الأحد 29 نوفمبر 2015 01:11 ص

استخدام تنظيم «الدولة الإسلامية» الموارد الطبيعية من أجل تحقيق أهدافه الاستراتيجية ليس أمرا جديدا. النفط، أحد أكبر مصادر تمويل المجموعة، يلعب دورا هاما في حساباتها، وهو أمر يجب أن تعيه جميع الدول التي تقود قتالا ضد التنظيم، وأن تبدأ في تحديد أهدافها وفقا لذلك. على سبيل المثال، بدأت الولايات المتحدة وفرنسا إطلاق ضرباتهم الجوية ضد الشاحنات النفطية للمنظمة ومراكز التوزيع الخاصة بها على أمل أن تعيق قدرتها على دفع تكاليف عملياتها العسكرية.

ولكن الأمر الذي يأخذ حيزه الكافي من الحديث، على الرغم من كونه لا يقل أهمية، هو استخدام «الدولة الإسلامية» للمياة كسلاح في حربها لإقامة الخلافة. جلبت تكتيكات «الدولة الإسلامية» المياه إلى صدارة الصراع في العراق وسوريا، ما يهدد حياة أولئك البشر الذين يعيشون تحت حكمها القمعي. إذا لم يتحرك خصوم «الدولة الإسلامية» من أجل تحريك قبضة المجموعة عن مصادر المياه العراقية والسورية، فسرعان ما سيكون من الصعب تحرير المنطقة من قبضة المجموعة على المدى الطويل.

صراع تاريخي

وقد اشتبكت الحضارات منذ فترة طويلة من أجل الوصول إلى المياه وتأسيس إمبراطوريات في جميع أنحاء الأنهار الكبرى. ويعتقد المؤرخون أن مدينة أور السومرية القديمة كان مفضلة بالنسبة إلى الإمبراطوريات التالية بسبب وفرة المياه وقربها من الخليج. هناك روايات تقول أن سكان المدينة قد هجروها خلال فترات الجفاف الشديد وجفاف نهري دجلة والفرات.  اليوم، فإن الجفاف وقلة الأمطار تتنافس مع كارثة الإرهاب من أجل تدمير الرقعة الخصبة من الأرض التي تمتد على طول النهرين.

الحكومات والجهات الفاعلة غير الحكومية على حد سواء قد استخدمت المياه كسلاح على مدار قرون متعاقبة. وبينما كان عدد الحروب كاملة على موارد المياه أقل مما قد يتوقع المرء، فإنه نظرا لأهمية المياه لبقاء أي مجموعة من السكان، فقد تسبب المياه في العديد من الصراعات الصغيرة القاتلة. وقع الشرق الأوسط فريسة لهذا النوع من السباقات في الأعوام الأخيرة، حيث انتقلت الدول والجماعات على نحو متزايد من قطع إمدادات المياه لفترة قصيرة من الوقت إلى تحويل تدفق المياه كليا أو استنزاف الإمدادات في محاولة لتهديد أو إكراه المستهلكين.

«الدولة الإسلامية» ليست استثناء. منذ أن بدأت الجماعة في توسيع مطامعها الإقليمية في غرب سوريا، فقد ظلت تستخدم المياه كأداة في إستراتيجية أوسع نطاقا تشمل بسط السيطرة على الأرض الجديدة. النظرة الفاحصة إلى تحركات المجموعة تكشف بوضوح أن نهري دجلة والفرات يلعبان دورا مركزيا في إستراتيجية التنظيم. إدراك نية «الدولة الإسلامية» تنظيم الخلافة الجديدة في جميع أنحاء حوض دجلة والفرات قد تكون مفيدة في المعركة الطويلة الأمد ضد التنظيم.

في عام 2012، ظهرت «الدولة الإسلامية» من فراغ السلطة التي خلقتها الحرب الأهلية السورية وجعلت وجودها متركزا في غرب مدينة حلب. كانت لديها القليل من القواسم المشتركة مع الجماعات المتمردة الأخرى في سوريا والتي كانت تركز في المقام الأول على محاربة قوات الرئيس السوري «بشار الأسد» لتغيير النظام. بدلا من ذلك، كانت «الدولة الإسلامية» منظمة إرهابية بأجندة واستراتيجية واضحة: إنها كانت تريد إنشاء خلافة إسلامية أقرب إلى الإسلام على نهج النبي محمد من وجهة نظرها. خلال السنة التالية، انتقلت المجموعة بشكل سريع وحاسم، قاطعة الطريق في سوريا والعراق حيث استولت على مدن رئيسية مثل الرقة ودير الزور والبوكمال وجميعها تقع على نهر الفرات.

على الجبهة العراقية، لا تبدو الأمور مختلفة كثيرا. استولت «الدولة الإسلامية» بسهولة على المدن النهرية مثل راوة والرمادي والفلوجة. اثنان منها (راوة والرمادي) أعطتا المجموعة الوصول المباشر إلى اثنتين من البحيرات الهامة في العراق هما بحيرة السد وبحيرة الثرثار. وفي الوقت نفسه، واصلت «الدولة الإسلامية» إستراتيجية مماثلة على طول نهر دجلة، واستولت بنجاح على الموصل وتكريت وحاولت الاستيلاء على بلدات أخرى على طول الطريق. في العراق كان الهدف هو بغداد، والتي سوف تمكن الجماعة من حكم الخلافة في سوريا والعراق. بينما كانت حقول النفط والغاز الطبيعي التي احتلتها على طول الطريق وسيلة للمجموعة لتهديد القوات العسكرية وكسب المال، وكانت المسطحات المائية والبنية التحتية وسيلة لعقد المنطقة بأكملها كرهينة.

تاريخيا، كانت نهري دجلة والفرات مصدرا هاما للخلاف بين تركيا وسوريا والعراق وإيران. وقد أدى عدم وجود تعاون وتنسيق بين هذه الدول على تقاسم الأنهار على عدم تنظيم استعمالها والاستخدام المفرط للموارد. ونتيجة لذلك، فإن كافة الأنشطة التي تمارسها دول المنبع بشأن الموارد المائية تنطوي على مخاطر إثارة التوترات مع دول المصب. مع عدم وجود التنسيق الإقليمي وسوء الأوضاع الأمنية على طول الأنهار، فإن الجماعات الإرهابية كانت قادرة على استخدام المياه على حد سواء وسلاح وعلى رأسها «الدولة الإسلامية». ليس لأنها دمرت البنية التحتية ذات الصلة بالمياه مثل الأنابيب ومحطات الصرف الصحي والجسور والكابلات المتصلة بالمنشآت المائية، ولكن أيضا لكونها تستخدم كأداة للعنف من خلال إغراق متعمد المدن، وتلويث المسطحات المائية وتدمير الاقتصادات المحلية عن طريق تعطيل توليد الكهرباء والزراعة.

منذ عام 2013، شنت «الدولة الإسلامية» ما يقرب من 20 هجمة كبيرة (وكذلك عدد لا يحصى من الاعتداءات الصغيرة) ضد البنية التحتية للمياه السورية والعراقية. بعض هذه الهجمات شملت إغراق بغض القرى وبلغت حد التهديد بغمر بغداد وإغلاق بوابات السدود في الفالوجة والرمادي وقطع المياه عن مدينة الموصل، كما يزعم أنها قامت بتسميم المياة في بعض المدن السورية الصغيرة. معظم هذه العمليات قد صممت من أجل محاربة الجيش النظامي باستخدام الماء كسلاح ضده، وشملت استهداف البنية التحتية للمياه لعرقلة تحركات القوات. هذه الجهود كانت تشمل في كثير من الأحيان فائدة إضافية تمثلت في تعزيز جهود التوظيف. من خلال السماح بتدفق المياه إلى المدن المتعاطفة مع تنظيم «الدولة الإسلامية» يمكن للتنظيم جذب المزيد من الرجال والنساء إلى صفوفها.

لعب الماء أيضا دورا جوهريا في استراتيجية التنظيم التوسعية. ضمنت «الدولة الإسلامية» أيضا أن المسطحات المائية والبنية التحتية المناظرة لها قد انتقلت إلى واجهة الصراع في الشرق الأوسط. السيطرة على الموارد المائية الرئيسية والسدود، بدورها، تعطى «الدولة الإسلامية» القدرة على إحكام قبضتها على الإمدادات المستخدمة لدعم الزراعة والكهرباء. سد الموصل، على سبيل المثال، أعطى «الدولة الإسلامية» السيطرة على أكثر من 75% من الكهرباء المولدة في العراق حين كان في حوزة المجموعة. في عام 2014، عندما أغلق التنظيم سد الفلوجة، دمرت الفيضانات لاحقا حوالي 200 كم مربع من الحقول والقرى العراقية. وفي يونيو/ حزيران 2015، أغلقت «الدولة الإسلامية» خزان الرمادي في الأنبار، ما حد من تدفق المياه إلى الأهوار العراقية المشهورة وإجبار العرب الذين يعيشون هناك على الفرار. وبينما تمكنت قوات التحالف والحكومة في كلا البلدين من استعادة بعض المواقع الرئيسية للمياه، إلا أن التهديد بالضرر لا يزال قائما.

وفي الوقت نفسه، استخدمت الحكومات والجيوش تكتيكات مماثلة لمكافحة «الدولة الإسلامية»، عبر إغلاق بوابات السدود أو مهاجمة البنية التحتية للمياه التي تقع تحت سيطرتهم. لكن مقاتلي «الدولة الإسلامية» ليسوا الوحيدين الذين تضرروا من هذه الجهود، ولكن المعاناة قد وصلت إلى سكان المناطق المجاورة أيضا. وقد اتهمت الحكومة السورية مرارا بحجب المياه والحد من التدفقات أو إغلاق بوابات السد خلال القتال ضد «الدولة الإسلامية» أو الجماعات المتمردة، وأنها استخدمت الحرمان من المياه النظيفة كتكتيك قسري ضد العديد من ضواحي دمشق التي يعتقد أنها متعاطفة مع الثوار.

البحث عن حل إقليمي

ونظرا لأهميتها لكل من وليد الكهرباء والإنتاج الزراعي، فإن المياه لديها القدرة على تشغيل الاقتصاد أو تدميره. ونظرا لكون المسطحات المائية في كثير من الأحيان تتجاوز حدود أي بلد واحد، فإن التاريخ يظهر أنه في كثير من الأحيان يمكن أن تتم تسوية المنافسات حول مصادر المياه التعاون الإقليمي. قبل تدهور الأوضاع في سوريا والعراق وظهور جماعات على شاكلة «الدولة الإسلامية»، لم يكن أمام دول منطقة دجلة والفرات سوى بعضها البعض. في عام 2010، بدا أن قادة تركيا وسوريا ولبنان والأردن على وشك إحراز تقدم نحو إقامة منطقة اقتصادية متكاملة. دعا قادة الدول لتعاون المنطقة بأسرها في مجال السياحة والخدمات المصرفية والتجارية والقطاعات الأخرى، ما كان من الممكن أن يشكل أساسا لمزيد من الاتفاقات بشأن توزيع الموارد الطبيعية المشتركة مثل المياه.

لكن السياسة قد لعبت لعبتها، وفي غضون أقل من عام، كان الجميع قد خسر اللحظة. إذا كانت تركيا والعراق وسوريا قد أخذت الفرصة للعمل في حين كانت الظروف السياسية مواتية، لربما كان من الأسهل معالجة مسألة «الدولة الإسلامية» في وقت لاحق. المسطحات المائية يمكن أن ينطبق عليها وصف المشاعات الإقليمية، وبالتالي فإنها تخضع للمسؤولية الجماعية لجميع الأطراف.

ليس هناك شك في أن «الدولة الإسلامية» لديها استراتيجية واضحة جدا، تمتد إلى ما هو أبعد من سوريا والعراق إلى المنطقة على نطاق أوسع. أنشأ التنظيم مجموعة من الأفرع في شمال إفريقيا بعد مسار مماثل من السيطرة على الموارد الرئيسية واستخدامها كسلاح ضد السكان والسعي لإكراه وتدمير الحكومات. لقد حان الوقت أن تعيد الدول المجاورة والمجتمع الدولي النظر في ما يعرفونه عن تكتيكات «الدولة الإسلامية»، وصياغة خطة عمل جديدة. يجب أن يصبح جعل القوات التي تقاتل «الدولة الإسلامية» في المنطقة كحوض واحد متكامل، وبالتبعية الامتدادات السكانية الخاصة بها، في صدارة الاستراتيجيات. كانت المياه دوما تشكل جوهر الحضارات. في الشرق الأوسط، ومع وجود «الدولة الإسلامية»، يبدو أن الأمور لا تختلف كثيرا.