السبت 18 سبتمبر 2021 08:06 م

في 8 سبتمبر/أيلول، عقد المغرب الانتخابات البرلمانية الـ11 منذ اعتماد دستوره في عام 1962. وتعرّض حزب "العدالة والتنمية" الإسلامي الذي كان زعيم الائتلاف الحاكم لمدة عقد من الزمان، لخسارة 112 مقعدا من أصل 125 مقعدا كان يحتفظ بها. ووصف رئيس الوزراء "سعد الدين العثماني"، الذي فقد مقعده أيضا، النتائج بأنها غير مفهومة ولا تعكس مكانة حزب "العدالة والتنمية" في السياسة المغربية.

وتختلف هزيمة حزب "العدالة والتنمية" عن سقوط الأحزاب السياسية الإسلامية الأخرى في دول المنطقة، مثل جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر أو "النهضة" في تونس. ففي فترة صعوده، لم يكن لدى الحزب نفس المستوى من التأثير الذي تمتعت به هذه الأحزاب خلال وجودها في السلطة. ويعود ذلك لكون الملك في المغرب ما يزال يحمل تأثيرًا كبيرا على العملية السياسية، كما أن سلطته على صنع القرار ومقاومته للتغيير أدت إلى سقوط حزب"العدالة والتنمية".

من الصعود للإخفاق

في عام 1965، أسس "عبدالسلام ياسين" الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية للاحتجاج على قرار الملك "حسن الثاني" بإعلان حالة الطوارئ وحل البرلمان. وبعد الضغط لسنوات من أجل انتخابات حرة ونزيهة، أنشأ "ياسين" في عام 1998 حزب "العدالة والتنمية"، الذي تكون من اندماج حركته و"رابطة المستقبل الإسلامي" وحركة "الإصلاح والتجديد".

وفي عام 2002، فاز حزب "العدالة والتنمية" بـ42 مقعدا في الانتخابات العامة، ما جعله أكبر كتلة معارضة في البرلمان. وباعتباره حزبًا دينيًا يدعو للفضيلة والشفافية، فاز "العدالة والتنمية" بقبول الجماهير وثقتها، على الرغم من جهود الملك "حسن الثاني" لإخضاع المعارضة خلال فترة حكمه غير المستقرة من عام 1961 حتى عام 1999.

ولكن خلال العقد الذي احتل فيه الحزب أعلى مكانة في البرلمان، فشل في تحقيق إصلاح جذري واحد أو تخفيف الشبكة الضخمة من الفساد المؤسسي، كما تخلى عن هدفه الرئيسي المتمثل في تقليص صلاحيات الملك الساحقة وتحويل المغرب إلى ديمقراطية دستورية حقيقية، وفشل أيضًا في تحقيق وعد حملته بتسريع التنمية الاقتصادية في البلاد.

وأدى ذلك إلى تنامي خيبة الأمل إزاء أداء "العدالة والتنمية"، وأصبح المغاربة أقل انجذابًا لخطابه الديني لأنهم لم يروا أي تحسينات ملموسة في مستوى معيشتهم، كما يتهم العديد من موظفي الخدمة المدنية الحزب بسوء الإدارة وفرض سياسات لا تحظى بشعبية مثل رفع دعم الوقود ورفع سن التقاعد والحد من امتيازات ما بعد التقاعد.

وفشل حزب "العدالة والتنمية" في التعامل مع عواقب جائحة "كورونا" التي أبقت المغرب مغلقة لعدة أشهر وضربت اقتصاد البلاد المترنح أصلًا.

تناقضات مثيرة للسخط

كما اتسمت خطابات وإجراءات قادة "العدالة والتنمية" بببعض التناقضات. فخلال فترة "العثماني" كرئيس للوزراء، كان على استعداد للقيام بأي شيء يطلبه الملك بما في ذلك إبرام اتفاقية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل دون قراءة نصها أو حتى أن يكون على علم بذلك مقدما. وقبل أن يصبح "العثماني" رئيسا للوزراء، قال إنه سيكون من الخيانة تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وقاد مظاهرات في عدة مناسبات تهتف بـ"الموت لإسرائيل".

ولا يمكن لقادة "العدالة والتنمية" أن يلوموا أحدا سوى أنفسهم لأنهم قبلوا قواعد اللعبة التي وضعها الملك. وفي حملات "العدالة والتنمية" قبل انتخابات عام 2011 و 2016، وعد الحزب بإدخال إصلاحات بعيدة المدى، وما إن تولى "العثماني" وسلفه "عبد الإله بنكيران" منصبهما، أعربا في كثير من الأحيان عن إحباطاتهما من الجهات الفاعلة السياسية التي تعوق تقدم أهدافهما السياسية.

ولكن في الوقت ذاته، يتجاوز بدل التقاعد الشهري لـ"بن كيران" 10 آلاف دولار في بلد يبلغ دخل الفرد السنوي للفرد فيه 3.200 دولار، بالرغم أنه اعتاد على ادعاء أنه يريد عيش حياة زاهدة.

وانقسم حزب "العدالة والتنمية" حيال العديد من القضايا بين التيارات التي يقودها "بنكيران" و"العثماني"، ما أدى إلى إضعاف الحزب وفصله عن الجمهور أكثر. ففي حين أصر "بنكيران" على الضغط من أجل الإصلاحات السياسية، انحاز "العثماني" إلى الملك في الحد من إصلاحات الاقتصاد.

ووصل النزاع إلى ذروته بين "بنكيران" و"العثماني" في عام 2019 عندما وافق الأخير على اقتراح استخدام اللغة الفرنسية في المناهج الدراسية بدلا من العربية. وبالرغم أن نواب "العدالة والتنمية" عرقلوا الخطة، لكن "العثماني" أظهر رضوخا لضغط شركائه في الائتلاف لاستخدام لغة المستعمر في نظام التعليم.

مناورة الملك لتعزيز السلطة

في عام 2011 وسط موجة انتفاضات الربيع العربي، شهد المغرب احتجاجات مناهضة للحكومة تدعو إلى الإصلاح السياسي. وكان رد فعل الملك "محمد السادس" يشبه ذلك الذي قام به الملك "حسين" في الأردن حينما استجاب في عام 1989 للمظاهرات المطالبة بالغذاء (نظمها البدون الذين يعتبروا قاعدة الدعم الرئيسية للملكية الهاشمية) عبر إعادة عقد الانتخابات البرلمانية.

هدأت هذه الخطوة البدون. وفي عام 1992، رفع "حسين" حظر مشاركة الأحزاب السياسية. ومكّن هذا القرار مرشحي "الإخوان المسلمين"، الذين ترشحوا كمستقلين، من الحصول على 30% من مقاعد البرلمان.

ولكن قبل انتخابات عام 1993، قام الملك بمراجعة نظام التصويت، حيث أدخل نظام "الصوت الواحد". وهكذا، فاز "الإخوان"، الذين يجتمعون الآن تحت راية حزب "جبهة العمل الإسلامي"، بنسبة 20% من المقاعد فقط، في حين فازت الأطراف الموالية للملك بنسبة 60% من المقاعد.

أما الملك "محمد السادس" فقد دعا بعد مظاهرات 2011 في المغرب إلى انتخابات برلمانية سريعة وتعديل الدستور للسماح لزعيم الحزب الذي يستحوذ على معظم المقاعد البرلمانية بالعمل كرئيس للوزراء.

ومثلما توقع الملك، استحوذ "العدالة والتنمية" على معظم المقاعد بمجموع 107، متفوقًا بـ 47 مقعدا عن حزب "الاستقلال" الذي احتل المرتبة الثانية في المجلس المكون من 395 عضوا. وعندها كلف الملك "عبد الإله بنكيران" بتشكيل الحكومة، وبعد فوز الحزب أيضًا بمعظم الأصوات في انتخابات عام 2016، كلف الملك "بنكيران" بتشكيل حكومة أخرى.

ولكن بحلول هذا الوقت، كان من الواضح أن الربيع العربي قد فشل. ففي مصر، أطاح الجيش بالرئيس "محمد مرسي" وحظر جماعة "الإخوان المسلمين". وفي تونس، كان "النهضة" يتعثر في صناديق الاقتراع ويواجه معارضة شديدة من الأحزاب العلمانية والقومية.

لذلك، فبعد عام من تعيين "بنكيران" لفترة ولاية ثانية، طلب الملك من حزب "العدالة والتنمية" اختيار زعيم آخر، ما زاد من فرص تعطيل الحزب الذي اختار "العثماني".

وقبل الانتخابات الأخيرة، قام الملك بتغيير القانون الانتخابي لعرقلة فوز "العدالة والتنمية" بمقاعد أكثر من الأحزاب الأخرى، وألغى عتبة 3% للفوز بمقعد، كما أدخل تغييرات على "القاسم الانتخابي" (توزيع المقاعد بناء على إجمالي عدد الناخبين المسجلين وليس عدد الأشخاص الذين صوتوا بالفعل).

واحتل "التجمع الوطني للأحرار" الصدارة مع فوزه بـ102 مقعد، وتم تكليف زعيمه "عزيز أخنوش" بتشكيل حكومة جديدة. وعلى الفور، أظهر "أخنوش" نواياه معربا عن استعداده للعمل مع جميع الأحزاب السياسية التي تتشارك نفس الرؤية السياسية لحزب "التجمع الوطني للأحرار"، مُقصيًا بذلك "العدالة والتنمية".

وبما أن القانون الانتخابي الجديد يشترط تمثيل أكثر من 50% من قوى البرلمان في مجلس الوزراء، فإن تشكيل حكومة ائتلافية أمر لا مفر منه، ما يعني أن "أخنوش" يجب أن يعمل مع الأحزاب الرئيسية الأخرى، بما في ذلك حزب "الأصالة والمعاصرة" (87 مقعدا) و حزب "الاستقلال" (81 مقعدا). وفي الواقع، تضعف الحكومات الائتلافية دور رئيس الوزراء، مما يضمن أن يكون القرار النهائي بيد الملك.

وهكذا، فإن هزيمة "العدالة والتنمية" في المغرب ليست القضية السياسية الحقيقية؛ وإنما تكمن المشكلة في معارضة الملك للإصلاح السياسي. ولن يؤدي تطوير الاقتصاد إلى التحديث إذا تم تجاهل الإصلاح السياسي، بل إن ذلك سيحافظ على دورة التخلف المفرغة.

المصدر | هلال خاشان/ جيوبوليتيكال فيوتشرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد