السبت 22 يناير 2022 11:35 م

إذا ما حاولنا تخيل مقارنة بين مشاعر كل من الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" والرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" تجاه عام 2021، فسيكون الرضا حال الأول حيث أن موسكو عززت نفوذها في الشرق الأوسط وشمال غرب أفريقيا، في حين سيشعر الثاني بالأسف حين يخلص إلى أن باريس فقدت الكثير من نفوذها في المنطقة، خاصة في البلدان التي كانت مستعمرات سابقة لفرنسا.

وهناك عاملان أضعفا يد فرنسا في المنطقة. أولا انسحاب الولايات المتحدة من بعض مجالات الشؤون الإقليمية مما أضعف نفوذ أوروبا على شمال أفريقيا والساحل وسط الانقسامات الداخلية في الاتحاد الأوروبي والتي تجلت في السياسات المختلفة بشدة التي تنتهجها فرنسا وإيطاليا في ليبيا.

أما العامل الثاني فهو مساعي جيران أوروبا في جنوب المتوسط لتعزيز السيادة الوطنية وتنويع الشركاء الأمنيين والاقتصاديين.

ويشير تفكك السياسة الفرنسية في ليبيا ومالي وسوء إدارتها للعلاقات مع الجزائر(تعد لاعبا عسكريا رئيسيا في المنطقة) إلى فشل أوسع للتصورات الأوروبية وضمور في التفكير الاستراتيجي بشأن أفريقيا.

وقد عفا الزمن على الحسابات الفرنسية التقليدية في أفريقيا حيث أصبحت تركيا والصين وروسيا (التي لم تظهر في الماضي اهتماما كبيرا بالمنطقة) دولا فاعلة في أفريقيا اقتصاديا وتجاريا وأمنيا. 

  • انقسامات ليبيا

وأدى الدور الريادي لفرنسا في التدخل العسكري المدعوم من "الناتو" في ليبيا عام 2011 إلى انقسام أوروبا الغربية.

ولم تكن إيطاليا، القوة الاستعمارية السابقة، راضية عن الدور الذي لعبته فرنسا في الإطاحة بـ "معمر القذافي".

وأدى دعم فرنسا اللاحق للجنرال "خليفة حفتر" إلى تأجيج الصراع الليبي وشجع "حفتر" في محاولته للاستيلاء على طرابلس.

كما فتح الموقف الفرنسي الباب أمام الإمارات وروسيا للانضمام إلى المعركة دعما لـ"حفتر".

وأدى ذلك بشكل مباشر إلى تدخل تركيا المباشر في الصراع في يناير/كانون الثاني 2020 وقد استفادت روسيا من هذا التدخل أيضا بشكل غير مباشر.

وسارعت فرنسا في شجب التدخل التركي، بينما التزمت الصمت حيال دور حلفائها العرب.

وأثارت سياسة "ماكرون" غضب الجزائر التي يعارض قادتها التدخل في شؤون شمال أفريقيا من قبل دول خارج المنطقة.

وبشكل عام، أدى فشل خطة فرنسا لإيصال "حفتر" إلى السلطة إلى إلحاق الضرر بالمصداقية والنفوذ الأوروبيين في الصراع مما أعطى مساحة لروسيا وتركيا والإمارات.

وأظهر "ماكرون" اهتماما بمكايدة تركيا خطابيا، مثل عندما قارن مؤخرا "استعمار" تركيا للجزائر في العهد العثماني بالحكم الاستعماري الفرنسي من عام 1830 إلى عام 1962.

لكن بالعودة إلى التاريخ، فقد جاء الوجود العثماني بناء على طلب الجزائريين خلال تلك الفترة لإنقاذهم من الاستعمار الإسباني.

وأثارت محاولة تزوير التاريخ من قبل "ماكرون" غضب الرئيس الجزائري والمعارضة على حد سواء.

وكان توحد الفصائل السياسية المختلفة في الجزائر بهذه الطريقة سببا في تعقيد الترتيبات الأمنية الثنائية.

وعلى النقيض، حافظت الجزائر على علاقات جيدة مع دول أوروبية أخرى.

ووقعت شركة النفط الوطنية، "سوناطراك"، صفقة للتنقيب عن النفط والغاز مؤخرا بقيمة 1.4 مليار دولار مع شركة "إيني" الإيطالية، ما يعزز الروابط الاقتصادية والأمنية طويلة الأمد بين البلدين.

كما أن علاقات إسبانيا مع الجزائر لا تزال جيدة، بالرغم من إغلاق خط أنابيب الغاز بين المغرب وأوروبا أواخر العام الماضي.

  • التناقضات الفرنسية

ومن غير المرجح أن تعزز تناقضات السياسة الفرنسية في المنطقة مصالحها على المدى الطويل.

وتشعر الجزائر بالقلق تجاه تساهل "ماكرون" مع المرتزقة الروس في ليبيا، وربما في مالي في المستقبل.

بالإضافة إلى ذلك، فإن تساهل "ماكرون" مع الإمارات، التي أبرمت معها فرنسا مؤخرا عقود أسلحة مهمة، لا يشعر الجزائر بالارتياح؛ بعد أن ساهمت أبوظبي في تأجيج النزاع الجزائري المغربي بحرصها على الاعتراف بـ "سيادة" المغرب على الصحراء الغربية المتنازع عليها.

ويعتقد العديد من قادة غرب أفريقيا أن التدخل الفرنسي أدى إلى تفاقم الصراعات التي غالبا ما يتم تقديمها في الغرب على أنها معركة بين "جهاديين" وأي طرف آخر، وهو تبسيط مخل يجعل من الصعب فهم الطبيعة المعقدة للأزمات المستعرة عبر منطقة الساحل الشاسعة.

وفي مالي، من الواضح أن النزاع لن يتم حله بالوسائل العسكرية وحدها، بل هو أكثر تعقيدا من ذلك بكثير.

وبينما يشجع بعض الماليين إجراء محادثات مع الجماعات المسلحة، التي تميل أهدافها إلى أن تكون محلية وإجرامية أكثر من كونها دينية أو أيديولوجية، لا توافق باريس ولا تسمح بذلك.

ولهذا السبب يتردد الحلفاء الغربيون لفرنسا في المشاركة العسكرية.

ومع سحب فرنسا لقواتها من مالي، قد يميل القادة الماليون إلى اللجوء إلى المرتزقة الروس، الأمر الذي لن يجلب الاستقرار أبدا على المدى الطويل.

وإجمالا فإن فرنسا تحتاج للتكيف مع أوضاع وحقائق القرن الـ 21، ففرنسا تمتلك الآن أوراقا أقل مما كانت عليه في عام 2011، ولا يمكنها التخلص من النفوذ المتزايد لتركيا وروسيا.

المصدر | فرانسيس غيلس/ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد