السبت 16 أكتوبر 2021 11:15 م

وصف الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" الهجمات الأخيرة التي تعرضت لها قوات بلاده في سوريا بأنها "القشة التي قصمت ظهر البعير"، مؤكدا تصميم تركيا على القضاء على هذه التهديدات سواء عبر التعاون مع الدول المعنية أو بـ"وسائلنا الخاصة".

وقد يعني ذلك أن "أردوغان" يستعد فعليا لشن هجوم عسكري آخر على المناطق التي يديرها الأكراد في سوريا، أو ربما كان يرسل إشارة إلى الرئيس الأمريكي "جو بايدن" والرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" مفادها أن هناك المزيد من العمل الذي يتعين القيام به لمعالجة الأزمة السورية بشروط تركيا.

ويواجه "أردوغان" تحديا صعبا بسبب التدخل العسكري في سوريا، والعبء الاقتصادي باستضافة 3.6 مليون لاجئ سوري، والخلافات مع "بايدن" و"بوتين" حول الخطوات التالية في سوريا.

وقبل عامين، أطلق "أردوغان" "عملية نبع السلام" في شمال شرق سوريا وذلك بضوء أخضر من الرئيس الأمريكي آنذاك "دونالد ترامب". وكانت العملية تستهدف القضاء جزئيا على تهديد الميليشيات الكردية وإنشاء منطقة آمنة لمنع تدفق اللاجئين السوريين إلى سوريا.

وتوصل "أردوغان" بعد ذلك إلى اتفاق مع "بوتين" يتم بموجبه جلب قوات النظام السوري إلى المناطق المجاورة وحصر التواجد التركي في بلدتين صغيرتين وهما تل أبيض ورأس العين.

ورغم أن الاتفاق مع روسيا تضمن وعدا بإزالة جميع عناصر "وحدات حماية الشعب" الكردية من المناطق المجاورة، فلم يحدث ذلك أبدا.

وتعتبر تركيا "وحدات حماية الشعب" الكردية الفرع السوري لـ"حزب العمال الكردستاني" الذي صنفته الولايات المتحدة وتركيا على أنه جماعة إرهابية. وربطت تصريحات "أردوغان" العلنية هذا الأسبوع "حزب العمال الكردستاني" و"وحدات حماية الشعب" ليس فقط بالإرهاب ضد تركيا ولكن أيضا بتجارة المخدرات في أوروبا.

وحاول "بوتين" التوسط في صفقة بين النظام السوري والأكراد وتركيا لكنه لم ينجح بسبب الخلافات بين جميع الأطراف. وهناك سبب آخر وهو الولايات المتحدة، التي تحتفظ بـ 900 جندي في سوريا وشراكة مع "قوات سوريا الديمقراطية" التي تتكون أساسا من "وحدات حماية الشعب" التي عملت الولايات المتحدة معها لمحاربة تنظيم "الدولة الإسلامية" في سوريا.

رسالة إلى "بوتين".. لنعقد صفقة

ويواجه "أردوغان" في الواقع جبهتين في سوريا، المناطق التي تسيطر عليها تركيا في الشمال الشرقي عبر القوات السورية الموالية لها (مناطق كردية)، ودورها الأمني ​​في الشمال الغربي في إدلب التي تسيطر عليها بشكل أساسي "هيئة تحرير الشام" التي تم تصنيفها جماعة إرهابية من قبل كل من تركيا والولايات المتحدة ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

وضغط "بوتين" على "أردوغان"من أجل السماح للقوات السورية المدعومة من روسيا بالقضاء على "هيئة تحرير الشام" والجماعات المسلحة الأخرى وإعادة فتح طريقين سريعين رئيسيين يمران من هناك، وهما "إم 4" و"إم 5".

والتقى "أردوغان" و"بوتين" في سوتشي في 29 سبتمبر/أيلول، لكن القراءات لم تشر إلى اتفاق سواء بشأن إدلب في الشمال الغربي أو تل رفعت ومنبج في الشمال الشرقي.

وقال محلل الشؤون الخارجية التركية "فهيم تستكين": "يبدو أن ورقة تل رفعت هي أداة يستخدمها أردوغان للحفاظ على الوضع الراهن في إدلب". ومع ذلك، فإن مثل هذه المناورات لا يمكن أن تصد الضغوط المتعلقة بإدلب إلى الأبد. ولم تُظهر روسيا أي استعداد لمقايضة تل رفعت ومنبج بإدلب، ومن غير المرجح أن توافق على هجوم تركي جديد.

ومن وجهة نظر رئيس النظام السوري "بشار الأسد"، فإن سيطرة الجماعات المدعومة من تركيا على تل رفعت وربما حتى منبج ستكون دفعة للمعارضة وتهديدا جديدا لاستقرار "الأسد".

لذلك يفضل "بوتين"، بصفته الداعم الرئيسي لـ"الأسد"، كبح طموح "أردوغان". وتريد الولايات المتحدة أيضا تجنب هجوم تركي على المناطق التي يسيطر عليها شركاؤها الأكراد. ولكن قد يقبل "أردوغان" و"بوتين" أيضا ببعض التفاوض حول إدلب وتل رفعت.

ويضيف "تستكين": "قد تحصل تركيا على ضوء أخضر لعملية محدودة في تل رفعت لن تؤثر على السيطرة على الأرض مقابل انسحابها من طريق إم 4 في إدلب. وبالنظر إلى الأهمية التي توليها دمشق وحلفاؤها لتل رفعت، فإن الموافقة على أي خطوة هناك ربما تتطلب تنازلا كبيرا من جانب أردوغان من شأنه أن يغير الوضع على الأرض بشكل كبير".

رسالة إلى "بايدن".. واختبار إف-16 النهائي

ووضع تمديد البيت الأبيض لحالة الطوارئ بشأن سوريا في 7 أكتوبر/تشرين الأول تركيا على الجانب الآخر من المصالح الأمريكية في شمال شرق سوريا، وقد أشارت الإدارة الأمريكية إلى أن العمليات العسكرية التركية هناك "تقوض حملة هزيمة الدولة الإسلامية، وتعرض المدنيين للخطر، وتهدد كذلك بتقويض السلام والأمن والاستقرار في المنطقة".

وبالرغم من إدانة المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية "نيد برايس" هجوم 10 أكتوبر/تشرين الأول الذي أودى بحياة جنديين تركيين، ودعا جميع الأطراف إلى احترام خطوط وقف إطلاق النار، فقد انتقد وزير الخارجية التركي "مولود جاويش أوغلو" تصريحات "برايس" ووصفها بأنها غير صادقة وأشار إلى دور واشنطن في تسليح الأكراد السوريين، قائلا: "إنك تزودهم بالأسلحة ثم تدلي ببيان للاستعراض فقط. النفاق واضح في هذه الحالة".

وحاول "برايس" خفض حدة التوتر في 14 أكتوبر/تشرين الأول، قائلا إن "تركيا بالطبع حليف مهم في الناتو. ولدينا مصالح مشتركة في عدد من المجالات. ويشمل ذلك مكافحة الإرهاب وإنهاء الصراع في سوريا وردع النفوذ الخبيث في المنطقة".

وبالرغم من توتر العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا والعقوبات الناجمة عن شراء تركيا لمنظومة الدفاع الجوي الروسية "إس-400"، طلبت أنقرة طائرات مقاتلة من طراز "إف-16" من الولايات المتحدة.

وقال المحلل العسكري التركي "متين جوركان" إن "أردوغان" يرى طلب شراء طائرات "إف- 16" على أنه اختبار أخير للثقة مع إدارة "بايدن"، مشيرا إلى أن الإدارة يمكن أن تقنع الكونجرس بالموافقة على الصفقة إذا كانت مهتمة حقا بمنع تركيا من التقارب مع روسيا. ويُنظر إلى الطلب على أنه "مفترق الطرق" حيث تستعد أنقرة لاستراتيجية جديدة اعتمادا على رد واشنطن".

ويضيف "جوركان": "يتساءل الكثيرون في تركيا الآن عما إذا كانت أنقرة قدمت طلب الحصول على إف-16 فقط ليتم رفضه، في خطوة محسوبة لتمهيد الطريق لمفاوضات حول المقاتلات الروسية".

وبالرغم أن "أردوغان لديه مساحة أقل للمناورة تجاه "بايدن" مما لديه مع بوتين"، إلا أنه يسعى لعدم الوصول إلى نقطة الانهيار في العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا، لأنه يحتاج إلى واشنطن كورقة ضغط أمام "بوتين".

وأنتج مستنقع سوريا نوعا من "الجمود الهش" بين تركيا وروسيا والولايات المتحدة "يمكن أن ينهار في أي وقت". ولا يمكن لـ "أردوغان" التخلي عن الولايات المتحدة تماما، لأنه يختلف مع "بوتين" في سوريا وأوكرانيا، فهو يحتاج على الأقل إلى وجود خيار في التعامل مع "بوتين" للبقاء في اللعبة. وتعد هذه أيضا ورقة رابحة للولايات المتحدة.

المصدر | المونيتور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد