، سوف يفتخر كل فلسطيني بإذلال إسرائيل. فقد فشل الحراس في كشف ما خطط له الأسرى وهم يوسعون تدريجيا فجوة في نظام الصرف في زنزانتهم على مدى عدة أشهر. وتحرك الرجال الـ6 متجاوزين حارسا نائما.

وفي كل يوم يظل فيه الهاربون طلقاء، (حيث لا يزال 2 منهم طلقاء حتى اليوم السبت بعد أن تم القبض على 4 منهم)، يتعرض الاحتلال لمزيد من الضغط والإذلال. وهذه ليست الطريقة التي يرى بها الفلسطينيون الأمر فقط. بل هي الطريقة التي يدركها المسؤولون الإسرائيليون والكثير من الجمهور الإسرائيلي أيضا.

ولم يهرب الأسرى الستة من سجن إسرائيلي شديد الحراسة فحسب، بل قفزوا من المقلاة إلى النار. فقد خرجوا من السجن الصغير "جلبوع" إلى سجن أكبر بكثير للفلسطينيين، وهو وطنهم القابع تحت نير الاحتلال.

وفي كل دقيقة يستمر فيها أي أسير طليقا، فهوي تحدي الاحتلال الإسرائيلي. وفي كل دقيقة لا يمكن العثور عليه، يتم سحق الرواية الإسرائيلية وتذكير الفلسطينيين بأن الحرية قد تكون ممكنة في نهاية المطاف، وأن الاحتلال قابل للقهر.

وحثت حركة الجهاد الإسلامي (التي ينتمي إليها 5 من الرجال الـ6) الفلسطينيين على عدم التحدث عن العملية باعتبارها "هروب" ولكن "تحرير". وهذا هو بالضبط سبب تصميم إسرائيل على إعادة الرجال خلف القضبان في أسرع وقت ممكن، أو ربما قتلهم في تبادل لإطلاق النار، وهو المصير الذي غالبا ما يصيب أولئك الذين يتحدون إسرائيل. فهدف الاحتلال هو سحق أي أمل، بل أي شعور بالحرية يمكن بلوغه.

دوائر الجحيم

وفي الواقع، مثل "دوائر الجحيم" لـ"دانتي"، أنشأت إسرائيل تسلسلا هرميا لحبس الفلسطينيين. وكلما قاوموا المصير الذي قصدته إسرائيل لهم، وهو أن يُطردوا من ممتلكاتهم ويتم محوهم من وطنهم، كلما قامت إسرائيل بتقييدهم بشكل أكبر قسوة.

وبالرغم أن السجن هو العقوبة القصوى، فإن غزة هي أيضا معسكر اعتقال ضخم وأكبر سجن مفتوح في العالم. فالشريط الساحلي، الذي تديره حماس، محاط بسياج إلكتروني ويحاصره الجيش والبحرية من جميع الجهات. وفي الضفة الغربية غير الساحلية، فإن "محمود عباس"رئيس لعدد قليل من الكانتونات في وسط الضفة. ومن خلال العمل كمقاول أمني من الباطن لإسرائيل، نجح "عباس" في تخفيف قيود الحبس بشكل طفيف.

لكن رد فعل إسرائيل الغاضب على هذا الإذلال، وكذلك الخيارات المحدودة للهاربين في مواجهة رد الفعل العنيف هذا، كان بمثابة تذكير بحقائق أعمق. فقد تم وضع الضفة الغربية المحتلة تحت الإغلاق العسكري الفوري، أي تم إغلاق باب الزنزانة، في خطوة مألوفة للعقاب الجماعي الإسرائيلي.

ويأتي الرجال الـ6 من جنين ومحيطها المباشر. وتقع المدينة الفلسطينية الصغيرة في شمال الضفة الغربية على مرمى حجر من سجن "جلبوع". وكان من المتوقع أن يتجه الأسرى إلى هناك لكن بالنظر إلى "التنسيق الأمني" لـ"عباس" مع إسرائيل، ربما فضّل الأسرى المحررون البقاء خارج الضفة الغربية.

وتجنب "عباس" بشكل ملحوظ التعبير عن أي دعم للرجال الستة. وقد التقى مؤخرا بوزير الدفاع الإسرائيلي "بيني جانتس"، في محاولة لإحياء "عملية السلام" المتوقفة منذ فترة طويلة، والتي عملت في الماضي فقط على إدامة الاحتلال وتوفير غطاء له.

وتتنصت أجهزة المخابرات الإسرائيلية باستمرار على الاتصالات الفلسطينية، وهي تدير شبكة واسعة من المتعاونين في الضفة الغربية المحتلة. أو كما قال مراسل الشؤون العسكرية في "هآرتس"، "عاموس هاريل" بصراحة: "تخضع الضفة الغربية لتغطية استخبارية شاملة ومكثفة".

طريق الهروب

وقد يكون أفضل أمل لمن تبقى طليقا من الأسرى هو مغادرة فلسطين وعبور الحدود إلى الأردن. وستجد عمّان صعوبة في إعادتهم، بالنظر إلى وضعهم كأبطال ومخاوف الأردن بشأن تأجيج المشاعر بين العدد الهائل من اللاجئين الفلسطينيين.

لكن القيام بمثل هذا الهروب لن يكون عملا سهلا. فلدى إسرائيل بالفعل إجراءات أمنية مشددة على طول وادي الأردن.

ويبدو أن إسرائيل قلقة للغاية من أن يذهب الرجلين إلى غزة. وبحسب ما ورد، تم تعزيز الدوريات حول محيط القطاع. وقد يكون الجيب الساحلي سجنا في الهواء الطلق، ويخضع لحصار إسرائيلي منذ ما يقرب 15 عاما، لكنه سجن يتمتع فيه السجناء الفلسطينيون بدرجة معينة من السيطرة داخل جدران زنزانتهم شديدة الاكتظاظ.

ويعد الخيار الأخير للرجال هو البقاء داخل إسرائيل. وبالفعل، فإن وسائل الإعلام الإسرائيلية تلمح لقرائها أن الهاربين تلقوا المساعدة والإيواء من قبل الأقلية الفلسطينية في إسرائيل، التي تمثل خمس السكان ويعانون من تمييز شديد. وهؤلاء الفلسطينيون هم بقايا السكان الأصليين الذين طُردوا من أراضيهم خلال عمليات التطهير العرقي عام 1948.

وتم استجواب حراس السجن مع مزاعم بأن الرجال الستة تلقوا مساعدة من الداخل (حراس ذوي أصول فلسطينية). ومن خلال القيام بذلك، فإن السلطات الإسرائيلية توجه أصابع الاتهام إلى 1.8 ملايين مواطن فلسطيني في إسرائيل.

يشار إلى أن الدروز طائفة صغيرة جدا بين الأقلية الفلسطينية يتم تجنيد شبابها بشكل مستمر في الجيش الإسرائيلي. وبعد ذلك، ينتهي الأمر بمعظمهم بفرص قليلة فضلا عن العمل في وظائف أمنية منخفضة الأجر، وغالبا كحراس سجن.

ولدى السلطات الإسرائيلية كل المصلحة في إلقاء اللوم على واحد أو أكثر من هؤلاء الحراس فيما حدث، إذا كان ذلك يعني منح إسرائيل ونظامها الأمني بعض ماء الوجه.

أبطال 3 مرات

وما سيحدث بعد ذلك سيكون صعبا على إسرائيل، مهما كانت النتيجة. فقد أصبح الرجال الستة أبطالا لدى الجمهور الفلسطيني 3 مرات. فقد قدموا في الأصل تضحيات شخصية عبر الانضمام إلى المقاومة ضد الاحتلال والمخاطرة بحياتهم. وقد نفذوا هروبا جريئا ونادرا من السجن رغم أنف السلطات الإسرائيلية. وهم الآن هاربون، وقد تمكن اثنان منهم من الهروب لمدة 6 أيام و اثنان لمدة 7 أيام، ولا يزال اثنان خارج قبضة إسرائيل، بالرغم من استخدام إسرائيل لكل الوسائل المتاحة لديها.

وقد تحول الرجال الستة بسرعة إلى رموز لمحنة كل فلسطيني، وما يطمح إليه الفلسطينيون من خلال تحدي إسرائيل.

وفي استلهام لأفعال الأبطال الـ6، نفذ الأسرى الفلسطينيون بالفعل "أعمال شغب" لوقف الجهود التي تبذلها إسرائيل لمعاقبتهم بشكل جماعي على هروب زملائهم من السجن بنقلهم إلى سجون مختلفة.

كما يهدد الأسرى بإضراب جماعي عن الطعام الأسبوع المقبل احتجاجا على أشكال جديدة من العقاب الجماعي ردا على ما حدث، بما في ذلك إلغاء الزيارات العائلية المحدودة بالفعل. ويمكن لحماس إطلاق صواريخ على إسرائيل إذا تصاعدت الأمور.

ومن المرجح أن يكون الدعم بين الجمهور الفلسطيني كبيرا للغاية، ويمكن أن يتفجر السخط ضد إسرائيل و"عباس" بسهولة في جميع أنحاء المنطقة، في الضفة الغربية المحتلة وغزة وبين المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل.

وقد استجاب بعض الفلسطينيين لدعوة حماس لـ"يوم غضب" لدعم الأسرى يوم الجمعة، وكانت هناك تحذيرات من أن انتفاضة قد تكون وشيكة.

ومن ناحية أخرى، فإن حكومة "نفتالي بينيت" اليمينية الجديدة، بعد أكثر من عقد من حكم "بنيامين نتنياهو"، معرضة لمزاعم منافسه بأن كلا من الهروب من السجن والمطاردة الفاشلة دليلان على عدم كفاءة الحكومة.

ويريد معظم الإسرائيليين إرسال رسالة قوية إلى الفلسطينيين مفادها أن مقاومة السجن، سواء في سجن صغير مثل "جلبوع" أو في سجن الاحتلال الأكبر، أمر لا طائل من ورائه.

لكن يبدو أن الأحداث الأخيرة أثبتت للفلسطينيين مرة أخرى أن مقاومة الاحتلال قادرة على تحقيق إنجاز رغم كل الظروف.

المصدر | جوناثان كوك - ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد