الخميس 21 أكتوبر 2021 05:42 ص

توقفت محاولات روسيا لفرض سيطرتها الكاملة على ليبيا عبر أمير الحرب "خليفة حفتر". وبالرغم أن "حفتر" لا يزال يسيطر على بنغازي وأجزاء أخرى من شرق ليبيا، فإن الإجراءات الروسية تشير إلى أن موسكو تعمل الآن على دفع أجندتها من خلال العملية الديمقراطية في ليبيا. ويعد "سيف القذافي"، نجل الرئيس الليبي الراحل "معمر القذافي"، هو الخيار المفضل لروسيا.

وفي حين استخدم الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" مجموعة "فاجنر" لدعم "حفتر"، فقد أصدرت السلطات الليبية في 5 أغسطس/آب مذكرة توقيف بحق "سيف" بسبب التعاون المزعوم مع المرتزقة الروس. ولم يمنع ذلك موسكو من إعادة تركيز جهودها لتتماشى مع أهداف "سيف" الذي يمثل لموسكو الآن ما كان عليه "حفتر" سابقا، أي عميل مرن من شأنه أن يقمع الإسلاموية وينشر النفوذ الاستبدادي.

علاوة على ذلك، تعرف روسيا أن عرقلة انتخابات أخرى ترعاها الأمم المتحدة من خلال دعم "حفتر" سيؤدي إلى مزيد من الاتهامات الدولية، لذلك تتبنى موسكو الآن نهجا مزدوجا من خلال دعم "سيف" في الانتخابات مع الحفاظ على الوضع الراهن ودمج "فاجنر" مع قوات "حفتر".

وحافظ "بوتين" على علاقات وثيقة مع "معمر القذافي" خلال فترة حكمه، ووقع الطرفان العديد من اتفاقيات التعاون. وبعد وفاة "القذافي" عام 2011، والحرب الأهلية اللاحقة في ليبيا، وجد "بوتين" شخصية أخرى لتلعب دور الزعيم المثير للجدل وهو الجنرال "خليفة حفتر". ومع ذلك، عندما فشلت الحملة العسكرية ضد طرابلس عام 2019، بدأت مصر في التشكيك في دعمها لـ "حفتر"، ما تسبب في تكهنات بأن روسيا ستحذو حذوها.

وفي سبتمبر/أيلول 2020، انتشرت شائعات تفيد بأن "سيف القذافي" طار إلى موسكو. وفي ديسمبر/كانون الأول 2020، دفعت شركة مملوكة لـ"يفجيني بريجوجين"، رئيس مجموعة "فاجنر"، لرجلين تم الإفراج عنهما مؤخرا في ليبيا 500 ألف دولار أمريكي، واتهمت السلطات الليبية الرجلين بالتدخل في الانتخابات من خلال العمل مع "سيف". وتشير الأموال المدفوعة إلى أن موسكو بدأت في إبداء الاهتمام بحملة "سيف".

وفي الواقع، أدت إخفاقات "حفتر" العسكرية إلى تغيير حسابات "بوتين". وبحلول وقف إطلاق النار في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2020، ترجعت فعالية العنف إلى حد ما كخيار موثوق لزيادة النفوذ الروسي في ليبيا. وهكذا أصبحت الانتخابات المقبلة وسيلة أكثر جاذبية لتعزيز المصالح الروسية. وفي هذا السياق، بدأت روسيا في التحوط في رهاناتها ودعم مرشح للانتخابات الليبية المقبلة في ديسمبر/كانون الأول، وهو "سيف القذافي".

وتمتعت شركات النفط الروسية بعقود نفطية مربحة في عهد "القذافي"، ولا تزال حريصة على تجديد السعي وراء تلك الثروة. وواصلت "تات نفت"، وهي شركة طاقة روسية رئيسها التنفيذي هو رئيس مقاطعة تتارستان الروسية، استخراج النفط الليبي حتى عام 2014. ومع تصاعد الحرب الأهلية اللاحقة وهجمات "حفتر"، لم تتمكن "تات نفت" من متابعة عقودها.

ومع ذلك، التزمت "تات نفت" مؤخرا بإعادة فتح بعض المواقع بناء على العقود التي حصلت عليها من "معمر القذافي". وأثبت وقف إطلاق النار المؤقت أنه كان مفيدا بشدة للشركات الروسية وهو سبب أكبر لكي تدعم روسيا مرشح صديق في الانتخابات بدلا من مواصلة مغامراتها العسكرية عبر "حفتر".

وفي يوليو/تموز 2021، أجرى "سيف" مقابلة نادرة مع "روبرت وورث" من "نيويورك تايمز" وحاول تصوير نفسه كزعيم مُصلح يقدر الديمقراطية. كما استغل الحنين الليبي لاستقرار حكم والده. لكن "وورث" خلص إلى أن "سيف" يفهم اللغة الغربية حول حقوق الإنسان ويتحدث بها لزيادة الدعم الغربي لخوضه الانتخابات الرئاسية.

ومثل "بوتين" في أيامه الأولى، يرى "سيف" في خطاب الديمقراطية وسيلة لتحقيق تطلعاته في السلطة. ويدرك "بوتين" أن رغبة "سيف" في التظاهر بهذا الخطاب حول حقوق الإنسان يمكن أن تجنبه العقبات التي تواجهها روسيا عند دعم "حفتر". ويريد "بوتين" تجنب مواقف مثل عام 2020، عندما كشفت "يو إس أفريكوم" علنا عن معدات عسكرية روسية تم نشرها نيابة عن "حفتر".

ويحتفظ "سيف" بعلاقات مع الشركات التابعة لمجموعة "فاجنر" والحكومة الروسية. وإذا نجحت أدوات الدعم الروسية في تأمين النصر له في الانتخابات، فسيرد الجميل إلى روسيا بالطبع. ولن ترى ليبيا مع وجود نجل "القذافي" في السلطة عودة شركات النفط الروسية فحسب، بل أيضا عقود أسلحة روسية هائلة فضلا عن عقود جديدة لإعادة إعمار ليبيا.

ويمكن لروسيا أن تعيد تنشيط أملها في قاعدة بحرية في البلاد في إطار سعيها لتوسيع وجودها الأمني ​​في البحر الأبيض المتوسط ​​والبحر الأحمر. ولا تختلف النتيجة هذه عما إذا وصل "حفتر" إلى السلطة، ولكن وصول "سيف القذافي" سيعزز احتمالات الحفاظ على السلام.

وقد تتلاشى أيضا الاتهامات بأن روسيا تستفيد من عدم الاستقرار إذا تخلت روسيا تدريجيا عن دعمها لـ"حفتر" وحشدت الدعم لـ"سيف". ومع ذلك، لا تزال هناك العديد من التعقيدات في المستقبل. وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق "سيف" بدعوى ارتكاب العديد من الفظائع والجرائم ضد الإنسانية، وذلك فضلا عن مذكرة توقيف التي أصدرتها السلطات الليبية مؤخرا بحق "سيف".

وتتفهم روسيا هذه المعضلة، وهو ما يفسر سبب عدم توقفها تماما عن دعم "حفتر"، حيث كشفت "بي بي سي" عن جهود "فاجنر" الهائلة نيابة عن "حفتر" مؤخرا في أغسطس/آب.

وأدركت روسيا أن "حفتر" والصراع العنيف سيحققان مصالحها جزئيا، بينما يجلبان الانتقادات الدولية. لذلك، فإن نهج موسكو المزدوج والذي يتمثل في دعم "حفتر" مع دعم مرشح محتمل في الانتخابات الليبية يوفر فرصة أكبر لمتابعة أهداف روسيا في البحر المتوسط.

علاوة على هذا، فإن استمرار وجود "فاجنر" من خلال "حفتر" يمنح مجموعة المرتزقة القدرة اللوجستية على التوسع في منطقة الساحل.

وعلى أي حال، فإن الدعم الروسي لـ"سيف" يعزز محاولات "بوتين" لاستغلال الديمقراطية من أجل النفوذ الجيوسياسي، تماما كما فعل في جميع أنحاء أفريقيا وفي الولايات المتحدة وفي الكرملين نفسه.

المصدر | ديلان ياخشن - إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد