الاثنين 7 ديسمبر 2015 01:12 ص

كثر الحديث مؤخرا عن خطر تنظيم «داعش» ليس على سوريا والعراق فحسب، بل إن خطره تجاوز منطقة الشرق الأوسط ليصبح تهديدا للأمن العالمي كما يقول الرؤساء أوباما وأولاند وبوتين، الذين أعلنوا حربا بلا هوادة ضد التنظيم، وهذه الدرجة من إثارة القلق والمخاوف عجز عنها تنظيم «القاعدة» الأم.

والملفت أن الأمر لم يقتصر على تلك الدول التي أعلنت الحرب على «داعش» بشكل لا هوادة فيه، كما قال الرئيس الفرنسي بعد اعتداءات باريس في 13 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، فقد أغلقت أيضا المرافق في بروكسل لأيام خشية تكرار اعتداء باريس فيها، وهي عاصمة بلجيكا والاتحاد الأوروبي و«الناتو»!

وقد مثل ذلك إرباكا لوتيرة الحياة الغربية وقيمها ونظامها! وإضافة إلى أميركا وفرنسا وروسيا، كانت بريطانيا أيضا هي آخر من انخرط في شن حرب على «داعش» في سوريا، بعد تفويض مجلس العموم شن هجمات جوية على مواقع التنظيم هناك، ومع ذلك ما زالت هذه الدول العظمى بجيوشها الجرارة وصواريخها العابرة للقارات، لم تلحق بعد الهزيمة بـ«داعش»!

والمثير للاستغراب كيف استمر وجود «داعش» وحتى تمدده في وجه أكبر تحالف عسكري في التاريخ، 65 دولة، كما يعترف أوباما، الذي ظل يستهدفه لأكثر من 16 شهرا!

وهناك أيضا التحالف الثنائي الآخر، روسيا وإيران اللتان تتمسكان ببقاء الأسد ونظامه لأطول مدة ممكنة، بسبب استثمار إيران فيه ضمن مشروعها التدخلي في المنطقة، وأيضاً لإعطائه موطأ قدم استراتيجياً لروسيا في المتوسط تقارع منه أميركا و«الناتو» والغرب في تصفية حسابات تعيد أجواء الحرب الباردة.

والراهن أن الأدبيات السياسية في أميركا ما زالت تتلمس تفسيرات لتفاقم العنف والإرهاب مع «داعش»، وقد سجل هنا اعتراف مسؤولين سابقين في واشنطن ولندن -وهو ما سمعته شخصيا في مؤتمرات بواشنطن- بأن إسقاط نظام صدام حسين وتفكيك الجيش العراقي واستهداف وإضعاف المكون السُّني وارتكاب أخطاء استراتيجية خلال العقد الماضي، كلها ساهمت في ظهور «داعش» وزيادة النعرة المذهبية.

وهذا ما قاله أيضا توني بلير رئيس الوزراء البريطاني السابق وشريك بوش في الحرب على العراق، وقد قدم اعتذارا عن الغزو. وأكده كذلك قائد القوات الأمريكية السابق في العراق الجنرال ديفيد باتريوس ومسؤولون في «سي آي أيه» والاستخبارات العسكرية، حيث أكدوا أن الغزو كان خطأً استراتيجيا، إذ إن احتلال العراق وإسقاط نظام صدام، أدى للفوضى وظهور «داعش» والجماعات المتطرفة التي لم تكن موجودة في العراق قبل احتلاله.

وما فاقم المعضلة هو الحسابات الخاطئة، فالرئيس أوباما شخصيا أعلن من البداية أنه لا حرب برية، ثم اعتمد تكتيكا مرتبكا ومتذبذبا ومترددا من الوعد بدعم وتدريب المعارضة السورية المعتدلة، إلى إلغاء البرنامج، ورفض تزويدها بالأسلحة أو إنشاء منطقة آمنة في شمال وجنوب سوريا، وكذلك الفشل في الحصول على شريك على الأرض في سوريا والعراق، والتركيز على قصف «داعش» في هذا البلد الأخير وليس سوريا.

وقد انخرط الحلفاء العرب الذين شاركوا بحماس قبل أكثر من عام ثم توقفوا عن شن هجمات منذ الصيف الماضي بسبب حرب اليمن وعدم الحسم الأمريكي حول دور إيران في الحرب على «داعش»! وباختصار لم تساعد الاستراتيجية الأميركية، وغيابها، في كسب ثقة الحلفاء العرب للاستمرار في الانخراط والمشاركة في العمليات العسكرية ضد «داعش» وخاصة في سوريا.

وقد طلب أوباما في الصيف الماضي من الدول العربية المشاركة في حرب برية على «داعش»، وعاد كيري ليطلب أيضا مشاركة قوات برية سورية وعربية في شن حرب برية على التنظيم لدحره وخاصة في سوريا، ورفض رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بشكل قاطع وغير مقنع إرسال قوات برية أجنبية -أميركية خاصة- للعراق دون موافقة بلاده.

واعتبر ذلك عملا عدائيا، لأن العراق ليس بحاجة لقوات برية أجنبية لهزيمة «داعش»! وإذن فليتفضل ويطرد التنظيم من الرمادي وبقية محافظة الأنبار، والأهم من مدينة الموصل!

منذ البداية قلنا وكررنا أن القصف الجوي وحده ليس استراتيجية انتصار ولن يهزم تنظيماً إرهابيا كـ«داعش»، وإنه يجب أن يرافق القصف تدخل بري، ولذلك غير مقنع أو مقبول أن تطلب واشنطن والأوروبيون وروسيا أن يواجه العرب «داعش» بقوات برية عربية دون أن يتبلور مشروع سياسي يُقصي نظام الأسد ويضع تصورا قابلا للتحقيق لمرحلة ما بعد نظامه، هذا أيضا مع مشاركة قوات القوى الكبرى في دحر وهزيمة «داعش»، إذ بالفعل كما يقولون أن تنظيم «داعش» بات مصدر تهديد للعالم بأسره!

ومن ثم فإن على أميركا لعب دور قيادي مع حلفائها في «الناتو» بحيث تقود التحالف بجدية، فلا ركوب مجانيا لمن يريد هزيمة «داعش»!