الخميس 3 ديسمبر 2015 05:12 ص

تزاحمت أروقة السياسة الدولية بالراغبين في محاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) وتدميره في العراق وسوريا، وخصوصاً بعد هجمات باريس، في 13 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

يُمكن تخيُّل ما يحدث على شكل طوابير ممتدة من السياسيين الذين يحملون في حقائبهم خططاً ونوايا ومقترحات ومبادرات لمواجهة التنظيم من دون أن يكون لأي طرف دور فعال حقيقي في عملية مواجهة تمدُّده، ولا حتى وجود أمل على المدى القصير.

ويبدو أنّ ما قاله رئيس هيئة الأركان الأميركي السابق، مارتن ديمبسي، قبل عام، إنّ «هزيمة التنظيم تحتاج إلى فترة تمتد من خمس إلى عشر سنوات»، هي الأصدق والأقرب إلى الواقع، حتى اللحظة.

بدأت فرنسا هذه الموجة الجديدة من التعهدات بمواجهة التنظيم، إذ تعهد الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، بعد اعتداءات باريس، أنّه «سيدمّر تنظيم الدولة الإسلامية». وانطلقت حاملة الطائرات الفرنسية، «شارل ديغول» باتجاه المتوسط، لشنّ هجمات وُصفت بـ«العنيفة» على الرقة، شمال سورية، أحد أهم معاقل التنظيم. واعتبر «هولاند» أن بلاده في «حالة حرب» مع الإرهاب.

وخلال زيارتهما إلى أربيل في 29 و30 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، تحدّث كل من رئيس لجنة القوات المسلحة في الكونغرس، «جون ماكين»، والسيناتور، المرشح الرئاسي عن الحزب الجمهوري، «ليندزي غراهام»، عن خططهما لمواجهة «داعش». وأكد عضوا الكونغرس الجمهوريان أنّهما تباحثا مع أطراف في المنطقة حول الخطة منذ فترة، والتي تتركز على الحشد لإرسال قوات برية، لافتين إلى أنّ الضربات الجوية وحدها لن تحدّ من قدرات التنظيم.

وأشار «غراهام»، في مؤتمر صحفي، إلى أنّ «ماكين» تحدث مع العاهل السعودي، الملك «سلمان بن عبدالعزيز»، عندما كان ولياً للعهد، حول محاربة «داعش»، وأكد له آنذاك، أنّ «السعودية على استعداد أن تساهم بجيشها في مواجهة التنظيم، شرط أن تُوجّه الحملة ضد الرئيس السوري بشار الأسد أيضاً».

ويؤكد «غراهام» أنّ السعوديين لا يرغبون في أن «يقاتلوا داعش ويتركوا دمشق تسقط في أيدي الإيرانيين»، مبيّناً أنّه «بالإضافة إلى أولوية تدمير داعش، فإن إضعاف إيران مهم، لأنّها تشكّل تهديداً كبيراً للمنطقة والعالم». وأشار غراهام إلى أنّ هناك توافقاً عربياً ـ تركياً ـ أميركياً على محاربة التنظيم، وأنّه، بالإضافة إلى الدعم العسكري السعودي، فإنّ «قطر مستعدة لتمويل العمليات»، في حين أكّد «ماكين» أهمية وجود مشاركة مصرية.

وفي المؤتمر الصحفي الذي عقده في بغداد، أكّد «ماكين» أنّه يجب تشكيل قوة عسكرية من 100 ألف مقاتل لمواجهة «داعش» بريّاً، على أن تكون معظم القوات من الدول «السنيّة»، على حد وصفه.

ولفت إلى أن الولايات المتحدة تساهم بـ10 آلاف مقاتل، وأنّ قيادة العمليات، بحسب رئيس لجنة القوات المسلحة، يجب أن تشارك في تشكيلها كل من السعودية ومصر وتركيا. وباعتبار أنّ أميركا مقبلة على انتخابات رئاسية عام 2016، يرى «ماكين» أنّ المرشح الذي لا يستطيع اتخاذ هذه القرارات لمواجهة الإرهاب، لن يكون «جديراً أن يكون القائد العام» في أميركا.

وفي سياق محاربة التنظيم، أعلنت الإمارات، يوم الاثنين، على لسان وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، «أنور قرقاش»، أنّها مستعدة «للمشاركة في أي جهد دولي لمكافحة الإرهاب ويتطلب تدخلاً برياً"، مؤكدة، "على دول المنطقة المبادرة بمحاربة الإرهاب والتطرف».

ويناضل رئيس الوزراء البريطاني، «ديفيد كاميرون»، لتمرير تمديد الضربات الجوية لبلاده على التنظيم، في مجلس العموم. ويؤكد «كاميرون» أنّ الضربات الجوية «ستجعل بريطانيا أكثر أمناً»، وأنّها «جزء من استراتيجية شاملة لمواجهة الإرهاب»، مستبعداً أي تدخل بري بريطاني في الوقت الحالي، ومؤكداً أنّ «حلفاء بريطانيا يحتاجونها». لكن «كاميرون» لم يوضح ماهية «الاستراتيجية الشاملة» التي يقول، إنّ الضربات الجوية جزء منها.

ووسط انقسام في حزب العمال بزعامة، «جيريمي كوربين»، إزاء تمديد الضربات الجوية، قرّر رئيس الحزب، السماح لممثليه في مجلس العموم بالتصويت الحرّ وعدم الالتزام بموقف الحزب، باعتبار أنّ «كوربين» من أشد الرافضين للتدخل العسكري البريطاني في العراق وسورية بريّاً أو جويّاً. فبريطانيا منقسمة داخلياً وغير قادرة على بناء استراتيجية موحّدة لمكافحة الإرهاب.

وأيّدت السعودية من جانبها، الخطوات البريطانية الأخيرة، في بيان أصدرته الخارجية السعودية، يوم الاثنين، موضحة أنّ المملكة تؤيد «تكثيف جهود التحالف بما في ذلك توسيع مشاركة بريطانيا»، من دون الخوض في أي تفاصيل حول الدور السعودي في العمليات.

وكانت السعودية، والإمارات، وقطر، ودول أخرى في المنطقة، ساهمت في تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة لشن ضربات جوية ضد «داعش» منذ أشهر. وأشارت تقارير نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز»، أخيراً، إلى أنّ حلفاء أميركا من العرب، «باتوا مشغولين في حرب اليمن»، مما أدى إلى اضمحلال مساهمتهم في الضربات الجوية ضد «داعش».

على الضفة الأخرى من العالم، هناك رؤية أخرى ليست غربيّة لمواجهة الإرهاب، إذ صرّح وزير الداخلية الإيراني، «عبد الرضا رحماني»، في اجتماعه بنظيره السوري، «عدنان محمود»، يوم الاثنين، أنّ مواجهة الإرهاب تبدأ بـ«التنسيق مع الدولة السورية والجيش العربي السوري، الذي يحقق نجاحات ميدانية في دحر الإرهاب في مختلف المناطق بدعم من روسيا الاتحادية، ومساعدة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وجبهة المقاومة».

وتظهر خطط روسيا وإيران واضحة، في هذا السياق، وهي نقيض الرؤية الخليجية للموقف، إذ تتركّز خطط وآمال مقاتلة التنظيم، من خلال مصافحة «اليد الممدودة» للرئيس السوري «بشار الأسد»، الذي يطمح إلى إعادة التأهيل دولياً، تحت لافتة، «مواجهة الإرهاب»، كما خطّط تماماً، عند انطلاق الثورة الشعبية السورية عام 2011.

ويرى مراقبون أنّ خطة «ماكين ـ غراهام»، وافد جديد، نسبياً، على خطط محاربة «داعش»، إذ كانت جهود الإدارة الأميركية بقيادة الرئيس، «باراك أوباما»، منصبّة، في الوقت السابق، على محاولة إشراك السنّة في النظام السياسي في بغداد، وإنهاء تهميشهم، ودعمهم في مواجهة التنظيم، على غرار تجربة الصحوات (تجمعات عشائرية سنيّة لمواجهة تنظيم القاعدة) عام 2007. لكن خطة «ماكين ـ غراهام»، تعبّر عن يأس أميركي من هذه الجهود، وإعادة تقييم سورية، كمنطلق ممكن لمحاربة التنظيم، من خلال حرب برية ـ جوية شاملة، بحسب هؤلاء المراقبين.