الخميس 18 نوفمبر 2021 11:54 م

يعد التدخل الأجنبي لعنة بالنسبة لبلد منقسم مثل لبنان، فقد تلاعبت الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية بالانقسامات الدائمة في المجتمع لتعزيز مصالحها، في حين دفع اللبنانيون ثمنا باهظا لذلك. ومع ذلك، يبرز هنا سؤال حول إمكانية الاستفادة من التدخلات الخارجية؟

وفي الحالة اللبنانية، تعد الطوائف كلها أقليات بشكل أو بآخر، ولكل منها مخاوفها الوجودية. وإذا اكتسبت طائفة مزيدا من القوة، فإن رد الفعل الغريزي للطوائف الأخرى هو توقع القضاء عليها. وفي كثير من الأحيان يمكن أن يؤدي ذلك إلى الحرب، حيث تستعد أقلية ما خائفة (تفرط في تفسير تصرفات الخصوم) للقتال في معركة متصورة من أجل البقاء.

وهذا ما حدث في الفترة التي سبقت الحرب الأهلية عام 1975 عندما بدأت الأحزاب السياسية المارونية في التسلح، فقد نظروا إلى القوة المتزايدة للجماعات الفلسطينية المسلحة باعتبارها عامل تعزيز حاسم للمجتمع السني، معتقدين أن ذلك يهدد وجودهم.

وتميل الأنظمة الطائفية إلى معاقبة الطوائف التي تحاول فرض إرادتها على الآخرين. وعندما غادر الفلسطينيون لبنان عام 1982 ثم بشكل قاطع عام 1983، فقد السنة دعمهم العسكري الرئيسي وتلاشى لأعوام. واعتقد الموارنة أن بإمكانهم فرض سيادتهم باستغلال الغزو الإسرائيلي عام 1982.

لكن ذلك قوضه إحجام إسرائيل عن التورط في العداوات اللبنانية، وعداء الطوائف الأخرى للطموحات المارونية، والمساعدات العسكرية التي قدمتها الدول الأجنبية لهؤلاء المعارضين. وكانت النتيجة خسارة كبيرة للسلطة المارونية بمجرد انتهاء الحرب.

واليوم، يسود وضع أكثر تعقيدا مع المجتمع الشيعي، أو ذلك الجزء منه الذي يؤيد "حزب الله"، فالحزب مدجج بالسلاح لكن راعيه الخارجي (إيران) لا يحتل لبنان ماديا، لذا فليس هناك خيار يتضمن إجبار القوات الإيرانية على الانسحاب من أجل إضعاف "حزب الله". على العكس من ذلك، رسخ الإيرانيون مشروعهم الإقليمي على حطام الخلاف العربي في لبنان والعراق وسوريا واليمن، وليس عبر عمليات انتشار عسكرية مفتوحة.

ودفع هذا الكثير من الناس إلى التساؤل عما يمكن فعله لوضع حد لهيمنة "حزب الله" بدون بدء صراع أهلي من شأنه تدمير البلاد وعدم حل أي شيء على الأرجح. والجواب البسيط هو أنه لا يمكن فعل أي شيء في الوقت الحالي. ومع ذلك، لا يعني هذا أنه لا توجد طريقة لوضع قيود على الحزب.

وهنا قد يبني اللبنانيون المعارضون لـ"حزب الله" آمالهم على تدخل أجنبي أوسع بالرغم أنه المرض الرئيسي الذي ابتليت به بلادهم منذ الاستقلال. وإذا أصبح لبنان مرة أخرى ساحة مفتوحة للمنافسة الإقليمية والدولية، فقد يكون هناك مجال لوضع حدود لما تفعله طهران وحلفاؤها وتحويل البلاد إلى ورقة للتفاوض، على عكس ما تبقى من الدولة التابعة لإيران حصريا.

وأثار الانهيار الاقتصادي وانفجار ميناء بيروت المخاوف الخارجية وسمح للرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" بدخول المشهد اللبناني بحماسة. وبالرغم من تجاوز مبادرته لاحقا، فقد حولت فرنسا إلى لاعب معترف به في البلاد. وكان الفرنسيون محوريين في عملية تشكيل الحكومة، وسيأخذون زمام المبادرة بلا شك في أي جهد أوروبي لمساعدة لبنان على التعافي الاقتصادي.

كما فتحت أزمة الكهرباء الباب أمام مبادرة مصرية وأردنية أيضا، بدعم من الولايات المتحدة، لتزويد لبنان بالطاقة والتخفيف من وضعه الاقتصادي الكارثي.

وهناك اعتقاد سائد بين هذه الدول بأن "حزب الله" وإيران سيستفيدان من الانهيار الاجتماعي والاقتصادي الكامل وهو ما ظهر في استعداد اللبنانيين لقبول الوقود الإيراني الرخيص في الأشهر الأخيرة.

وبالمثل، فإن الجهود التي تبذلها بعض الدول العربية، مثل الإمارات ومصر والأردن، لبدء التطبيع مع نظام "الأسد" في سوريا، يُنظر إليها جزئيا على أنها وسيلة لدعم الدولة لموازنة النفوذ الإيراني. وإذا تمكن النظام السوري من إحياء نفوذه وشبكاته في لبنان، بدعم من روسيا، فقد يكون لذلك تداعيات واضحة على النفوذ الإيراني في لبنان.

وفي المقابل، لم يؤد قرار بعض دول الخليج مقاطعة لبنان إلى شيء. وكان القرار الأخير باستهداف البلاد في أعقاب تصريحات وزير الإعلام "جورج قرداحي" مثالا على ذلك. وأثار بيان وزير الخارجية السعودي "فيصل بن فرحان" في وقت سابق من هذا الأسبوع أسئلة أكثر من الإجابات، حيث قال إن الأمر متروك للطبقة السياسية لـ "تحرير لبنان من حزب الله وإيران". وفي غضون ذلك، لم ير السعوديون أي دافع للتواصل مع الحكومة اللبنانية "في الوقت الحالي".

ولا شك أن السعوديين ودول الخليج الأخرى سئموا من الطبقة السياسية في لبنان، بالنظر إلى أن العديد من السياسيين استغلوا سخاء السعودية والخليج مقابل عائد ضئيل. لكن كيف يقترح "فيصل بن فرحان" أن يحرر لبنان نفسه دون حرب؟

ولن يؤدي عزل لبنان إلا إلى تسهيل جهود "حزب الله" للهيمنة الكاملة على البلاد، فكيف يمكن اعتبار ذلك سياسة ناجحة؟ عادة، في السياسة يكافح المرء من أجل النفوذ، لا أن يسأم اللعبة سريعا ويرحل.

ولا ينبغي لأحد أن يتوقع نتائج سريعة من الدول الأجنبية التي تسعى إلى تحقيق مصالحها في لبنان. وسيقاتل "حزب الله" وإيران بكل قوته في كل شبر من البلاد. ويتجلى ذلك في جهود وزير الخارجية الإيراني الأخيرة لنسف خطة فرنسية لإعادة بناء ميناء بيروت من خلال عرض أن تفعل إيران الشيء نفسه وأكثر.

وسيتطلب التغيير الصبر من قبل الدول لاستخدام أدوات نفوذها، مع العلم أن التوقعات المبالغ بها ستفشل؛ فلن يحدث قضاء نهائي على نفوذ إيران في لبنان بالنظر إلى المجتمع الشيعي الكبير هناك. ومع مرور الوقت، قد يظهر إجماع إقليمي حول البلاد لتحقيق الاستقرار على غرار التفاهم السوري السعودي حول اتفاق الطائف. وقد يعاني اللبنانيون حتى الوصول إلى مثل هذه النتيجة.

وحتى يتوحد الشعب، سيبقى لبنان كرة تتنقل بين أقدام الآخرين. لذا، في الوقت الحالي، يفضل استغلال هذا الموقف لمنع الدولة من أن تكون مجرد أداة إيرانية، الأمر الذي سيجلب الدمار الشامل في حالة الحرب مع إسرائيل.

المصدر | ميخائيل يونج/مركز كارنيجي للشرق الأوسط - ترجمة وتحرير الخليج الجديد