الجمعة 14 يناير 2022 01:28 ص

بعد ثلاثة أشهر من الانتخابات التشريعية، التي جرت في 10 أكتوبر/تشرين الأول، يبدو التوتر السياسي في العراق على أشده، لدرجة أن الجلسة الافتتاحية للبرلمان في 9 يناير/كانون الثاني، شهدت عراكا بالأيدي بين النواب.

حتى أن "محمود المشهداني"، الذي ترأس الجلسة بصفته أكبر الأعضاء سنا، تم إخلاؤه بسبب المشاحنات التي سببتها النقاشات، حول تشكيل ائتلاف برلماني.

وهي قضية سياسية رئيسية، فهذا الائتلاف سيختار رئيس الوزراء المقبل وأعضاء الحكومة، والمشكلة أن معسكرين شيعيين متعارضين يطالبان بالأغلبية البرلمانية.

فمن جانب نجد الإطار التنسيقي، الذي يجمع العديد من الأحزاب، بما في ذلك حزب رئيس الوزراء السابق "نوري المالكي"، وحزب تحالف الفتح الموالي لإيران، وهو الجبهة السياسية لجماعات الحشد الشعبي شبه العسكرية، والذي تعرض لهزيمة ثقيلة في الانتخابات النيابية قبل الطعن في النتائج في الشارع وفي القضاء.

وعلى الضفة الأخرى، يقف الزعيم الوطني الشيعي "مقتدى الصدر"، الذي فاز بـ73 مقعدا من أصل 329 في الانتخابات التشريعية، وينوي تشكيل ائتلاف مع حلفاء من الطوائف الدينية الأخرى، وتحديدا مع نواب الكتلتين السنيتين الرئيسيتين، "عزم" و"تقدم"، وممثلي الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتزعمه الرئيس السابق لإقليم كردستان العراق "مسعود بارزاني".

وعلى الرغم من الفوضى التي سادت جلسة مجلس النواب، انتصر "مقتدى الصدر"، الذي يتزعم أيضا ميليشيا مسلحة، في الجولة الأولى من المعركة بينه وبين منافسيه الشيعة.

لقد نجح بالفعل في إعادة انتخاب رئيس مجلس النواب المنتهية ولايته "محمد الحلبوسي" لمنصبه.

ويبدو أن التيار الصدري وحلفاءه مصممون على الذهاب إلى النهاية في هذه العملية، أي أن يفرضوا مرشحهم لمنصب رئيس الوزراء، وأن يشكلوا بمفردهم "حكومة أغلبية".

وسيجد اللاعبون الآخرون أنفسهم مستبعدين بحكم الأمر الواقع من العملية، كما يشرح "عادل باخوان"، مدير المركز الفرنسي لأبحاث العراق ومؤلف كتاب "العراق.. قرن من الإفلاس.. من عام 1921 إلى يومنا هذا".

"إنها قطيعة مع نظام السلطة لأنه حتى الآن، فإن الصيغة التي حكمت البلاد بين عامي 2003 و2021 أشركت جميع القوى السياسية، كل على مستواه، في عملية تشكيل الحكومات العراقية، والتي كانت في نهاية المطاف ثمرة إجماع وطني" كما يقول.

ويضيف: "ومع ذلك، في بلاد ليست لديها تقليد ديمقراطي، فإن المغامرة التي يخوضها مقتدى الصدر كبيرة، لأن القوى التي يسعى إلى استبعادها لا تقتصر على أحزاب سياسية كلاسيكية، فلديها كلها تقريبا ميليشيا أو منظمة شبه عسكرية".

يتابع الباحث الفرنسي العراقي: "منذ عام 2003، تصرفت جميع القوى السياسية كجهات فاعلة في الحكومة والمعارضة بين فترة وأخرى، وتشارك جميع الاتجاهات السياسية في الحكومة الحالية برئاسة مصطفى الكاظمي، إذ نجد ممثلين لتيار مقتدى الصدر، وللحركات الشيعية الموالية لإيران، ومع ذلك يتم الدوس على سلطته كل يوم من قبل المليشيات، حتى وهي تشارك في الحكومة. فإذا وجدت نفسها غدا مستبعدة من السلطة ومهمشة، كيف برأيك سيكون رد فعلها؟".

ويبدو أن موازين القوى حاليا يمثل مواجهة متكافئة إلى حد كبير، فكل معسكر لديه قدرة أذى ولا أحد مستعد لقبول الهزيمة.

ويلخص "باخوان" الوضع بالقول: "لهذا السبب تجد البلاد نفسها أمام طريق مسدود بينما البيت الشيعي منقسم إيديولوجيا.

في هذا السياق، إذا قرر "مقتدى الصدر" وحلفاؤه السنة والأكراد المضي في نهجهم حتى النهاية بينما تجتمع التوترات السياسية الموضوعية للدفع بالبلاد نحو الحرب الأهلية، فإن حل الخلافات سيتم بالأسلحة والطائرات المسيرة.

ويذكّر الباحث بأن العراق يضم نحو ثمانين ميليشيا "تملك الأسلحة الثقيلة" تعترف بها سلطات البلاد التي خصصت لها ميزانية تبلغ 2.6 مليار دولار.

وعدد من هذه الميليشيات مدعوم من قوى خارجية، بما فيها إيران.

ويسير "باخوان" إلى أن "هناك سيناريوهان آخران، الأول يتمثل في بقاء البلاد في حالة انسداد سياسي دون تشكيل حكومة، لأنه على الرغم من خلافاتهم فإن الإيرانيين والأمريكيين، الذين يتمتعون بتأثير كبير في العراق، لا يرغبون في ترك البلاد تدخل حربا أهلية، سيخسر فيها الجميع إذ إن لهم مصالح اقتصادية كبيرة فيها".

ويتابع: "الاحتمال الآخر يتمثل في الرغبة في الخروج من الحرب الانسداد السياسي وتجنب الحرب الأهلية. ويتطلب هذا وعيا من قبل اللاعبين السياسيين والنخب العراقية بأن الصيغة التي بني عليها العراق منذ عام 2003 لم تعد مناسبة، فهي لا تستجيب لمتطلبات المجتمع المقسّم. يجب بالتالي البحث عن صيغة جديدة قبل تشكيل الحكومة الجديدة".

رؤية لا تبدو على جدول أي من القوى المتنازعة على السلطة، على الرغم من مرحلة ما بعد الانتخابات التي تميزت بأحداث عنف بلغت ذروتها في 7 نوفمبر/تشرين الثاني، مع محاولة اغتيال بالطائرات المسيرة المفخخة استهدفت رئيس الوزراء "مصطفى الكاظمي"، والتي لم يتبناها أحد.

المصدر | فرانس برس