الخميس 13 يناير 2022 01:03 ص

بدأ عدد متزايد من الدول العربية مؤخرًا في إحياء العلاقات مع النظام السوري بعد عقد من الصراع الأهلي والمحاولات الفاشلة للإطاحة بـ"بشار الأسد". ومع خروج دمشق ببطء من العزلة، تريد الأنظمة والجهات الفاعلة غير الديمقراطية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إبراز نجاح "الأسد" كدليل على أن القوة خيار صالح للغاية لقمع التهديدات.

وفي منطقة تعاني من الأزمات الاقتصادية والصراع الطائفي والأنظمة الاستبدادية والفساد العميق والحكم غير الفعال، تستخدم الأنظمة الحاكمة الحرب الأهلية السورية ليس كتحذير فقط ولكن كنموذج لمواجهة التمرد القادم حتما.

ومن بين جميع انتفاضات الربيع العربي التي بدأت في عام 2011، بدت سوريا الأكثر استعدادًا لتغيير الطريقة التي تحكم المنطقة بها نفسها. وبخلاف البلدان الأخرى التي شهدت احتجاجات كبيرة مناهضة للحكومة خلال ذلك الوقت (مثل مصر وتونس)، كانت سوريا الدولة الأمنية العربية التي تحكمها المخابرات. وكان يُنظر إلى دمشق على نطاق واسع على أنها "دليل على التحول" بعد عقود من إعادة التنظيم الداخلي واختبارات الولاء التي ابتكرتها عشيرة "الأسد" الحاكمة.

وهكذا بدت الحكومة السورية محصنة ضد الضغط الشعبي، ناهيك عن التمرد، لأنها تستطيع استخدام القوة كما تريد. ولو نجح الربيع العربي في قلب هذه المعادلة، لفقدت الدولة البوليسية مصداقيتها، وكذلك الاستبداد الإقليمي بشكل عام.

ومع ذلك، تحولت اضطرابات الربيع العربي في سوريا إلى سنوات من الصراع المسلح والحرب الأهلية. وعندما بدأت القوات الجوية الروسية والميليشيات المدعومة من إيران في تغيير الواقع العسكري لصالح "الأسد" بعد عام 2015، ظهر درس جديد وهو: "يمكن الفوز بمثل هذه الحرب الأهلية الوحشية، وبإمكان النهج المتشدد إزاء الاضطرابات أن ينتج نصرًا، وإن كان مكلفًا".

وتشير فاتورة إعادة الإعمار في سوريا التي لا تقل عن 500 مليار دولار (أكثر من 8 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي للبلاد قبل الحرب البالغ 60 مليار دولار في عام 2010) إلى أن النظام السوري سيحتاج إلى كميات هائلة من المساعدات لإعادة بناء الدولة الممزقة. لكن العقوبات الأمريكية والأوروبية بدت وكأنها ستعيق إعادة الإعمار إلى الأبد، تاركة نظام "الأسد" مع مشهد سوداوي، حيث تحصل المدن المتضررة على ساعات قليلة فقط من الكهرباء في اليوم، وحتى أنصار النظام يسعون للحصول على الوقود والأدوية بصعوبة.

ومع ذلك، حتى هذا الافتراض يبدو الآن موضع شك، حيث بدأت كل من الإمارات والأردن ومصر والبحرين تطبيع العلاقات مع سوريا بشكل نشط في الأسابيع الأخيرة، بالرغم من قانون "قيصر" الذي يفرض عقوبات على الدول والجهات التي تتعاون مع نظام "الأسد".

وأخذ الإماراتيون زمام المبادرة في هذه الحملة، حيث تعهدوا ببناء محطة للطاقة الشمسية في سوريا بعد وقت قصير من إرسال وزير خارجيتهم إلى دمشق في 9 نوفمبر/تشرين الثاني. كما أعاد الأردن فتح حدوده مع سوريا في سبتمبر/أيلول، بينما أعادت البحرين تعيين سفيرها في دمشق في ديسمبر/كانون الأول. في غضون ذلك، كانت مصر تضغط بنشاط من أجل عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية بعد تعليق عضويتها عام 2011.

وتعتبر كل هذه الدول حلفاء للولايات المتحدة وعادة ما تكون هذه الدول حذرة من إثارة غضب واشنطن وعقوباتها. لكن يبدو أنهم قد اقتنعوا أن الولايات المتحدة لا تريد إحداث خلاف مع شركائها الإقليميين بشأن سوريا، وهي دولة لا تهتم واشنطن بتحسين الحوكمة الكلية بها وتركز بدلاً من ذلك في المقام الأول على التهديدات الأمنية في الشمال الشرقي.

وقد صمدت هذه الحسابات حتى الآن، حيث لم تشر الولايات المتحدة بعد إلى أي نية لفرض عقوبات رداً على تواصل الإمارات والأردن ومصر والبحرين مع دمشق. في الواقع، يبدو أنه حتى واشنطن تجد استثناءات في استراتيجيتها لعزل سوريا، حيث تسعى الولايات المتحدة الآن إلى إعادة تشغيل خط الغاز العربي الذي تم إغلاقه منذ فترة طويلة والذي يمتد من مدينة العريش المصرية إلى مدينة حمص السورية.

في حين قد يستغرق الأمر بعض الوقت قبل أن تسقط الولايات المتحدة علانية اعتراضاتها على عودة سوريا الكاملة إلى الاقتصاد العالمي والفضاء الدبلوماسي، فإن المسار واضح بما فيه الكفاية. وفي المستقبل، قد تضعف العقوبات الأمريكية بما يكفي للسماح بتدفق كميات من المساعدات واستثمارات إعادة الإعمار وقد يؤدي ذلك مع الوقت إلى تطورات أكبر.

ولا يعد النموذج السوري هو المرة الأولى التي تكافأ فيها القوة في المنطقة لكنه واحد من أكثر الأمثلة التي تضيف إلى الاتجاه الذي سيظل فيه الحكم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بحد السيف. وبالنسبة للقادة في المنطقة، فإن نجاح "الأسد" في الاحتفاظ بالسلطة خلال العقد الماضي يضع أيضًا نموذجًا لكيفية النجاة حتى في أسوأ سيناريو لانتفاضة شعبية شاملة.

ومن المرجح أن ترى كل من الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية شيئًا في المثال السوري قد يكون مفيدًا لهم في المستقبل.

على سبيل المثال، امتنع "حزب الله" في لبنان عن استخدام قوته الكبيرة لإعادة تشكيل السياسة لصالحه، خشية العودة إلى الحرب الأهلية. ولكن مع ظهور الصراع السوري ليس كتحذير ولكن كنموذج محتمل، قد يعتبر "حزب الله" استخدام القوة مقامرة جديرة بالاهتمام لتأمين قوته المحلية وشرعيته وسط الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المستمرة في لبنان.

ومن المرجح أن يتجلى ذلك في مزيد من العنف المعلن ضد المتظاهرين والناشطين اللبنانيين وحتى المؤسسات الحكومية. وقد يخطئ "حزب الله" في التقدير أو يقتل الشخص الخطأ أو يمارس العنف في العلن بطريقة تؤدي إلى إعادة إشعال صراع طائفي مخيف.

وفي العراق، ستتشجع الميليشيات المدعومة من إيران للتمسك بالتكتيكات العنيفة التي استخدموها بالفعل لفض الاحتجاجات الموجهة ضدهم. وقد تميل هذه الميليشيات خلال الأزمات الأمنية أو السياسية المستقبلية، إلى العودة إلى التطهير العرقي الذي شوهد آخر مرة في العراق خلال ذروة الصراع الطائفي في العراق في 2006-2007، بعد رؤية النجاح الذي حققه "الأسد" في استخدام مثل هذه التكتيكات للحفاظ على سيطرته في سوريا.

وتواجه إيران نفسها أيضًا اضطرابات متكررة، غالبًا من الأقلية العربية ولكن أحيانًا من أطياف واسعة من سكان إيران أيضًا. وقد شهدت البلاد بعض أكبر الاحتجاجات على مستوى البلاد في 2019-2020. وعادة ما تستخدم إيران القوة لقمع هذه الانتفاضات. ولكن مع أخذ المثال السوري في الاعتبار، قد تكون طهران على استعداد للجوء إلى المزيد من تكتيكات الأرض المحروقة، خاصة ضد سكانها العرب، لقمع التحديات التي تواجه حكمها بحزم.

بالإضافة إلى ذلك، ستثبت الحرب الأهلية في سوريا صحة السياسة الخارجية الإيرانية المتشددة، وتنذر بمزيد من التدخلات العسكرية في الخارج لصالح حلفاء طهران الأيديولوجيين.

لكن حتى حلفاء الولايات المتحدة مثل مصر والسعودية سيرون دروسًا تستحق من سوريا. على سبيل المثال، تظل هناك فجوة هائلة بين قيم الولايات المتحدة وسياساتها بالرغم من التعهدات المتكررة من قبل الرؤساء والقوانين المختلفة المصممة لتغيير ذلك.

وطالما أن هذه الدول ذات قيمة استراتيجية للولايات المتحدة، يمكن أيضًا أن تطمئن إلى أن واشنطن ستتخذ إجراءات محدودة، وربما غير فعالة، ضدهم إذا انخرطوا في قمع واسع النطاق للمعارضة الشعبية. ويمكن أن يؤدي ذلك إلى نهاية حالة عدم اليقين التي أعقبت الحرب الباردة والتي نجمت عن تأكيد الولايات المتحدة على التزام الحلفاء بمعايير حقوق الإنسان الخاصة بها، مما يمكّن الدول من العودة إلى التكتيكات القمعية دون تعريض علاقاتها مع واشنطن للخطر.

وإذا تم فرض عقوبات على حلفاء الولايات المتحدة بسبب مثل هذا السلوك المحلي، فسوف ينظرون أيضًا إلى سوريا كدليل على أنه إذا كان بإمكانهم امتصاص الضربة الأولى، فإن تطبيق هذه العقوبات سيتلاشى في النهاية.

ويظهر النموذج السوري أن الاستبداد قد خرج منتصرا في الشرق الأوسط. وينذر التطبيع البطيء في سوريا بالعودة إلى أنماط الحكم القديمة واستمرار دورة الحرب نتيجة عدم معالجة الأسباب الأساسية للصراع في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

المصدر |  ستراتفور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد