الأربعاء 19 يناير 2022 09:56 ص

أثارت مهاجمة جماعة الحوثيين اليمنية أهدافاً مدنية في الإمارات تساؤلات كثيرة بشأن التصعيد في حرب اليمن، خاصة مع تهديدات الحوثيين المستمرة بمزيد من الهجمات في العمق الإماراتي.

وعزز من هذه التساؤلات افتقاد أبوظبي الواضح لـ"قدرة" الصد الدفاعي الجوي لردع الهجمات الحوثية، رغم امتلاكها منظومات صاروخية متطورة، روسية وأمريكية.

توقيت الهجوم أيضا قد يعد مؤشرا ذا دلالة خاصة، فرغم أن الحوثيين نجحوا في إجراء تجربة صاروخية تصل إلى العاصمة الإماراتية أبوظبي، إلا أنهم لم يطلقوا أي صاروخ منذ منتصف عام 2019 باتجاه الإمارات.

وجاء الهجوم الحوثي في وقت تشهد فيه العلاقات الإماراتية الإيرانية هدوءا مستقرا، خاصة بعد إعلان أبوظبي الانسحاب من حرب اليمن بعد استهداف الحوثيين لعمق المملكة العربية السعودية (حليفة الإمارات) وتدميرها منشآت لشركة النفط العملاقة (أرامكو).

ويربط مراقبو ونشطاء الشأن اليمني بين توقيت الهجوم الحوثي وبين تطورات الوضع الميداني في الحرب المستمرة بالبلاد، خاصة بعد تمكن "ألوية العمالقة"، المدعومة إماراتيا، من تحرير كامل مديريات محافظة شبوة.

فالإمارات عادت للمشاركة في حرب اليمن بعد مرور أكثر من عام على إعلان انسحابها، عبر تدريب قوات العمالقة، وهي قوة عسكرية تنتمي إلى جنوب اليمن، مكنت القوات اليمنيةَ من استعادة السيطرة على محافظة شبوة النفطية، وحققت تقدما في مأرب على حساب الحوثيين.

وخسارة الحوثيين لشبوة كلفهم ورقة رابحة مهمة، فالمحافظة من المدن الرئيسية الرافدة لاقتصاد اليمن بحوالي 25% من الموازنة العامة، حيث تنتج ما يقارب 50 ألف برميل من النفط يومياً، ويمثل حقل العقلة بالمحافظة ثاني أكبر حقول النفط بالبلاد، إضافة إلى امتلاكها منفذا بحرياً يمتد لأكثر من 300 كيلومتر.

أما محافظة مأرب، التي حققت فيها "ألوية العمالة" انتصارات مهمة على الحوثيين، مؤخرا، فتكتسب أهمية اقتصادية واستراتيجية بين المدن اليمنية، لكونها تزخر بالثروات المعدنية، مثل البترول والغاز والفضة والملح الصخري والجرانيت والإسكوريا والجبس والرخام.

وفي السياق، اعتبر "لطفي شطارة"، القيادي بالمجلس الانتقالي الجنوبي (يتبنى الانفصال عن اليمن - مدعوم إماراتيا) أن الحوثيين أصيبوا بـ"هيستيريا جراء الهزائم التي تلقوها في شبوة ما دفعهم للقيام بالعمل الإرهابي"، وفقا لما كتبه عبر "تويتر".

الدافع ذاته أشار إليه الباحث السياسي العراقي "نظير الكندراوي" في حديث لقناة "بلقيس" اليمنية، مساء أمس الثلاثاء، قائلا إن "استهداف مطار أبوظبي هو ردة فعل كانت متوقّعة من قِبل الحوثيين، كما أن قادة الحوثيين لمّحوا كثيراً باستهداف الإمارات".

ويرى "الكندراوي" أن الحوثيين "أرادوا إيصال رسالة سياسية وعسكرية مفادها أن استمرار الدعم العسكري الإماراتي ضد الحوثيين سيؤدي إلى ضربات حوثية على الإمارات".

لكن هذه الرسالة لا تتعلق بوضع الحوثيين الميداني بقدر ما تتعلق بحسابات إيران الإقليمية في ضوء دعم الإمارات لكتائب مناهضة لوكلاء طهران في المنطقة، ما يعني أن الهجوم على أبوظبي يعكس حقيقة مفادها أن التفاهمات الأخيرة بين إيران والإمارات مازالت هشة ولا يترتب عليها حصانة للأخيرة.

من هنا يشكك "الكندراوي" في قدرة الحوثيين على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة على الإمارات "كون المسافة بعيدة، كما أن الصواريخ والطائرات المسيّرة لا بُد أن تمر فوق الأراضي السعودية"، لافتا إلى أن "الحوثيين تبنّوا سابقا ضرب شركة أرامكو، ولكن تبين لاحقا أن الضربة توجّهت من جنوب العراق، وقامت بها ميليشيات عراقية".

ويرجح الباحث العراقي أن تبنّي الحوثيين لضربات ينفذها غيرهم، عائد إلى "علاقة التبعيّة" التي تربطهم بإيران، حيث تتحكم طهران بوكلائها الإقليميين كيفما شاءت.

ومن هذا المنطلق، يذهب "الكندراوي" إلى أن "ما حدث هو محاولة إيرانية للضغط على الإمارات من أجل تقليل دعمها للقوات العسكرية في اليمن، ولتقوية أوراقها التفاوضية مع السعودية".

وفي الإطار ذاته، يرى المحلل الجيوسياسي "مايكل هورويتز" أن الهجوم الحوثي على أبوظبي جاء ردا على استجابة الإمارات لضغوط أمريكية سعودية لفرض العقوبات على إيران تزامنا مع استمرار المحادثات النووية في فيينا، وفقا لما أوردته قناة "الجزيرة".

غير أن هذه القراءة تقابلها أخرى ترى أن الهجوم الحوثي الأخير على أبوظبي يؤشر إلى وجود قدر من الاستقلالية التي يتمتع بها الحوثيون في انتقاء أهدافهم، بناءً على سير معاركهم.

وترجح هذه القراءة أن يكون تبني الحوثيين للهجوم على أبوظبي صحيحا، وهو ما أوردته صحيفة "وول ستريت جورنال" على لسان مسؤول أمريكي (لم تسمه)، حيث قال إن "إيران غير مشتبه بها في الهجوم على أبوظبي"، مؤكدا أن "الحوثيين يعملون بمفردهم"، حسب تعبيره.

وعن تداعيات الهجوم الحوثي الأخير على أبوظبي ،يرى "أندرياس كريج"، المحاضر البارز في كلية الدراسات الأمنية في كينجز كوليدج لندن، أن قيادة الإمارات استفاقت الآن من لعبة القوة الإقليمية العظمى إلى إدراك أنهم "بعد كل شيء دولة صغيرة بها الكثير من نقاط الضعف".

وأشار "كريج" إلى أن نجاح استهداف مطار أبوظبي وخزانات الوقود يمثل أكبر ضرر يلحق بسمعة الإمارات، التي تعتمد في تسويق نفسها على صورتها كـ"دولة آمنة ومأمونة للقيام بأعمال تجارية".

وهنا وجد الحوثيون ضالتهم، المتمثلة في أن "الاقتصاد الإماراتي يعتبر من الاقتصادات السائلة التي تعتمد على السياحة والتجارة، بالإضافة إلى النفط. وبالتالي لا يحتمل مثل هكذا أعمال عسكرية"، وفقا لما نقله موقع إذاعة صوت ألمانيا (DW) عن الخبير والمحلل الاستراتيجي الأردني، اللواء "فايز الدويري".

ويتوقع "هورويتز" أن يدفع إعلان الحوثيين تبنيهم للهجوم على أبوظبي، بعد أسبوعين فقط من احتجازهم لسفينة ترفع علم الإمارات قبالة الساحل اليمني، قادة الدولة الخليجية إلى التراجع وتجنب المزيد من المواجهة، وذلك عبر الكف عن الانخراط مجددا في الصراع اليمني وعدم الرضوخ للضغوط السعودية الأمريكية بشأن العقوبات على الإيرانيين وشركاتهم.

ويتحدى توقع المحلل الجيوسياسي ما أظهره رد فعل وزير الخارجية الإماراتي "عبدالله بن زايد" إزاء الهجوم الحوثي، إذ توعد جماعة أنصار الله بأن "الهجوم على أبوظبي لن يمر دون عقاب".

ويدعم توقع "هورويتز" سيناريوهات أوردتها وكالة "بلومبرج" بشأن تداعيات الهجوم على أبوظي، صبت في اتجاه "تعكير صفو الجهود الدبلوماسية الرامية لتخفيف التوترات في الخليج، فضلا عن جهود إعادة إحياء الاتفاق النووي الإيراني مع طهران، فضلا عن اضراطب سوق النفط".

ونقلت الوكالة الأمريكية عن "توربجورن سولتفيدت"، المحلل في مؤسسة "فيريسك مابليكروفت" المتخصصة في استشارات المخاطر، قوله إن الهجوم "يعكس التهديد المستمر لكل من البنية التحتية المدنية والبنية التحتية الخاصة بالطاقة في المنطقة، وسط تصاعد التوترات الإقليمية".

وتوقع "سولتفيدت" أن يثير تضرر صهاريج ومخزونات نفطية "مخاوف مراقبي سوق النفط الذين يتابعون أيضا عن كثب مسار المحادثات النووية الجارية بين الولايات المتحدة وإيران"، وحذر من أنه مع التلويح باحتمال نفاد الوقت المتاح للمفاوضات، "تتزايد احتمالات حدوث تدهور في المناخ الأمني للمنطقة".

وصدقت أسعار العقود الآجلة للنفط على توقعات "بلومبرج"، إذ واصلت ارتفاعها خلال تعاملات أمس الثلاثاء، ليصل خام برنت إلى أعلى مستوياته منذ 7 سنوات.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات