حمَّل تقرير لجنة برلمانية إيطالية، أجهزة الأمن المصرية، مسؤولية خطف وتعذيب وقتل الطالب الإيطالي "جوليو ريجيني"، عام 2016 في القاهرة، وطالب بإحالة مصر للمحكمة الجنائية الدولية لخرقها اتفاقية مناهضة التعذيب.

وفي وقت تحدث تقرير آخر بشكل مباشر عن تورط "محمود" نجل الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" في هذه القضية الشائكة.

ونشرت صحيفة "لاريبوبليكا" الإيطالية، الأسبوع الماض، مقالا بعنوان: "اللجنة البرلمانية حول مقتل ريجيني: مصر مسؤولة عن مقتل ريجيني.. ويجب أن يُحاكم الجناة في لاهاي".

وقال التقرير إنه "بعد مرور 3 سنوات على بدء التحقيقات، تمت الموافقة بالإجماع على التقرير المتعلق بالتحقيق في مقتل ريجيني".

وحسب التقرير، فإن مسؤولية خطف وتعذيب وقتل "ريجيني" تقع على عاتق عناصر جهاز الأمن الوطني المصري، كاشفا أن عناصر الجهاز كذبوا على الدبلوماسيين الإيطاليين عندما كان "ريجيني" في حوزتهم بالفعل.

وناشد التقرير الحكومة الإيطالية بإصدار قانون يمنع عملاء الأمن الوطني في القاهرة من التهرب من العدالة.

ووفق الصحيفة الإيطالية، فإن التقرير يكشف أن مكتب المدعي العام في روما ليس وحده المقتنع بتورط جهاز الأمن المصري في اختطاف وتعذيب وقتل "ريجيني"، لافتا إلى أن "البرلمان الإيطالي ليس لديه أدنى شك في هذه الاتهام".

كما أنه حسب الصحيفة، فبالإضافة إلى المسؤولية عن قتل "ريجيني"، فإن الأجهزة المصرية لم ترغب أبداً في إنقاذه، وفي خلال 9 أيام من سجن وتعذيب الطالب الإيطالي، كذبت هذه الأجهزة على أجهزتنا الدبلوماسية والاستخباراتية، بل حتى على الأجهزة الدبلوماسية والاستخباراتية لدول أجنبية أخرى.

ولفتت الصحيفة غلى أن تقرير اللجنة البرلمانية اتهم الحكومات الإيطالية المتعاقبة في السنوات الأخيرة، بشكل ما بالتقصير في القيام بمسؤوليتها في هذه القضية.

واقترح التقرير، إحالة مصر إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي لخرقها اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب.

كما دعا التقرير إلى "إعداد تشريع إيطالي جديد للتغلب على المأزق الذي وضع عملية محاكمة الجناة في طريق مسدود، ويمكن أن يكون هذا التشريع في صورة قانون يمنع الدول الأجنبية من التهرب من المحاكمات بحجة عدم الإخطار بحضور الجلسة".

وذُكر في تقرير اللجنة البرلمانية أيضاً أنه "لا يساور اللجنة أدنى شك في أن المسؤولين عن اختطاف وتعذيب وقتل ريجيني هم في الحقيقة ممن يحيطون بالسيسي".

وجاء في التقرير أن "المسؤولين عن اغتيال ريجيني موجودون في القاهرة، وهم داخل الأجهزة الأمنية، وربما أيضاً داخل المؤسسات".

وحسب التقرير، يبدو أن هناك صراعاً خفياً بين مختلف الأجهزة المخابراتية في مصر، ومن الممكن أن جهاز الأمن الوطني قام بقتل "ريجيني" سعياً لاستعادة هيبته، وخصوصاً في ظل موقف وزير الداخلية آنذاك "مجدي عبدالغفار" (بنفي أي علم عن ريجيني والتصريح بأن هذه ليست أساليب الأجهزة الأمنية المصرية)، على الرغم من أنه اتضح بعد ذلك أن الوزير المصري كان متواجداً في مقر جهاز الأمن الوطني، وبالتحديد خلال الساعات الأولى التي تلت مقتل الطالب الإيطالي.

لكن في الحقيقة، يوجد في الوثائق المرفقة بالتقرير ما هو أكثر من ذلك، حسب وصف الصحيفة، التي قالت إنه في الواقع، هناك تقارير تشير إلى كيف أنه في الساعات التي أعقبت اختطاف "ريجيني"، توجه اهتمام الدبلوماسية إلى الأمن الوطني، لكن للأسف دون طائل.

وأضافت: "أول من تواصل مع الأمن الوطني المصري كانت الجامعة الأمريكية في القاهرة، والتي كان لجوليو ارتباطاً بها بطريقة ما (بخصوص بحثه)، وأن من قام بالتواصل مع الأمن الوطني والسؤال عن ريجيني كان ضابط أمن الجامعة الأمريكية اللواء محمد عبيد".

وبعد ساعات قليلة من اختفاء "ريجيني"، أخبر اللواء "عبيد" أصدقاء "ريجيني" أنه اتصل لتوه هاتفياً بجهاز الأمن الوطني لمعرفة مكانه.

واستنتج في رسالة أرسلها بالبريد الإلكتروني، قائلاً: "ربما تم القبض عليه في مكان ما.. سأبقيكم على اطلاع دائم بالأمر".

وبعد عدة ساعات، أورد اللواء "عبيد" هذا التحديث لما وصل إليه من معلومات بخصوص اختفاء "ريجيني": "تؤكد وزارة الداخلية أن جوليو ريجيني لم يُقبض عليه وأنه ليس محتجزاً في أي مركز شرطة".

"إنهم يكذبون، لأنه في تلك اللحظة كان جوليو ريجيني في حقيقة الأمر بين أيديهم".. هذا ما أكده أيضاً السفير الإيطالي حينها "ماوريتسيو مساري"، حين قال: "خلال تلك الساعات الثماني والأربعين الأولى، استبعدت مختلف الدوائر الأمنية المصرية توقيف ريجيني أو القبض عليه".

"وفي الوقت الذي تأكد كيف أن السلطات المصرية، وبالدرجة الأولى وزير الداخلية، كانوا على علم بالقضية، إلا أن الجميع أنكر معرفته بأي أنباء عن اختفاء مواطننا، وأكدوا أنه لم يتم توقيفه رسمياً من قبل السلطات المصرية"، بحسب السفير.

كما أدركت الأستاذة بجامعة كامبريدج "عبدالرحمن"، التي تابعت "ريجيني" في بحثه الأكاديمي، خطورة الموقف، حيث كانت دائماً متحفظة تجاه التعامل مع القضاء الإيطالي، بينما عرضت تعاونها على اللجنة البرلمانية.

في الحقيقة، كانت رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بها مثيرة للاهتمام، حسب وصف الصحيفة.

فبمجرد تلقيها نبأ اختفاء "ريجيني" في القاهرة، كتبت "عبدالرحمن" إلى زملائها تقول: "ريجيني يعمل على النقابات العمالية المستقلة في مصر، وهذا يجعلني أشعر بالقلق من احتمال تعرضه للاستجواب من قبل الشرطة".

ويزداد الوضع سوءاً في الساعات التالية لذلك، وهر ذلك عندما كتبت الأستاذة بجامعة كامبريدج لبعض الزملاء، تقول: "أنا قلقة للغاية وأشعر بمسؤولية كبيرة تجاهه، خاصة أنه ليس حالة رفيعة المستوى، وأخشى أن يتوقف التحقيق وتُغلق القضية".

وبالتزامن، نشرت صحيفة "لاريبوبليكا" الإيطالية مقالا تحت عنوان: "الصراع على السلطة بين السيسي ونجله وراء جدار الصمت في القاهرة"، قال: "لقد كان لمحمود، الابن الأكبر لرأس النظام المصري، دور ما في النهاية التي وصل إليها الباحث الإيطالي".

في إطار التقارير التي كانت الأجهزة الإيطالية تعدها باستمرار وتسلمها إلى الحكومات الإيطالية المتعاقبة، هناك شخصية هامة كان يتم تسليط الضوء عليها بين الحين والآخر بشكل مختلف، وهي شخصية "محمود" نجل "السيسي".

وتضيف الصحيفة: "لا يعني ذلك أن دوره لم يكن واضحاً. كقائد للعملاء السريين في مصر (من حيث منصبه في المخابرات العامة المصرية)، فمن المؤكد أنه لا يمكن أن يكون غائباً عن الملابسات التي أدت إلى مقتل ريجيني".

وتضيف الصحيفة: "لكن النقطة التي لم يتم التطرق إليها البتّة هي العلاقة بين محمود ووالده، فوفقاً لبعض الاستنتاجات التي تم التوصل إليها من الجانب الإيطالي، فإن المعركة، في الواقع، والتي دارت رحاها في قمة هرم السلطة بالقاهرة، كانت في هذه الحالة تحمل سمات الملحمة العائلية، حيث يقف الابن ضد الأب، أي نوع من الصراع الذي قد يصل إلى محاولة قتل الأب أو قتل الملك".

في الحقيقة، والحديث للصحيفة، فإن العملية التي نفذها الابن الأكبر لـ"السيسي"، قد تكون جرى التخطيط لها بالتعاون مع مخابرات غربية أخرى، والأخطر من ذلك بالطبع أن كل ذلك جرى دون إبلاغ الأب بذلك.

إن حقيقة أن "السيسي" الأب ظل في الظلام (من حيث عدم إحاطته بما جرى) قد خلقت توتراً كبيراً داخل القصر الرئاسي المصري، و"كان من الممكن أن يكون سبب التباطؤ والألعاب المزدوجة التي قامت بها القاهرة أمام الحكومات الإيطالية المتعاقبة بمرور الوقت"، وفق الصحيفة.

وتضيف "لاريبوبليكا": "كان السيسي الأب حريصاً قبل كل شيء على عدم إظهار ذلك أمام الرأي العام، وخاصة بين أركان نظامه، من أنه قد تم إبعاده عن مثل هذه المناورة الدقيقة، وكان عليه أن يُخفي أنه قد تم تجاهله لفترة طويلة من قِبل سلطته، وفي هذه الحالة من قِبل ابنه محمود، وإلا تم قراءة ذلك على أنه ضَعف من جانبه، وهو ما لا يريده".

ودللت الصحيفة على قولها بالقول: "ليس من قبيل الصدفة أن محمود السيسي نفسه قد تم تقليص دوره في ذلك الوقت، فيما يتعلق بقيادة جهاز المخابرات العامة، وكان الدافع الرسمي للقرار الذي تم اتخاذه في عام 2019، هو احتجاجات سبتمبر/أيلول من ذلك العام، والتي لم تتم السيطرة عليها بشكل جيد".

ونقلت الصحيفة عن تقرير صادر عن أجهزة المخابرات الإيطالية، قوله إن "هناك في الواقع صراع قوى داخل أسرة السيسي، إنها محاولة مفترضة من الابن الأكبر محمود للصعود على سلم السلطة في القاهرة".

ويضيف التقرير: "للأسف، كان ريجيني المسكين هو الضحية، وكذلك المطالبات الإيطالية بالحصول على تفسيرات، حيث كان الجانب المصري غير راغب في تقديمها، وعلى وجه التحديد حتى لا يخرج هذا الصراع الداخلي للعلن، لدرجة مقاطعة كل خطوة من خطوات التحقيق، حتى فيما يخص مجرد إعادة المتعلقات الشخصية لريجيني".

وكان "ريجيني"، طالب الدراسات العليا في جامعة كامبريدج البريطانية، متواجداُ في العاصمة المصرية في يناير/كانون الثاني 2016، في إطار إجراء بحث له عن النقابات المستقلة في مصر من أجل أطروحة الدكتوراه الخاصة به.

ولكنه عُثر على جثته بعد أسبوع تقريباً من اختفائه يوم 25 يناير/كانون الثاني، حيث أظهر تشريح الجثة أنه تعرض للتعذيب قبل وفاته.

والشهر الماضي، عقدت في العاصمة الإيطالية روما، جلسة محاكمة 4 ضباط كبار بأجهزة الأمن المصرية غيابيا؛ بتهمة قتل وتعذيب "ريجيني"، لكنها عُلّقت لأجل غير مسمى بعد أكثر من 7 ساعات من المداولات.

وأرجعت المحكمة قراراها إلى "خوفها من احتمالية عدم معرفة المشتبه بهم بأنهم متهمون، ما يجعل الإجراءات باطلة".

والمتهمون الأربعة بحسب المدعي العام الإيطالي هم: اللواء "صابر طارق" وهو ضابط في جهاز الأمن الوطني، والعقيد "آسر كامل محمد إبراهيم" وهو مدير التفتيش بمديرية أمن الوادي الجديد وعمل أيضاً بجهاز الأمن الوطني، والعقيد "حسام حلمي" وهو أيضاً عضو سابق بجهاز الأمن الوطني، والرائد "إبراهيم مجدي شريف" وهو ضابط في جهاز الأمن الوطني كذلك.

ودأب المسؤولون في مصر على نفي تورط المتهمين الأربعة في اختفاء وقتل "ريجيني".

وبحسب مصادر قضائية إيطالية لم تقدم السلطات المصرية عناوين المسؤولين الأربعة لتقوم المحكمة الإيطالية بإخطارهم بموعد المحاكمة.

المصدر | الخليج الجديد