الأحد 20 مارس 2022 02:36 م

تمامًا كما كان المفاوضون مستعدين لتحقيق انفراجة في المحادثات حول مستقبل الاتفاق النووي، هدد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا بإلغاء الاتفاق بشكل نهائي؛ حيث طالب وزير الخارجية الروسي "سيرجي لافروف" الولايات المتحدة بتزويد موسكو بـ "ضمانات مكتوبة" بأن العقوبات التي يقودها الغرب لن تمس التجارة والاستثمار الروسيين مع إيران.

وقد جاء الطلب بمثابة مفاجأة لكبير المفاوضين الروس في فيينا "ميخائيل أوليانوف"، حيث سعى فقط لتوضيح ما إذا كانت هذه العقوبات ستمنع الشركات الروسية العاملة في القطاع النووي من المشاركة في التعاون النووي المدني المنصوص عليه في الاتفاق. وبالنظر إلى أن الدبلوماسيين من جميع الأطراف لم يكونوا مرهقين الآن فحسب، بل مرتبكين أيضًا، فقد قرروا تأجيل المحادثات إلى أجل غير مسمى.

لكن إيران لن تترك الصفقة تموت في مثل هذه المرحلة المتأخرة، خاصة إذا كان سبب الفشل هو نوبة غضب روسية. ففي 15 مارس/آذار، سافر وزير الخارجية الإيراني "حسين أمير عبداللهيان" إلى موسكو للقاء "لافروف"، وكانت العلامات المبكرة من الرحلة إيجابية.

وقد أكد "عبداللهيان" أن "روسيا لن تشكل أي نوع من العوائق أمام التوصل إلى اتفاق". من جانبه، أشار "لافروف" إلى أن موسكو تلقت ضمانات خطية عالجت مخاوفها بشأن تأثير العقوبات الأمريكية على روسيا في التعاون النووي المدني والمشاركة الاقتصادية مع إيران، والتي ستتبع استعادة الاتفاق.

وأشار "لافروف" أيضا إلى أن المحادثات النووية الإيرانية ستستأنف قريبا. وتشير التقارير إلى أنه لا توجد الآن خلافات جوهرية بين الولايات المتحدة وإيران يمكن أن تقف في طريق التوصل إلى اتفاق.

وبعد الإعلان عن وقف المفاوضات النووية، صرح الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي "جوزيب بوريل" أن "النص النهائي جاهز بشكل أساسي وعلى الطاولة". وكما أشار إليه اقتراحه بإمكانية اختتام المحادثات بسرعة بمجرد عودة الأطراف إلى فيينا، فإن توقعات تحقق الاتفاق قد تحسنت كثيرًا.

 ومع ذلك، فإن حقيقة أن روسيا يمكن أن تخرج المحادثات عن مسارها بهذه السرعة تشير إلى تحديات الحفاظ على الصفقة إذا تم استعادتها.

لقد تغير العالم بشكل كبير منذ الموافقة على الاتفاق النووي لأول مرة في يوليو/تموز 2015. وبينما تسبب الغزو الروسي لأوكرانيا في حدوث زلزال في النظام العالمي، كانت البنية التحتية تتغير منذ سنوات؛ فبين عامي 2016 و2018، كانت الجهود المبذولة لتنفيذ الاتفاق معقدة بسبب المخاوف من أن الصفقة فشلت في عكس الواقع الجيوسياسي الجديد.

وتم تصوير حكومة "حسن روحاني" السابقة على أنها ساذجة من قبل خصومها السياسيين المحليين، الذين شعروا أن السعي وراء الاستثمار الغربي كان مفارقة تاريخية في عالم ستهيمن عليه الصين وروسيا قريبًا.

وفي الفترة التي سبقت انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في عام 2018، تجاهلت إدارة "ترامب" تمامًا مناشدات المسؤولين الأوروبيين لها أن تظل طرفًا في الاتفاق. وعندما انسحبت في النهاية وأعادت فرض عقوبات ثانوية مرتبطة بالاتفاقية، تم تذكير الأطراف المتبقية في الاتفاق بكيفية تقييد سيادتهم الاقتصادية داخل نظام مالي عالمي يهيمن عليه الدولار الأمريكي. ثم كشف وباء كورونا عن التكاليف الإنسانية للعزلة الاقتصادية لإيران، حيث تكافح البلاد لتأمين السلع والمساعدات الطبية.

تأثير الأحداث العالمية

بناء على هذه الخلفية، غالبًا ما بدت الدبلوماسية النووية بين القوى العالمية وإيران منفصلة عن الجوانب الأخرى للجغرافيا السياسية.

وفي حديثه من موسكو، كان "عبداللهيان" يبذل قصارى جهده لتوضيح أن الوضع في أوكرانيا ليس له تأثير على اختتام المحادثات النووية. وكانت إحدى السمات المميزة للمفاوضات النووية الإيرانية القدرة غير العادية على الفصل.

لقد كانت المفاوضات محدودة النطاق - ركزت على الأنشطة النووية الإيرانية - ومعزولة قدر الإمكان عن الأحداث الكبرى مثل الانتخابات والاغتيالات وأعمال التخريب والاجتياحات، وهذا التقسيم هو سبب أساسي في وصول المحادثات إلى مرحلة متقدمة بالرغم من المحاولات العديدة المتعمدة لعرقلة مسارها، لكن التقسيم له حدوده، والأسئلة الكبيرة حول دور إيران في النظام العالمي ظلت بلا إجابة لفترة طويلة.

تتعلق الانتقادات الأكثر شيوعًا للاتفاق بجوانب الصفقة التي تتيح مثل هذا التقسيم. في النهاية، يستند الاتفاق النووي إلى مقايضة ضيقة: تلتزم إيران بالقيود الصارمة على برنامجها النووي المدني ويقدم المجتمع الدولي تخفيفًا للعقوبات. ويصر المسؤولون الإيرانيون على أن استعادة الاتفاق تتماشى مع السياسة الخارجية التي توازن بين الغرب وخصومه الجيوسياسيين.

وقد أبرز الرئيس الإيراني "إبراهيم رئيسي"، الذي توقع الكثيرون احتضان روسيا والصين له بعد انتخابه، أهمية الموازنة في خطاب ألقاه مؤخرًا، بحجة أن "بعض الناس يتهموننا بالنظر في بعد واحد إلى الشرق ويقولون ذلك، بينما في الماضي كانت إيران تتجه نحو الغرب، واليوم الحكومة تتطلع إلى الشرق. هذا ليس صحيحا. وتسعى الحكومة إلى تطوير العلاقات مع جميع الدول لإيجاد توازن في السياسة الخارجية للبلاد".

لكن هذا التناقض الاستراتيجي في الاتفاق هو الذي يثير غضب العديد من صانعي السياسة الغربيين؛ حيث انتقد السناتور الديمقراطي "روبرت مينينديز" مؤخرًا النطاق المحدود للصفقة، مشيرًا إلى أنه "إذا كانت إيران مستعدة لتقديم تنازلات أكبر بشأن وقف تخصيب اليورانيوم، وتدمير البنية التحتية النووية، والقيود الجادة لبرنامج الصواريخ الباليستية، ينبغي على الولايات المتحدة والمجتمع الدولي النظر في رفع نطاق أوسع من العقوبات، بما في ذلك ربما بعض العقوبات الأولية".

إذا كان "مينينديز" يقترح بإخلاص أن بإمكان واشنطن رفع العقوبات الأولية عن إيران في ظروف معينة، فقد يشير ذلك إلى رغبة بعض القادة الغربيين في صياغة اتفاق دبلوماسي يجلب البلاد إلى فلك الغرب.

إن أحد تفسيرات سلوك "لافروف" الغريبة بشأن الاتفاق النووي هو أن صانعي السياسة في موسكو قلقون أيضًا من فكرة أن إيران ستستمر في موازنة علاقاتها الدولية حتى مع تزايد عزلة روسيا. ربما تكون موسكو قد تراجعت عن مطالبها لأنها خاطرت كثيرًا بعرقلة المفاوضات النووية.

لقد كان من شأن إثارة أزمة أمنية جديدة في الشرق الأوسط أن يعقد علاقات إسرائيل والإمارات وقطر والسعودية، الدول التي تحفز تحالفها مع الغرب جزئيًا؛ بسبب الحاجة إلى الرد على التهديدات الأمنية الصادرة عن إيران.

بينما ترغب روسيا في جر إيران إلى دائرة نفوذها، فهي تعلم أنها تستفيد من الغموض الاستراتيجي لقوى الشرق الأوسط الأخرى. كما جادلت الباحثة الإيطالية المتخصصة في شؤون الخليج بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية "سينزيا بيانكو" بشكل مقنع، حول الإمارات والسعودية، بالقول إن "الغموض بشأن أوكرانيا يتعلق بأن علاقاتهما مع الولايات المتحدة أكثر من مصالحهما في روسيا"، بل حتى الصين حافظت عن عمد على موقف غامض بشأن الحرب في أوكرانيا.

إذا تمت استعادة الاتفاق، سيكون الاختتام الناجح للمفاوضات النووية إشارة قوية على أن مصالح إيران طويلة الأمد تكمن في سياسة خارجية متوازنة، لا سيما في ظل التحولات الزلزالية في النظام العالمي.

بالنظر إلى أن قوى الشرق الأوسط الأخرى تختار أيضًا التوازن والغموض في وقت يسوده عدم اليقين، هناك فرص جديدة لمعالجة المخاوف الأمنية طويلة الأمد لدى جميع الأطراف. إن عودة الدبلوماسية الأخيرة في الخليج مثال على ذلك.

إن صانعي السياسة الغربيين في وضع جيد لاغتنام هذه الفرص بفضل التجديد المفاجئ للتحالف عبر الأطلسي، وهو ما يتجلى في تنسيقهم المثير للإعجاب لفرض عقوبات على روسيا. لكن هذه الوحدة مدفوعة جزئيًا بعقلية "نحن مقابل هم"، والتي ستخلق حالة من عدم الارتياح بين القادة في الشرق الأوسط الذين يترددون في اختيار جانب.

سافر "عبداللهيان" إلى موسكو لخلق مساحة لإيران للحفاظ على غموضها الاستراتيجي. بينما يجري صناع السياسة الغربيون تقييمًا في هذه اللحظة من الأزمة، يجب عليهم حساب التوازن الإيراني. وللقيام بذلك، يجب عليهم التفكير فيما وراء الملف النووي وإعداد أنفسهم للإجابة على الأسئلة الكبيرة التي تجاهلوها منذ فترة طويلة من أجل الصفقة النووية.

المصدر | اسفنديار باتمانجليج/ المجلس الأوروبي – ترجمة وتحرير الخليج الجديد