الأربعاء 25 نوفمبر 2015 05:11 ص

إسقاط الطائرة الروسية من قبل تركيا ما هو إلا ثمرة من ثمار التدخل الأحمق في سوريا. لن تجد بريطانيا وقتا أسوأ من هذا لتدخل المعمعة.

كانت الحرب العالمية الأولى قد نشبت بسبب ما هو أقل من ذلك. الذي حدث اليوم هو أن طائرات تابعة لتركيا، وهي عضو في الناتو (حلف شمال الأطلسي)، قامت بإسقاط مقاتلة من طراز "سوخوي 24" تابعة لروسيا، وهي الدولة التي تملك 7.700 رؤوس نووية فوق الحدود التركية مع سوريا.

بالطبع يدور لغط بشأن الظروف التي أدت إلى إسقاط الطائرة، وبشأن الموقع الذي أسقطت فيه. يقول الأتراك إنها كانت تحلق في مجالهم الجوي، وأنهم حذروا الطيار الروسي عشر مرات خلال خمس دقائق، وأنهم أسقطوا الطائرة بموجب "قواعد الاشتباك" المعمول بها.

أما الروس فيقولون إن الطائرة كانت داخل المجال الجوي السوري، ووصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تدمير الطائرة بأنه "طعنة في الظهر من قبل من يتواطؤون مع الإرهاب"، قاصدا بذلك تركيا.

غني عن القول إن هذا التطور لم يكن مفاجئا. تخضع المنطقة الحدودية التي أسقطت فيها "السوخوي 24" ونزل فيها طياراها تحت سيطرة التركمان، الذين يقاتلون في سبيل الإطاحة ببشار الأسد المدعوم روسيا.

وكانت الحكومة التركية استدعت السفير الروسي أندريه كارلوف، الجمعة الماضي، للاحتجاج على القصف الروسي "المكثف" للقرى التركمانية المحاذية للحدود.

وأصدر رئيس الوزراء التركي، أحمد داود أوغلو، تصريحا مفصلا، حذر فيه من أن الاستمرار في قصف القرى التركمانية يمكن أن تكون له عواقب جسيمة.

وقال: "لا يمكن أن يشرعن أحد استهداف أشقائنا التركمان والعرب والأكراد هناك، من خلال الزعم بأنه إنما كان يحارب الإرهاب".

واضطر آلاف التركمان إلى الفرار من القصف، وكانت تركيا تضغط باتجاه عقد اجتماع لمجلس الأمن الدولي لحماية هذه الأقلية.

جنون التدخل

ما هذا سوى الفصل الأخير في الجنون المتمثل بالتدخل الخارجي في سوريا. يزداد عدد أعضاء نادي المتدخلين كل أسبوع.

في الأسبوع الماضي كانت فرنسا تسعى إلى الانتقام لهجمات باريس، وهذا الأسبوع قد يلغي البرلمان في بريطانيا اعتراضاته السابقة على مشاركة بريطانيا في حملة القصف الجوي على سوريا.

ما يجري في سوريا ما هو سوى جنون جماعي متعدد الأطراف. يقاتل الروس والإيرانيون وحزب الله ضد قوات المعارضة من أجل إنقاذ الأسد وتثبيت نظامه.

ويرحب المقاتلون الشيعة في العراق بحملة القصف الروسية وقد جرى قصفهم، كما يزعمون، من قبل الولايات المتحدة بالقرب من الرمادي.

في هذه الأثناء، تساهم الولايات المتحدة بتوفير غطاء جوي ووحدات قوات خاصة على الأرض لمساندة تقدم قوات البشمركة والمجموعات الكردية السورية، ولكنهم لا يتقدمون خطوة واحدة خارج المنطقة التي تخضع لهم.

وكان برنامج الولايات المتحدة المعروف باسم "درب وجهز" الذي كلف 500 مليون دولار أمريكي قد انهار بعد أن انتهى المطاف بالكثيرين من المقاتلين السوريين ضمن ما يعرف بالفيلق 30، بأن وقعوا في أسر جبهة النصرة، التنظيم السوري الذي ينتسب إلى القاعدة.

سحب الأردنيون دعمهم لألوية الجيش السوري الحر بما في ذلك مجموعة الجبهة الجنوبية، التي شنت سلسلة من الهجمات في شهر يونيو على مواقع الحكومة السورية في درعا.

وقال مركز العمليات العسكرية في عمّان إن الهجمات كانت فوضوية وغير فعالة، ولكنه قال إنه توصل إلى اتفاق مع الروس بعدم قصف الجبهة الجنوبية.

تحارب تركيا حزب العمال الكردستاني المتحالف مع حزب الاتحاد الديمقراطي في شمال سوريا، بينما تنضم إلى المملكة العربية السعودية في دعم جيش الفتح، الذي يشتمل ضمن بنيته القيادية على جبهة النصرة.

هل ثمة وقت أفضل من هذا حتى تنضم بريطانيا إلى المعمعة؟ في تحد صارخ لحقيقة الأوضاع على الأرض زعم دافيد كاميرون في باريس يوم الاثنين بأن "العالم يلتم شمله" في حربه ضد الدولة الإسلامية.

وأعرب عن قناعته الراسخة بأنه يتوجب على المملكة المتحدة أن تنضم إلى الهجمات الجوية في سوريا، وحتى قبل التصويت على ذلك في البرلمان، وكشف النقاب عن أن بريطانيا عرضت على فرنسا استخدام قاعدة سلاح الجو البريطاني الموجودة في أكروتيري داخل قبرص.

مثل بوتين، الذي لا يحيد أنملة عن دعم الدكتاتورية في الشرق الأوسط، حوّل فرانسوا هولاند فرنسا إلى عضو كامل وملتزم في سياسة التدخل التي يقوم عليها المحافظون الجدد، فهو يتكلم ويتصرف تماما مثلما كان يتكلم ويتصرف جورج دبليو بوش بعيد هجمات الحادي عشر من سبتمبر.

والحقيقة أن هولاند هو بوش الجديد، بل بلغ به الأمر أن يقيم نسخة فرنسية من القانون الأمريكي الذي سن بعد هجمات سبتمبر، وعرف بقانون باتريوت.

حتى قبل أن يكتمل تجميع الحقائق والأرقام المتعلقة بمن خططوا لهجمات باريس في 13 من نوفمبر، وقبل أن تعرف كافة التفاصيل، صرح رئيس وزراء فرنسا مانويل فال لوكالة فرانس إنتر: "يجب علينا القتال ضد الإسلاموية، التي هي باثولوجيا (مرضية) الإسلام".

بإمكان المقاتلين الفرنسيين البحث عن مجال واسع من الأهداف في سوريا، نظرا لأن الإسلاميين - السلفيين أو الإخوان المسلمين، يشكلون أكبر كتلة انتخابية في معظم البلدان العربية.

وبحسب نتائج استطلاع للرأي أجراه معهد واشنطن، يتمتع الإخوان المسلمون بدعم ما يقرب من 30 في المئة من الجمهور في كل واحدة من دول الخليج، التي تبذل بعضها قصارى جهدها لقمع الجماعة وإخمادها - الإمارات العربية المتحدة والكويت والمملكة العربية السعودية.

دورة جديدة من الجنون

بعد هجمات باريس تم التخلي تماما عن الذكرى المريرة لأربعة عشر عاما من الحروب الكارثية التي شنت في الشرق الأوسط: عدد القتلى، الإصابات التي أوقعتها هجمات النيتو الجوية في أوساط المدنيين، تفاقم الانفصام السني الشيعي، وتفتيت كل من العراق وسوريا وليبيا واليمن، التدخلات التي تمكن بوش وبلير من إنشائها ولكنهما لم يتمكنا أبدا من استكمالها، عدم القدرة على إقامة دولة جديدة فوق ركام الدولة التي سبقتها.

عندما أعلن بوش حربه على الإرهاب، كان عدد المسلحين الأجانب (ومعظمهم من العرب) الذين يقاتلون إلى جانب الطالبان في أفغانستان لا يزيد عن 800. وكان أحدهم أردنيا من الزرقاء اسمه أحمد فاضل الخلايلة، وكان لديه أتباع في معسكر في حيرات لا يتجاوز عددهم ثمانين شخصا. فيما بعد أصبح يعرف باسم "أبو مصعب الزرقاوي"، ومثله مثل الأمريكان قرر أن ينتقل بحربه إلى العراق.

في عام 2015، وبعد ثمانية أعوام على موته، بات يوجد ما بين 20 إلى 30 ألف مقاتل يتبعون مذهب الزرقاوي التكفيري في العراق وسوريا. وحدث ولا حرج عن الدائرة الأوسع لمن يواليهم ويناصرهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

يزعم ستانلي ماكريستال، الذي كان في يوم من الأيام نجم مكافحة التمرد في أفغانستان والذي ذاع صيته بسبب تفاخره بأن بإمكانه "تفكيك الديمقراطية من على مروحية تشينوك"، بأن تنظيم الدولة الإسلامية يحظى بجمهور على مواقع التواصل الاجتماعي يصل تعداده إلى 100 مليون شخص.

تكاد أصوات العقل تتلاشى بسبب ضجيج التنادي إلى الحرب، فقد تم تجاهل تقرير معقول وجيد الإعداد صادر عن لجنة الشؤون الخارجية يبين لماذا قصف سوريا يمكن أن يكون كارثيا. ممن المؤسف أن رئيس اللجنة كريسبن بلانت غير موقفه وانتقل إلى الطرف المقابل في الجدل الدائر حول هذا الأمر.

يوصي التقرير بأنه لا ينبغي أن يكون هناك إجراء عسكري بريطاني في سوريا ما لم تتوفر استراتيجية دولية محكمة لديها فرصة واقعية في إلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الإسلامية وفي إنهاء الحرب الأهلية التي تدور رحاها في سوريا. وجاء فيه النص على أنه "في غياب مثل هذه الاستراتيجية يظل اتخاذ إجراء بهدف تحقيق الرغبة في عمل شيء ما عملا غير محكم".

واعتبر التقرير أن التركيز على المشاركة في شن هجمات جوية على الدولة الإسلامية في سوريا ما هو إلا صرف عن المهمة الأكبر والأكثر أهمية، ألا وهي إيجاد حل للصراع في سوريا وبذلك إزالة واحد من أهم العوامل التي أدت إلى صعود وتمدد الدولة الإسلامية.

وجاء في التقرير: "لسنا مقتنعين بأن المحادثات التي تشارك فيها جميع الأطراف ستشكل حافزا للناس على الانضمام إلى الدولة الإسلامية أكثر من كونها حافزا يسمح باستمرار الفوضى والصراع". تبقى هذه الاستنتاجات صالحة بعد هجمات باريس كما كانت قبلها.

زعيم حزب العمال جيريمي كوربين، الذي يسخر منه وينتقص من قدره كل يوم، بات عرضة للامتهان - وحتى من بعض الناس داخل حزبه نفسه - وما ذلك إلا لأنه ينطق بما هو حق، وهو أنه لا ينبغي على بريطانيا أن "تجر إلى رد فعل يمكن أن يغذي دورة العنف والكراهية" بعد هجمات باريس. قال كوربين: "تثبت هجمات باريس المنكرة أن ثمة حاجة ماسة إلى جهد عاجل للتوصل إلى تسوية من خلال التفاوض لإنهاء الحرب الأهلية في سوريا وإنهاء التهديد الذي يشكله تنظيم الدولة الإسلامية. فلا ريب أن الصراع في سوريا وتداعيات الحرب على العراق هي التي أوجدت الظروف التي مكنت تنظيم الدولة الإسلامية من الترعرع والانتشار وتوسيع رقعة حكمه الإجرامي.

ولكن لا يستمع إليه أحد. يخبرنا التاريخ، والتاريخ الحديث بشكل خاص، بأن ردود فعل الغرب على الهجمات الإرهابية في نيويورك ومدريد والدار البيضاء ولندن والآن في باريس كانت باستمرار كارثية، لم ينجم عنها سوى نشر ألسنة اللهب، والتسبب في انهيار الدول، ودعم الطغاة الذين لا رسالة لهم في الحياة سوى الحفاظ على مراكزهم ومكتسباتهم، وسحق كل شكل من أشكال التعبير الديمقراطي، وشن الحرب على المعتدلين وعلى المتطرفين على حد سواء ودونما تمييز، وزيادة أعضاء نادي المعجبين بالدولة الإسلامية والمؤيدين لها.

والجديد في الأمر هو أننا على وشك أن نعود ونعيش دورة الأربعة عشر عاما الماضية ذاتها بأكملها - الغضب، الانتقام، الضربات الجوية الحمقاء، قتل المدنيين، وفي نهاية المطاف تكبد الهزيمة والانسحاب تارة أخرى. كان كوربين محقا بشأن العراق في عام 2003 وهو محق الآن بشأن سوريا.