الجمعة 24 سبتمبر 2021 01:08 م

تناولت مجلة "إيكونوميست" البريطانية في تقرير لها أزمة الوقود في لبنان، والطريقة التي تشابكت فيها المصالح، معتبرة أن الجيران والأصدقاء عرضوا المساعدة في حل الأزمة من أجل مساعدة أنفسهم.

وعلقت المجلة على وصول شاحنات النفط التي نقلته من سوريا إلى لبنان بالقول: "كان الاحتفال مناسبا لبطلٍ فاتحٍ عاد إلى الوطن، فمع اجتياز الشاحنات الحدود، خرجت النساء حاملات الورد والأرز، وانتشرت اللافتات التي مدحت العقل المدبر للعملية لأنه خرق الحصار الذي فرضته على بلده قوى أجنبية حاقدة. وأطلق بعض الرجال الرصاص وقذائف الآر بي جي في الهواء، وهذا كان عملا غير حكيم في ضوء ما تحمله الشاحنات من مواد وهي 4 ملايين لتر من البنزين".

وأضافت المجلة أن الترحيب الشديد بالشاحنات يعبر الكثير عن حال لبنان اليوم. فمن المفترض أن تخفف شحنات الوقود أزمة الطاقة التي شلت البلد، لكن 4 ملايين لتر هي أقل من الاستهلاك اليومي.

وأكثر من هذا، ستفاقم الأزمة السياسية الطويلة. فقد قام "حزب الله"، الحركة السياسية والعسكرية الشيعية، بترتيب نقل الشحنات من إيران إلى ميناء بانياس السوري، ثم نقلها بالشاحنات إلى لبنان.

وتم خرق سلسلة من العقوبات المفروضة على إيران وسوريا و"حزب الله" في عملية نقل الوقود.

في المقابل، قدمت الولايات المتحدة خطتها الخاصة لكي تبقي على النور مشتعلا في لبنان، لكن الخطة هذه ستخرق العقوبات الأمريكية على سوريا.

ويحتاج لبنان للنفط من أي جهة كانت. فالأزمة المالية التي يعاني منها منذ عامين، جعلت من عملته بلا قيمة. وانخفض الاحتياطي الأجنبي من 38 مليار دولار عام 2019 إلى 15 مليار دولار هذا الصيف.

وتكافح الحكومة للحصول على النفط وجعله متوفرا بأسعار معقولة لسكان البلد الفقراء. وخفضت بشكل مطرد من الدعم على المواد الأساسية. وكلفة 20 لترا من البترول تأكل 30% من الحد الأدنى للأجور الشهرية. هذا عندما يكون النفط متوفرا، وهو ليس متوفرا في معظم الأحيان، وتمتد طوابيره على طول كيلومترات.

وفي البيوت، يحصل اللبنانيون يوميا على ساعتين من الكهرباء، وتوقفت المولدات الاحتياطية التي كانت تسد الثغرة عن العمل. وقطعت السلطات وشركات الاتصال الخدمات عن بعض المناطق لأنها لا تستطيع ضخ الطاقة وتشغيل أبراج الهواتف النقالة. ولم يتسبب أي من هذا بـ"الحصار" الغربي كما يقول "حسن نصرالله"، زعيم "حزب الله".

فالعقوبات الأمريكية على لبنان مقتصرة على حزبه. وفي الحقيقة، فإن بعض المشاكل التي سببت معاناة الطاقة في لبنان يمكن ردها إلى دور "حزب الله" كحارس للنظام السياسي الفاسد، بحسب المجلة.

والحزب الذي أنشئ في الثمانينات من القرن الماضي، هو من أقوى القوى السياسية في لبنان، بميليشيا تتفوق على الجيش، ووضعٍ قوي في السياسة. ويقول الحزب إن السلاح يساعده على الدفاع الوطني فيما يتحمل الآخرون مسؤولية السياسة المحلية.

لكنّ "الآخرين" أو بعضهم هم من حلفاء الحزب. وفي السنوات الأخيرة أقام الحزب تحالفا مع التيار الوطني الحر الذي يقوده "جبران باسيل"، صهر الرئيس "ميشال عون"، وهو التيار الذي سيطر على وزارة الطاقة لسنوات.

وعمل "باسيل" وزيرا للكهرباء ما بين 2009 -2014، ودفع باتجاه بناء محطة توليد كهرباء مثيرة للجدل في بلدة سلعاتا المسيحية والتي لم تكن مرتبطة بشبكة الكهرباء الوطنية.

واستأجر مولدات كهرباء لتوفير الطاقة من بواخر، والتي كانت عبارة عن حل مؤقت، وتحولت إلى دائمة بكلفة مالية باهظة. ولأن الولايات المتحدة وحلفاءها كانوا يمقتون ظهور "حزب الله" بمظهر المنقذ للبنان، فقد تقدمت واشنطن بخطتها الخاصة معتمدة على خط أنابيب الغاز العربي.

ومع أن الخط بني لتصدير الغاز المصري إلى الدول العربية، إلا أنه ظل بدون استخدام طوال الوقت. وبعد الثورة المصرية عام 2011، استهدف المسلحون الخط. ثم انخفض إنتاج الغاز وزاد الطلب المحلي عليه، مما دفع مصر في عام 2015 لوقف التصدير والتحول للاستيراد.

لكن الصورة اليوم مختلفة، فمنطقة شرق المتوسط غنية بالغاز الطبيعي، واكتشفت مصر حقل غاز ضخما "ظهر" الذي بدأ بضخ الغاز في 2018، بالإضافة لحقل ليفياثان الإسرائيلي الذي بدأ بالعمل في 2019.

وفي العام الماضي بدأت إسرائيل بنقل الغاز عبر الأنابيب إلى مصر، ويمكن تحويل جزء منه إلى مسال وتصديره للمستهلكين في أوروبا، لكن خط الغاز العربي لا يحمل أي غاز إسرائيلي.

لكن الخطة الأمريكية تواجه معوقات أمريكية. فمرور الخط من الأراضي السورية يعني أن نظام "بشار الأسد" سيحصل على رسوم المرور، وبدلا من دفع هذه الرسوم نقدا، يمكن دفعها بطريقة أخرى. وأحد الخيارات، هو حصول لبنان على الكهرباء من الأردن الذي لديه طاقة إضافية، ما يسهم في تخفيف انقطاع التيار في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة.

وأيا كان الخيار الذي تختاره الحكومة الأمريكية، فكلاهما يعد خرقا لقانون قيصر 2019 الذي يمنع التعامل مع النظام السوري. ويظل كل هذا نظريا؛ لأن على سوريا إصلاح البنية التحتية المتداعية للخط، وهذا يحتاج لعدة أشهر. لكن هذا يؤكد ضعف أمريكا المدمنة على استخدام العقوبات كسلاح.

وكان قانون قيصر بمثابة أداة ضغط على النظام لكي يختار بين الإصلاح السياسي والعزلة الاقتصادية، واختار الثاني، وهذا ليس غريبا على رجل دمر بلده لكي يبقى في السلطة.

لكن الولايات المتحدة تواجه صعوبات في الإبقاء على عزلة النظام السوري. فقد أعادت مصر والأردن ودول في الخليج، وكلها حليفة لأمريكا، العلاقات معه. وستتحول سوريا اليوم إلى وسيط في توفير الطاقة للبنان.

وبالنسبة لسفينة النفط الإيرانية، فقد خرقت العقوبات الأمريكية، ولكن الأمريكيين لم يستطيعوا إيقافها لأنها عبرت المياه الدولية.

ويمكن لواشنطن فرض عقوبات على الدولة اللبنانية التي تمسكت بموقفها أن الاستيراد جاء من جهة خاصة، لكن فرض العقوبات على لبنان سيزيد من المعاناة، وفشلت العقوبات في تغيير سلوك النظامين الإيراني والسوري، وستجد أمريكا صعوبة في فرضها بطريقة مستمرة.

وطالما وجد لبنان نفسه محشورا في نزاعات جيوسياسية، فسفينة نفط من إيران وكميات قليلة من الغاز المصري لن تحل مشكلة الطاقة التي تعود إلى سوء إدارة. وكما هو الحال، فحل مشاكل لبنان المستعصية ليس هو الهدف.

المصدر | الخليج الجديد + القدس العربي