السبت 25 سبتمبر 2021 01:52 ص

على مدى أعوام، اتبعت تركيا أجندة طموحة، حيث وسعت نفوذها في البلدان والمناطق التي كانت خاضعة سابقا للسيطرة العثمانية. وقد لا تكون تركيا قادرة على استيعاب هذه المناطق كجزء من أراضيها كما فعلت من قبل، لكنها تدافع بشكل متزايد عن مصالحها الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية في هذه المناطق، بما في ذلك أجزاء من شمال أفريقيا والقرن الأفريقي.

وبالحديث عن أفريقيا نجد أهداف تركيا واسعة النطاق، فهي بحاجة إلى تأمين الوصول إلى الطرق البحرية الحيوية عبر البحر الأحمر، وموارد الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط. ومع ارتفاع التوقعات الاقتصادية بين الأتراك العاديين، ترى أنقرة أيضا أن هذه المناطق بوابة للأسواق الناشئة ومصدر للمواد الخام، التي تشتد الحاجة إليها من أجل النمو الاقتصادي. لكن أنقرة تواجه أيضا عددا من التحديات، لا سيما المنافسة من القوى الفاعلة في الشرق الأوسط، والتي قد تحد من نفوذها في العالم العربي.

الضرورات التركية

ويبدو أن تاريخ تركيا يعطي قادتها سببا وجيها لجعل طموحاتهم مرتفعة. فقد أشرف العثمانيون على إمبراطورية حكمت في أوجها أجزاء من أوروبا والشرق الأوسط وشمال وشرق أفريقيا. وقد منح ذلك العثمانيين السيطرة على العديد من أهم طرق التجارة في العالم وبعض المناطق الأكثر ثراء بالموارد في العالم.

لكن الإمبراطورية انهارت عام 1918 بعد الحرب العالمية الأولى التي دعمت فيها الجانب الخاسر، وتم تقسيم أراضيها بين بريطانيا وفرنسا وروسيا. وبعد معاهدة لوزان عام 1923، بدا أن تركيا تقبل مصيرها كقوة أكثر تواضعا، لكن ذكريات مجدها الماضي لم تتلاش تماما.

ويعد أحد أكبر مصادر القوة لتركيا هو سيطرتها على بحر مرمرة، الذي يمنحها فعليا السيطرة على مضيق البوسفور، وهو ممر مائي مهم يفصل بين الأجزاء الأوروبية والآسيوية من تركيا ويربط بحر مرمرة بالبحر الأسود. ويعد الوصول إلى المضيق أمرا أساسيا لنقل النفط والقمح والسلع الأخرى من آسيا إلى أوروبا.

ويجبر ذلك البلدان المطلة على البحر الأسود، ولا سيما روسيا، على تجنب المواجهة المباشرة مع تركيا، وإلا فقد تفقد قدرتها على ممارسة التجارة مع أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط.

ومع ذلك، فإن أحد أكبر نقاط الضعف في تركيا هو وجود عدد لا يحصى من الجزر الخاضعة للسيطرة اليونانية، والتي تقع في بحر إيجه خلف بحر مرمرة وممر مائي مهم آخر هو مضيق الدردنيل. ويمكن أن تقيد هذه الجزر وصول تركيا إلى الممرات البحرية الرئيسية، ما يجعل البلاد عرضة للحصار أو الهجوم من قبل قوى بحرية أخرى.

أما نقطة الضعف الرئيسية الأخرى فهي افتقارها إلى موارد الطاقة المحلية التي يمكن أن تساعدها على تحقيق طموحاتها الصناعية، ما يجعل اقتصادها يعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة. لهذا السبب أصبحت تركيا في الأعوام الأخيرة أكثر حزما في مطالباتها بالموارد الهيدروكربونية في شرق البحر الأبيض المتوسط.

تركيا في شمال أفريقيا

وأدت مصالح تركيا المتزايدة في البحر الأبيض المتوسط ​​إلى مزيد من المشاركة في شمال أفريقيا. وتعتمد أنقرة بشكل أساسي على المشاركة السياسية لزيادة نفوذها هناك. وبالرغم من وجودها البحري في البحر المتوسط، إلا أن البحرية التركية ضعيفة مقارنة بالأساطيل البحرية للقوى العالمية الأخرى التي تقوم بدوريات في البحر.

وتخوض تركيا حاليا حملة تحديث طموحة، لكن أي تقدم سيكون بطيئا بالنظر إلى ضعف القاعدة الصناعية وميزانية المشتريات في تركيا. علاوة على ذلك، يتمتع العديد من منافسيها في البحر المتوسط ​​بدعم حلفاء أكثر قوة يمكنهم المساعدة في الدفاع عن مطالبهم في البحر. وعلى سبيل المثال، لدى اليونان اتفاقيات دفاع بحري مع فرنسا وإيطاليا ومصر. وبالتالي، فإن القدرات العملياتية الحالية لتركيا تقتصر في الغالب على بحر إيجه وجنوب البحر المتوسط.

ونظرا لعدم قدرتها على الاعتماد على القوة الغاشمة، تحاول تركيا توسيع نفوذها من خلال استخدام صفحة من "كتاب القواعد" العثماني. فبعد أن سيطر العثمانيون على أجزاء من شمال أفريقيا في القرن الـ15، اعتمدوا، على الأقل جزئيا، على الوكلاء المحليين للحفاظ على السلطة. وقد ساعدهم في ذلك امتلاكهم لقوة بحرية قوية.

وقد حاولت تركيا بناء نفوذ في المنطقة من خلال دعم الأنظمة الإسلامية، التي صعد بعضها إلى السلطة في أعقاب الربيع العربي. على سبيل المثال، دعمت أنقرة وصول جماعة "الإخوان المسلمون" إلى الحكم في مصر في عام 2012، وكذلك دعمت حزب "النهضة" التونسي الذي فاز بأغلبية برلمانية في عام 2011.

وقد أثارت هذه التحركات قلق المنافسين الجيوسياسيين، خاصة السعودية والإمارات، حيث يرون محاولة تركيا نشر نموذجها من الإسلام السياسي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على أنه تهديد لأنظمتهم الملكية وقيادتهم للعالم الإسلامي السني.

وردت السعودية والإمارات بتشكيل تحالف استراتيجي، اعتمد على سياسة خارجية موحدة ضد خصومهما الرئيسيين، قطر وتركيا وإيران. واعتبرت السعودية والإمارات هذه الدول بمثابة تهديد لمصالحها، باعتبار أن  نشر الديمقراطية في المنطقة قد يؤدي إلى انتخاب أنظمة إسلامية مثل "الإخوان المسلمون".

وفي مصر، استغل هذا التحالف عدم قدرة الإخوان على توطيد السلطة والوضع الاقتصادي والأمني ​​المتدهور في البلاد، لتأجيج احتجاجات تطالب بالإطاحة بالحكومة التي يقودها الإخوان. وبلغت التظاهرات ذروتها بانقلاب عام 2013 بقيادة الجنرال "عبدالفتاح السيسي"، الذي تلقى دعما ماليا من السعودية والإمارات.

واستخدم السعوديون والإماراتيون التكتيكات نفسها مؤخرا في تونس، حيث اندلعت احتجاجات في يوليو/تموز بسبب الأزمة الاقتصادية. وعقب المظاهرات، علق الرئيس "قيس سعيد"، الذي دعمه السعوديون والإماراتيون، البرلمان وأقال رئيس الوزراء.

وفي الوقت الذي رأى فيه السعوديون والإماراتيون صعود الإسلام السياسي باعتباره تهديدا،فقد رأت تركيا أن انتخاب حزب النهضة في تونس و"الإخوان المسلمون" في مصر فرصة لكسب موطئ قدم في دول استراتيجية على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط.

تركيا في القرن الأفريقي والساحل

وتزايد كذلك النفوذ التركي في القرن الأفريقي. ويقع القرن الأفريقي بجوار أحد أكثر طرق التجارة ازدحاما في العالم (من المحيط الهندي إلى أوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس) مرورا بمضيق باب المندب بين جيبوتي واليمن.

ويعني هذا أنه إذا أرادت تركيا تأمين مصالحها، فقد تضطر في النهاية إلى الحفاظ على وجود بحري قوي هناك لتأمين مرور سفنها التجارية والعسكرية، فضلا عن استعراض القوة في القرن الأفريقي.

وبالرغم من القيود الحالية، تحاول تركيا إرساء الأساس لمثل هذه القوة. على سبيل المثال، حاولت أنقرة إحياء ميناء "سواكن" وهو قاعدة تجارية وعسكرية توقفت عن العمل على طول ساحل البحر الأحمر في السودان. وكانت "سواكن" ميناء رئيسيا للإمبراطورية العثمانية عندما حكمت السودان في القرن الـ 15.

ولسوء الحظ، بعد أن أطاح الجيش السوداني بالرئيس "عمر البشير"، علق النظام السوداني الجديد مشروع الإحياء في أبريل/نيسان 2019. ويبدو أن النظام الجديد لم يرغب في أن يُنظر إليه على أنه تابع لأنقرة. ومع ذلك، لا تزال العلاقات حميمية بين تركيا والسودان، ووقع البلدان مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون في مجالات البنوك والطاقة والدفاع في أغسطس/آب 2021.

وكان على أنقرة أن تركز على القوة الناعمة لتعزيز مصالحها في القرن الأفريقي، ولكن حتى هذا النهج له حدوده. وأعطت تركيا الأولوية للعلاقات التجارية والاستثمارية مع إثيوبيا (أكبر اقتصاد في المنطقة) مع كون أنقرة ثالث أكبر مستثمر أجنبي في البلاد بعد الصين والسعودية. لكن عندما حاولت تركيا ممارسة نفوذها وعرضت التوسط في نزاع حدودي بين إثيوبيا والسودان، وقدمت نفسها كبديل للولايات المتحدة في منطقة القرن الأفريقي، رفضت أديس أبابا العرض.

وتمثل الصومال قصة النجاح الوحيدة حتى الآن لتركيا في المنطقة. وتعد أنقرة هي الفاعل الأجنبي المهيمن في الصومال، وقد تمكنت من صد محاولات التحالف السعودي الإماراتي لاستبدالها. وساهمت المساعدات الاقتصادية الواسعة التي قدمتها أنقرة للصومال عندما كانت تواجه مجاعة مدمرة في عام 2011 على كسب نفوذ واسع في البلاد. واستخدمت أنقرة رأس المال السياسي هذا لدعم الجماعات المحلية المتحالفة معها، ولا سيما الجماعات الإسلامية.

وفي عام 2017، افتتحت تركيا قاعدة عسكرية في مقديشو، هي الأكبر من نوعها خارج تركيا، وذلك لتدريب القوات الصومالية. كما أنشأت أنقرة موطئ قدم راسخ في المطارات والموانئ الصومالية، والتي تعتبرها عنصرا حاسما لإظهار القوة في البحر الأحمر والمحيط الهندي. ونتيجة الجهود التركية، عندما قدمت الإمارات مبادرات مالية لمحاولة إقناع الصومال بقطع العلاقات مع تركيا وقطر، رفضت القيادة الصومالية ذلك.

ومع ذلك، لا تزال مشاكل تركيا الاقتصادية تشكل قيدا رئيسيا على نشاطها في القرن الأفريقي. وتتمثل مشكلتها الرئيسية في أن عملتها في حالة تدهور مستمر، ما يؤدي إلى ارتفاع معدل التضخم بسرعة. كما أن نزعة المغامرة التركية جعلتها هدفا للعقوبات الأمريكية والأوروبية.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2019، شنت أنقرة هجمات عسكرية على القوات الكردية المتحالفة مع الولايات المتحدة في سوريا. كما اعتقلت مواطنا أمريكيا اتهمته بدعم محاولة انقلاب فاشلة عام 2016 ضد "أردوغان". وأدى التنقيب عن الغاز في المياه المتنازع عليها إلى فرض عقوبات من بروكسل. وأثرت العقوبات الغربية بشكل مباشر على صناعات الصلب والألمنيوم في تركيا كما زادت من الأعباء على الليرة.

وأثارت الصراعات الاقتصادية المطولة تخوفات المستثمرين الذين يشعرون بالقلق من التدخل السياسي الذي يؤثر على السياسة النقدية، وكذلك من الديون الخارجية المتزايدة للبلاد. ويعد إحجام المستثمرين مشكلة بالنسبة لتركيا لأنها تحتاج إلى استثمارات خارجية لاقتصادها الصناعي.

لذلك حاول "أردوغان" تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة والمنافسين الجيوسياسيين الآخرين، ولا سيما الإمارات، لاستعادة ثقة المستثمرين. وعقد "أردوغان" اجتماعا ثنائيا مع الرئيس الأمريكي "جو بايدن" في يونيو/حزيران أعلن خلاله عن عهد جديد من العلاقات القائمة علىالتعاون البناّء مع واشنطن. كما أعرب في أغسطس/آب عن رغبة بلاده في إقامة علاقة جيدة مع الإمارات والسعودية.

منطقة الساحل الأفريقي

تعتبر تركيا منطقة الساحل فرصة لتوسيع التجارة والحصول على الموارد الطبيعية اللازمة لصناعاتها. وفي حين أن دوافع تركيا اقتصادية في المقام الأول، فإن استراتيجيتها تتضمن مكونا أمنيا وعسكريا مهما. ويعد ذلك ضروريا لأن أي جهة أجنبية تريد التعامل مع دول الساحل يجب أن تكتسب النفوذ والثقة من خلال إثبات قدرتها على مساعدتها في مواجهة تحدياتها الأمنية. ويمكن لتركيا القيام بذلك اعتمادا على صناعة الدفاع المتنامية.

وتوفر استراتيجية تركيا في الصومال نموذجا لفهم كيف تخطط أنقرة لمتابعة مصالحها في منطقة الساحل. كما تجدر الإشارة إلى أن تركيا تسعى للاستفادة من المشاعر المعادية لفرنسا وتقلص الوجود الفرنسي في منطقة الساحل لتقديم نفسها كشريك أمني بديل. ويمكنها بعد ذلك استخدام رأسمالها السياسي الجديد للدخول في شراكة مع الجماعات المحلية وإغراق الأسواق بأسلحة تركية الصنع وسلع أخرى. وستساعد مثل هذه الشراكات أيضا تركيا في الوصول إلى الموارد الطبيعية التي تحظى بها المنطقة.

وتجذب هذه الموارد أيضا اهتمام الجماعات المتمردة والإجرامية، ما يتطلب يقظة أمنية من نوع خاص. ولهذا السبب سعت تركيا لاتفاقيات تعاون عسكري مع دول الساحل مثل النيجر وموريتانيا وبوركينا فاسو.

وتبقى قدرة تركيا على ممارسة نفوذها في غرب أفريقيا والساحل مقيدة بشكل كبير بالقوى الراسخة في المنطقة مثل الولايات المتحدة وفرنسا والصين. ثم هناك قوى ناشئة في المنطقة مثل روسيا، التي نشرت بالفعل مرتزقة لدعم الأنظمة الصديقة وحماية مصالح الكرملين.

وتأمل أنقرة في مواجهة ذلك من خلال الدعوة إلى التضامن الإسلامي. ويعتنق غالبية المواطنين في المنطقة الإسلام، لذلك ستعتمد تركيا على صورتها كحامية للثقافة الإسلامية، من خلال بناء المساجد والمستشفيات في دول الساحل مثل مالي والنيجر. ومن شأن ذلك أن يساعد أنقرة على بناء علاقات وثيقة مع المجتمعات المحلية، على عكس دبلوماسية موسكو النخبوية التي تركز على العلاقات الوثيقة مع القادة المحليين.

وتركز استراتيجية تركيا الواسعة في أفريقيا على إعادة إنشاء مجال نفوذ عثماني جديد في شمال وشرق أفريقيا. وتتطلع تركيا إلى استكشاف الطاقة والطرق البحرية الحيوية للتجارة مع أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ومنطقة الساحل، حيث تأمل في تأمين المواد الخام لتعزيز اقتصادها لتصبح في النهاية قوة صناعية رائدة. ومع ذلك، يجب على تركيا التغلب على أزماتها الاقتصادية ونقاط ضعفها البحرية وأنشطة منافسيها الجيوسياسيين في هذه المناطق.

المصدر | أبو بكر الحسن/جيوبوليتيكال فيوتشرز - ترجمة وتحرير الخليج الجديد