الثلاثاء 3 مايو 2022 06:20 ص

في 23 أبريل/نيسان الماضي، خلال جولة في أمريكا اللاتينية، أعلن وزير الخارجية التركي "مولود جاويش أوغلو" أن بلاده ستغلق مجالها الجوي أمام الرحلات الجوية العسكرية والمدنية الروسية المتجهة إلى سوريا.

لكن "جاويش أوغلو" أضاف أن هذا القرار لا يعني أن تركيا تنضم إلى العقوبات المعادية لروسيا، وإنما يعني ببساطة أن الاتفاق على ممر جوي بين موسكو وأنقرة انتهت صلاحيته البالغة 3 أشهر فقط.

وانتهت فترة الصلاحية مع نهاية شهر أبريل/نيسان، ولا تخطط تركيا لتجديد الاتفاق، وفق ما أبلغ به الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" نظيره الروسي "فلاديمير بوتين" مؤخرًا.

وأضاف "جاويش أوغلو" أن الدولتين اتفقتا على أن روسيا لن تستخدم المجال الجوي التركي لنقل قواتها إلى سوريا.

ما دوافع القرار؟

من الواضح أن قرار أنقرة مرتبط بعدد من المواقف التي اتخذت منعطفًا أكثر جدية في الأشهر الأخيرة، وأحدها العملية العسكرية الجديدة لتركيا ضد الأكراد - ليس فقط الجماعات المسلحة الكردية في العراق، ولكن أيضًا تلك الموجودة في سوريا. ومن الواضح أن أنقرة لا ترغب في أن تعترض موسكو طريقها بطريقة ما.

يجدر الإشارة إلى أن هذه العملية، وهي عملية أنقرة الثالثة الخاصة ضد الأكراد، لا تُجرى برضا من واشنطن كما يتضح، حيث إنها جزئياً موجهة ضد التكوينات الكردية الموالية لـ"قوات سوريا الديمقراطية" المدعومة من الولايات المتحدة.

وفي محاولة لكبح جماح الحماس العسكري التركي، ضغطت واشنطن عليها كما هو واضح لاتخاذ بعض الخطوات المعادية لروسيا، ونتيجة لذلك، أغلقت تركيا المجال الجوي على الطائرات العسكرية والمدنية الروسية.

تهتم الولايات المتحدة نفسها أيضًا بالحد من العمليات العسكرية لروسيا في سوريا، والتي تعتزم تكثيف عملياتها العدوانية هناك، ويبدو أنها تفتح "جبهة ثانية" في المواجهة مع روسيا.

وتحقيقًا لهذه الغاية، أرسلت الولايات المتحدة في 23 أبريل/نيسان "قافلة مكونة من 35 مركبة مع شاحنات محملة بالذخائر والإمدادات التقنية" بالإضافة إلى ناقلات لنقل النفط من مناطق سوريا الموجودة تحت السيطرة الكردية.

وفي 25 أبريل/نيسان، وصلت قافلة عسكرية أمريكية أخرى إلى مطار "خراب الجير" في منطقة المالكية في محافظة الحسكة.

ووفقًا لمصدر من "وكالة الأنباء العربية السورية" (سانا)، فإنها تتألف من 36 مركبة محملة بصناديق وألواح أسمنت ومولدات، بدعم من 4 مركبات مدرعة عسكرية أمريكية.

وفي محاولة لتعزيز موقفها في صراعها مع النظام السوري، يبدو أن واشنطن شجعت حليفتها إسرائيل على شن هجمات عسكرية على الأراضي السورية. ففي صباح يوم 27 أبريل/نيسان، أصيبت  مناطق في ضواحي دمشق بالصواريخ الإسرائيلية، وهو يعد الهجوم الثالث من هذا القبيل في أقل من شهر.

تشعر واشنطن أيضًا بالقلق من أن موسكو قد تُعيد نشر القوات الروسية والمتطوعين السوريين من قواعد "خميميم" و"طرطوس" إلى عمليتها الخاصة في أوكرانيا.

باختصار، من الواضح أن قرار تركيا بإغلاق المجال الجوي أمام روسيا يتوافق تمامًا مع مصالحها هي وواشنطن.

موازنة بالغة الدقة

في الأشهر الأخيرة، كانت تركيا، تحاول اتباع موازنة بالغة الدقة، في محاولة لتجنب تخريب مصالحها الخاصة عن طريق استعداء واشنطن أو موسكو.

وقد أظهرت لموسكو أنها تطبق اتفاقية مونترو، وتبذل كل ما في وسعها لمنع الاشتباكات بين الناتو والقوات الروسية في البحر الأسود.

كما إنها بدأت في 26 أبريل/نيسان جولة جديدة من المحادثات مع موسكو بشأن شراء نظام الدفاع الجوي الروسي " S-400" مجددًا. وقاد المحادثات "إسماعيل ديمير"، رئيس الصناعات الدفاعية التركية، الذي أعلن أن "أنقرة لا ترغب في التوقف عن تعاونها مع روسيا بشأن قضايا إمدادات الأسلحة بسبب الوضع في أوكرانيا".

تجدر الإشارة أيضًا إلى أن أنقرة حثت جميع الأطراف المعنية بحل الأزمة في مصنع "آزوفستال ستيل"، وخاصةً لإخلاء "المدنيين والعسكريين المحاصرين هناك". ولكن، من الواضح أن هذه المبادرات ليست مجرد إيماءات عفوية أو بدافع من الاعتبارات الإنسانية.

تستمر تركيا - إلى جانب أعضاء الناتو الآخرين - في تزويد نظام كييف بالأسلحة وغيرها من المعدات العسكرية. وتشمل الطائرات المسيرة "بيرقدار TB2"، والتي تم استخدامها بالفعل في ضربات على الأراضي الروسية.

قلق أنقرة أمر مفهوم، حيث يُعرف الآن أن المقاتلين المحاصرين في "آزوفستال ستيل" من قبل الجنود الروس ومقاتلي دونيتسك ولوجانسك يشملون مئات المرتزقة من تركيا وأوروبا والمدربين رفيعي المستوى من دول الناتو، والذين يديرون عملية كييف العسكرية في دونباس.

لذلك من الواضح أنه لن يكون من مصلحة الغرب أن يقعوا في أيدي روسيا أو أن يكون وجودهم معروفًا للمجتمع الدولي، مما يؤكد ما هو واضح بالفعل من الأدلة الوثائقية التي تتلقاها موسكو؛ أي الدور الاستفزازي الذي تلعبه واشنطن وبروكسل في تهديد الحرب في أوكرانيا. لهذا ففي الأيام القليلة الماضية، سمح الغرب أن يكون لأنقرة دور أكبر في تنظيم الوضع الحالي.

تداعيات على العلاقات

أما بالنسبة لإغلاق تركيا لمجالها الجوي أمام الطائرات الروسية المتجه إلى سوريا، فمن المؤكد أن هذا القرار سيكون له تأثير على تطور العلاقات بين موسكو وأنقرة.

من المحتمل أن تنتقم روسيا بعدد من الطرق. حيث يمكنها على سبيل المثال تقييد واردات الفاكهة والخضروات من تركيا، أو تقييد عدد السياح الروس الذين يزورون البلاد، حيث يأتي 18 ٪ من الميزانية الوطنية التركية من السياح الروس، وبالنظر إلى مشاكل تركيا الاقتصادية الحالية، فلا يمكن أن تخسر مصدر الدخل هذا.

قد تتخذ موسكو تدابير ضد مشروع "ترك ستريم"، الذي تروج له أنقرة في محاولة لاستبدال أوكرانيا باعتبارها مركز الغاز الرائد في المنطقة.

لدى روسيا العديد من مصادر النفوذ الأخرى على تركيا، بما في ذلك في آسيا الوسطى، وأنقرة تدرك جيدًا هذه الحقيقة ، وقد تمكنت في السنوات الأخيرة من عمل موازنة دقيقة لتجنب فقدان دعم روسيا.

يجب أن نتذكر أيضًا أن روسيا لن تواجه مشكلة في العثور على طرق طيران بديلة إلى سوريا. يمكن لموسكو أن تنقل جميع الإمدادات اللازمة، بما في ذلك المعدات العسكرية، عبر بحر قزوين وإيران، والتي يسعدها السماح للطائرات المدنية والعسكرية الروسية باستخدام مجالها الجوي على مدار 24 ساعة يوميًا لأغراض تتعلق بالعمليات العسكرية المشتركة للبلدين في سوريا.

المصدر | فاليري كوليكوف - نيو إيسترك آوتلوك - ترجمة وتحرير الخليج الجديد