الأحد 16 يناير 2022 10:32 ص

"الأحدث في سلسلة من الخطوات الصغيرة التي تُظهر اهتمام الاتحاد الأوروبي بزيادة التعاون الثنائي مع عُمان".>

بهذه الكلمات وصفت الباحثة بمعهد دول الخليج العربية في واشنطن "جوليا داجا" اتفاقية النقل الجوي الشاملة، التي تم توقيعها في الأول من ديسمبر/كانون الأول 2021 بين الاتحاد الأوروبي وسلطنة عمان، معتبرة إياها تمهيدا "للانفتاح التدريجي للسوق وتوسيع الشبكات بين الخطوط الجوية الأوروبية والعمانية".

وذكرت "جوليا"، في تحليل نشرته بموقع المعهد الرسمي، أن الاتفاقية تعد جزءا من استراتيجية الطيران الأوسع للاتحاد الأوروبي، وتتناسب مع تركيز السياسة الخارجية لسلطان عمان "هيثم بن طارق آل سعيد" على الدبلوماسية الاقتصادية، الموجهة نحو ترجمة استراتيجية عمان "الصديقة للجميع" إلى فرص تجارية.

كما تتماشى الاتفاقية مع اهتمام الاتحاد الأوروبي المتزايد بتعزيز العلاقات الثنائية والتجارة مع دول الخليج منفردة، بعد فشل مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة.

وتشير "جوليا" إلى أن كلا من الاتحاد الأوروبي وسلطنة عمان يشتركان في تكامل الوسائل والأهداف في المنطقة، خاصة في اليمن، وهو ما يمكن ترجمته إلى شراكة أقوى.

لكن الباحثة أشارت إلى أن اهتمام الاتحاد الأوروبي بتوسيع الحوار مع عمان حديث للغاية، وأن الخطوات الملموسة نحو بناء الثقة المتبادلة، من خلال روابط سياسية واقتصادية أقوى، لا تزال وليدة.

ففي عام 2018، وقع الاتحاد الأوروبي وسلطنة عمان أول اتفاق تعاون بينهما، والذي وضع الأساس لحوار سياسي منتظم بين دائرة العمل الخارجي للاتحاد الأوروبي ووزارة الخارجية العمانية.

كما عزز الاتحاد والسلطنة مؤخرًا تعاونهما "غير الرسمي" في مجال الأمن البحري، للمساعدة في توفير الاستقرار لإمدادات النفط التي تمر عبر مضيق هرمز ومكافحة القرصنة والتهريب والجريمة المنظمة، وذلك عبر تبادل المعلومات.

ونقلت "جوليا" عن دبلوماسيين كبار من 7 دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، قابلتهم بعُمان في ربيع عام 2021، أن الطابع غير الرسمي للعلاقات غالبًا ما جعل العمانيين يشعرون بأن الاتحاد الأوروبي "يتجاهلهم".

وعزز من هذا التصور العماني عدم وجود وفد من الاتحاد الأوروبي بالسلطنة، خلافا للوضع بالسعودية والإمارات، فضلا عن إشارات رمزية أخرى، مثل غياب ممثلي الاتحاد الأوروبي عن جنازة سلطان عمان الراحل "قابوس بن سعيد" في يناير/كانون الثاني 2020.

كما أن عملية صنع القرار المعقدة داخل الاتحاد الأوروبي تجعل من الصعب على عُمان فهم ما يمكن أن يعد به الاتحاد ويقدمه، خاصة في ظل الاختلافات الواضحة بين الاتحاد والدول الأعضاء فيه حول منهج التعامل مع دول الخليج، حسبما نقلت "جوليا" عن مسؤول عماني كبير.

ورغم ذلك، تشير الباحثة إلى أن الاتحاد الأوروبي وسلطنة عمان يتشاركان وجهة نظر مماثلة بشأن الحاجة إلى وقف تصعيد التوترات الخليجية والأمريكية مع إيران، والعمل على إحلال السلام في اليمن.

 ويتمتع كل من الاتحاد والسلطنة بقناة اتصال تفضيلية مع إيران، لا تمتلكها الجهات الفاعلة الأخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة.

وفي هذا الإطار، طور الاتحاد الأوروبي الأدوات والخبرات لدعم المفاوضات المحلية والعمل على معالجة المظالم طويلة الأمد لليمنيين، وهو ما سبق أن نصح به عديد الخبراء بالشأن اليمني، ومنهم "هيلين لاكنر"، التي أكدت أنه لكي يصبح الاتحاد الأوروبي أكثر فاعلية في جهوده الإنسانية، فإنه يحتاج إلى زيادة وجوده في الخليج والمشاركة مع الجهات اليمنية الرئيسية.

وتتميز عُمان بأنها قادرة على استضافة الجهات الفاعلة الرئيسية في اليمن والتحدث إليها مباشرة، فضلا عن الوساطة بين الحوثيين والتحالف العسكري الذي تقوده السعودية.

وتنقل "جوليا"، في هذا الصدد عن 3 باحثين عمانيين من جامعة السلطان قابوس، ومسؤول عماني رفيع، وعدد من كبار الدبلوماسيين الأوروبيين في مسقط؛ بأن عمان ستستفيد من زيادة التعاون مع الاتحاد الأوروبي بشأن اليمن، مشيرين إلى أن التطورات الأخيرة في اليمن يمكن أن تمهد الطريق لتعاون أعمق بين الجانبين.

ويعزز من إمكانية هذا التعاون عمليات إعادة الانتشار العسكرية للتحالف الذي تقوده السعودية، والتي شملت انسحابات من منطقة المهرة في خريف عام 2021، ما أدى إلى تقليل التوترات بين الرياض ومسقط وزيادة المساحة لدور عماني أقوى.

وتتمتع محافظة المهرة اليمنية، المجاورة لعمان، بأهمية تاريخية بالنسبة للسلطنة، التي عملت على تجنب أي امتداد للصراع إليها من خلال الاهتمام بتنميتها المحلية، خاصة منذ الانتفاضة الشعبية في اليمن عام 2011.

وأثار التدخل العسكري السعودي في المهرة التوترات بين السعودية وعمان وقلل من نفوذ السلطنة في الشأن اليمن، ولذا فإن عمليات إعادة الانتشار السعودية تمهد الطريق نحو إعادة تفعيل الانخراط العماني بمسيرة السلام اليمنية.

وعلى مستوى العلاقات الثنائية، فإن سلطنة عمان لديها الكثير لتكسبه من علاقات أعمق مع الاتحاد الأوروبي، لا سيما بالنظر إلى التحديات التي تواجه التحول الاقتصادي للبلاد.

في المقابل، يمكن للاتحاد الأوروبي الاستفادة من القيام بدور أكثر نشاطًا في رؤية عمان 2040 ومبادرات التنمية الاقتصادية بالسلطنة، من خلال تقديم خبراته في برامج التدريب ومشاريع بناء القدرات، حسبما نقلت "جوليا" عن دبلوماسي أوروبي كبير في مسقط.

وتعمل عمان على جذب الشركات الأوروبية، لا سيما في مجال الخدمات اللوجستية وإدارة الموانئ ، استنادا إلى سمعتها باعتبارها "دولة مستقرة اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا".

لكن هذا التوصيف شهد تحديا في ربيع عام 2021؛ عندما شهدت عُمان أول احتجاجات عامة منذ عام 2011، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى زيادة بطالة الشباب وتدهور الأوضاع الاقتصادية، التي تفاقمت بسبب جائحة كورونا وانخفاض أسعار النفط، حسب تقدير "جوليا".

ومع ارتفاع أسعار النفط وتنفيذ مجموعة أولية من الإصلاحات الاقتصادية في عهد السلطان "هيثم"، رفعت وكالة "ستاندرد آند بورز" التصنيف الائتماني لعمان في أكتوبر/تشرين الأول 2021، وتبعتها وكالة "فيتش" في ديسمبر/كانون الأول 2021.

وساهمت هذه التطورات في تخفيف نسبي من الظروف الاقتصادية التي أدت إلى الاحتجاجات الاجتماعية في عمان.

وأكدت الباحثة الإيطالية المتخصصة في شؤون الخليج بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية "سينزيا بيانكو"، في أكتوبر/تشرين الأول 2020، أن قدرة الاتحاد الأوروبي على تعزيز مصالحه الأمنية والسياسية في المنطقة ستتعزز إذا ساعد سلطنة عمان في الحفاظ على مواقفها السياسية المستقلة ومرونتها الاقتصادية.

وفي عام 2019، أكد رئيس لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان الأوروبي "ديفيد مكاليستر" على أهمية عُمان ليس فقط كشريك اقتصادي و"سياسي"، مشددا على أن "سلوك عمان مكمل للجهود الدبلوماسية للاتحاد الأوروبي" في المنطقة.

وقد أشارت الخطوات الخجولة، التي تم اتخاذها منذ عام 2018، إلى فهم أكبر للحاجة إلى تطوير تعاون أوروبي أقوى مع عمان، بما يتماشى مع زيادة تركيز مفوضية الاتحاد على نهج "الثنائية واللامركزية" تجاه دول مجلس التعاون الخليجي.

وتعتبر اتفاقية النقل الجوي الشاملة خطوة مهمة في هذا التطوير، لا سيما بالنظر إلى الأهمية المنسوبة إليها في وسائل الإعلام الرسمية بسلطنة عمان، حسبما رصدت "جوليا"، التي نقلت عن دبلوماسيين أوروبيين كبار أن الخطوة القادمة في هذا المسار ستكون افتتاح "بعثة (دبلوماسية) للاتحاد الأوروبي في مسقط".

وأكدت الباحثة أن الاتحاد الأوروبي سيتسفيد من تنفيذ استراتيجية اتصال متماسكة، يمكن تعزيزها من خلال إنشاء وجود دائم للاتحاد في مسقط.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات