الأحد 14 نوفمبر 2021 09:46 ص

لم تكن زيارة وزير الخارجية الإماراتي "عبد الله بن زايد"، إلى العاصمة السورية دمشق؛ قبل أيام، مفاجئة للمراقبين، أو خطوة غير محسوبة، من قبل أبوظبي.

وليس من المبالغة القول، إن الزيارة كان يجري لها التمهيد سرا، منذ شهور، مسبوقة بخطوات تطبيعية أخرى مع رئيس النظام السوري "بشار الأسد".

وتعد الإمارات حليفا قويا لـ"الأسد" خاصة خلال السنوات الأربع الأخيرة، مع انهيار المعارضة السورية، وتمكن قواته بفضل دعم روسي إيراني كبير، من بسط سيطرته على معظم المدن السورية.

ويحكم بوصلة أبوظبي تجاه "الأسد"، متغيرات عدة، من السياسة إلى الاقتصاد، لكن ورقة المصالح كانت هي الأقوى والأبرز كجرافة تمهد الأرض لأول زيارة من نوعها لوزير الخارجية الإماراتي، منذ اندلاع الحرب في البلاد عام 2011.

تقارب لافت

التقارب الإماراتي السوري ليس وليد اللحظة، وسبق له التمهيد سرا وعلانية، لكن الخطوة الأبرز تمثلت في قرار أبوظبي بإعادة فتح سفارتها في دمشق، 27  ديسمبر/كانون الأول 2018.

وتحت ذريعة تقديم المساعدات الإنسانية لمواجهة جائحة "كورونا"، برزت الإمارات كداعم لـ"الأسد" وقدمت تبرعات بمئات الملايين من الدولارات بدعوى تخفيف معاناة الشعب السوري.

وتحت الذريعة ذاتها، جرى أول اتصال هاتفي منذ 2011، بين ولي عهد أبوظبي "محمد بن زايد" و"الأسد"، بدعوى بحث تداعيات انتشار فيروس كورونا"، مارس/آذار 2020.

وفي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بحث "بن زايد" مع رئيس النظام السوري، سبل تعزيز التعاون بين الجانبين، في اتصال ثان، سبق زيارة وزير الخارجية الإماراتي إلى دمشق.

وبدا جليا أن الإمارات تقود محاولات جديدة لحلحلة الموقف العربي من نظام "الأسد" بما يمهد لإنهاء تجميد عضوية بلاده منذ 2011، وعودتها إلى الجامعة العربية.

وقبل شهور، شدد وزير الخارجية الإماراتي على أهمية عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية، قائلا إن الأمر يتعلق بالمصلحة العامة؛ أي مصلحة سوريا ومصلحة المنطقة، على حد قوله.

استثمارات واعدة

لغة الاستثمار كانت واضحة للجميع، مع سعي الطرفين لتسريع وتيرة التطبيع بينهما، وكسر حالة الجمود الخليجي والعربي تجاه نظام "الأسد".

وتطمح أبوظبي إلى نيل حصة ثمينة من كعكة إعمار سوريا، التي  قدّرها ممثل الأمم المتحدة السابق في سوريا "ستيفان دي ميستورا" بما يتراوح بين 250 إلى 400 مليار دولار.

وتشمل الكعكة الثمينة،إعادة بناء كل شيء في سوريا تقريبا، من المرافق الأساسية المادية إلى المساكن إلى رأس المال البشري والزراعة والصناعة والطاقة ومؤسسات الدولة، ومن ثم فهي تستحق العناء والصبر، لأن الفائز سيحصل على مكافأة ضخمة، بحسب "القدس العربي".

وإلى جانب كعكة الإعمار، يبرز ميناء اللاذقية السوري كأحد أبرز أولويات أجندة الاستثمار الإماراتية، حيث عرضت شركة "موانئ دبي العالمية" قبل نحو عام، رسمياً رغبتها في استثمار وتشغيل ميناء اللاذقية، وفق صحيفة "الأخبار" اللبنانية.

وهناك النفط والغاز السوريان في محافظات الحسكة ودير الزور وتدمر وبالقرب من دمشق، ومناجم الفوسفات في حماة وحمص، وهي كعكة ثانية تثير لعاب قوى إقليمية ودولية كبرى مثل روسيا والولايات المتحدة وإيران.

أما الاستثمارات المباشرة، فقد ظهرت سريعا في عودة طيران الإمارات إلى المطارات السورية، وتوقيع الجانبين على عقد لإنشاء محطة كهروضوئية بقدرة "300 ميجاواط" بريف دمشق.

والشهر الماضي، وفي خطوة لتعزيز التعاون بين الجانبين، صدر قرار بتشكيل مجلس الأعمال السوري الإماراتي بهدف تفعيل دور القطاع الخاص في تطوير التعاون الاقتصادي بين البلدين في مختلف المجالات.

وفي الشهر ذاته، توصلت أبوظبي ودمشق إلى اتفاق على خطط مستقبلية لتعزيز التعاون الاقتصادي بينهما، على هامش لقاء جمع وزير الاقتصاد الإماراتي "عبدالله بن طوق المري" مع وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية بالنظام السوري "محمد سامر خليل"، خلال فعاليات معرض إكسبو دبي 2020.

وبلغ حجم التبادل التجاري غير النفطي بين البلدين، خلال العام الماضي 2020، نحو 2.6 مليار درهم (نحو 600 مليون دولار).

وتعد الإمارات أهم الشركاء التجاريين لسوريا على المستوى العالمي، وتحتل المرتبة الأولى عربياً والثالثة عالمياً، وتستحوذ على ما تتجاوز نسبته 14% من تجارة سوريا الخارجية، وفق تصريحات "المري".

إيران وتركيا حاضران

وتقف أسباب وتحولات استراتيجية وراء النهج الإماراتي المتسارع للتطبيع مع "الأسد" وتعزيز استقرار نظامه باستثمارات سخية، بل ودعمه سياسيا وفك الحصار الفروض عليه.

ولا شك أن رغبة الإمارات في خفض التصعيد مع إيران، أحد الداعمين الرئيسيين لـ"الأسد"، تؤكد براجماتية أبوظبي، التي زودت القوات الحكومية السورية بالوقود، العام الماضي.

لذك كان من المنطقي أن تتفهم طهران الرسالة الإماراتية، الأمر الذي تبلور في اتصال هاتفي بين وزير الخارجية الإيراني "حسين أمير عبداللهيان"، بنظيره الإماراتي، مشيدا بزيارة الأخير لدمشق معتبرا  أنها "خطوة إيجابية"، كما أشاد بالعلاقات بين إيران والإمارات، داعيا إلى تسوية بعض المشاكل بين البلدين.

وبالنظر إلى حالة التنافس الإقليمي بين الإمارات وتركيا في ملفات عدة، فإن تحركات أبوظبي لإعادة تأهيل نظام "الأسد" تستهدف في المقام الأول المصالح التركية في سوريا.

وترى أبوظبي في "الأسد"، حال استعادة عافيته، ورقة رابحة، ستمكن "بن زايد" من المناورة مع أنقرة، وإزعاج حكم الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان".

ويؤكد مراقبون، أن إعادة تأهيل "الأسد" عبر زيارات رسمية وتفاهمات اقتصادية، سياسة تعبر عن رغبة إسرائيلية تنفذها الإمارات، التي وقعت اتقاقا للتطبيع مع تل أبيب، العام الماضي.

بشكل براجماتي، يعد التطبيع مع "الأسد" بهدف تقويته، هدفا نحو خدمة المصالح الإسرائيلية هناك أولا، وتحجيم نفوذ إيران و"حزب الله" اللبناني ثانيا، وتقليم أظافر تركيا ثالثا.

جملة من المآرب السياسية والاستراتيجية والاقتصادية، تقف وراء التقارب الكبير بين أبوظبي ودمشق، مدفوعا بضوء أخضر من تل أبيب والقاهرة، اللتين يشاركان، الإمارات، آمالها في أن يستعيد نظام "الأسد" عافيته ليعزز المحور المناهض لتركيا في المنطقة.

المصدر | الخليج الجديد