السبت 14 مايو 2022 01:47 ص

أطلقت القوات الإسرائيلية النار في ساعة مبكرة من صباح الأربعاء على الصحفية الفلسطينية المخضرمة والمراسلة البارزة في قناة الجزيرة "شيرين أبو عاقلة" وذلك أثناء تغطيتها لاقتحام إسرائيلي لمخيم جنين وكانت ترتدي سترة تبين بوضوح أنها تعمل في الصحافة.

ومع انتشار أنباءالحادثة، بدأت الحكومة الإسرائيلية في نشر سلسلة من البيانات ومقاطع الفيديو التي تتناقض مع الوقائع التي حصلت وأكدها شهود العيان والصحفيين المرافقين لـ"شرين".

ونشرت وزارة الخارجية الإسرائيلية مقطع فيديو زعمت فيه أن "إطلاق النار ربما كان من جانب الإرهابيين الفلسطينيين".

وبعد ساعة بالضبط، أصدر مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي "نفتالي بينيت" بيانا حاول فيه التنصل من المسؤولية بشكل أكبر.

ونقل عن "بينيت" قوله "تشير المعلومات التي جمعناها إلى أن الفلسطينيين المسلحين - الذين كانوا يطلقون النار عشوائيا في ذلك الوقت - هم المسؤولون عن الوفاة المؤسفة للصحفية".

في غضون ذلك، نشر "حنانيا نفتالي"، وهو ناشط إسرائيلي يعمل مع رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق "بنيامين نتنياهو"، مجموعة من المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي زعم فيها أن "شيرين" دفنت على الفور تقريباً "لأن السلطة الفلسطينية تريد إخفاء الحقيقة".

وبعد 30 دقيقة، عدّل  "حنانيا" هذا الادعاء أيضًا. وقال أنه من المقرر أن تدفن "شيرين" يوم الجمعة.

ولم يمض وقت طويل قبل أن تبدأ وسائل الإعلام الغربية في تقديم القصة على أنها غير واضحة.

وقالت "هويدا عراف"، الناشطة الفلسطينية الأمريكية والمرشحة للكونجرس منذ فترة طويلة إن أياً من هذا لم يكن مفاجئاً.

وأضافت أن "آلة الدعاية الإسرائيلية تلعب دورًا كبيرًا هنا. فهي تتعمد تشويش الحقائق وتقديم معلومات خاطئة تكررها وسائل الإعلام".

وقالت صحيفة "الجارديان"، في تصويرها لمقتل "شيرين"، إن قناة الجزيرة "اتهمت" إسرائيل بقتل أحد صحفييها، ووازنت على الفور هذا الادعاء من خلال تبرير الموقف الإسرائيلي بأن الصحفي "ربما يكون قد أصيب بنيران فلسطينية".

وفي حين أن "اتهام" الجزيرة كان مدعوماً بشهادة شهود عيان، فإن التعقيب بالرواية الإسرائيلية جاء دون أي دليل.

وبالمثل، كتبت وكالة "أسوشيتيد برس" أن "شيرين قُتلت برصاصة بندقية" لإنكار أن قناصًا إسرائيليًا هو من قتلها.

كما رددت الرواية الإسرائيلية عن "ظروف فوضوية"، ونفت ادعاء "الجزيرة" عن "الاغتيال المستهدف" باعتباره مبالغة.

لكن التغطية الأكثر إثارة للقلق جاءت من صحيفة "نيويورك تايمز" التي لم تروج للرواية الإسرائيلية فحسب، بل تعمدت تحريف بيان "الجزيرة" الرسمي.

وكتبت الصحيفة إن "الجزيرة قالت أن أحد صحفييها قتل في مدينة جنين بالضفة الغربية خلال اشتباكات بين القوات الاسرائيلية ومسلحين فلسطينيين".

ولم تذكر "الجزيرة" في بيانها الاشتباكات.

وأصدرت صحيفة "نيويورك تايمز" تصحيحًا في وقت لاحق من يوم الأربعاء.

وجاء في التصويب أن "الجزيرة قالت إن الصحفية قتلت على يد القوات الإسرائيلية في مدينة جنين بالضفة الغربية؛ ولم يذكر أنها قتلت خلال اشتباكات بين القوات الإسرائيلية ومسلحين فلسطينيين".

وبالرغم من تصحيح الصحيفة، فإن الإشارة الخاطئة إلى الاشتباكات بين القوات الإسرائيلية والمقاتلين الفلسطينيين بقيت في الخبر حيث أزالت "نيويورك تايمز" نسبتها إلى "الجزيرة" فقط.

في الواقع، بحلول ظهر الخميس، كانت لا تزال تدعي أن هناك عدم يقين بشأن تفاصيل الحدث وأن الاشتباكات كانت مستمرة عندما وقع إطلاق النار.

وأدت تغطية وسائل الإعلام الغربية إلى تذمر نشطاء حقوقيين فلسطينيين في الولايات المتحدة.

ويعود جزء كبير من الغضب إلى استمرار الجرائم الإسرائيلية مع الإفلات من العقاب.

ووفقًا لمنظمة "مراسلون بلا حدود"، أصيب ما لا يقل عن 144 صحفيًا فلسطينيًا على أيدي القوات الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية منذ عام 2018.

وفي مايو/أيار 2021، دمرت الغارات الجوية الإسرائيلية برج الجلاء الذي كان يضم عددًا من مكاتب وسائل الإعلام في غزة بما في ذلك "الجزيرة" ووكالة "أسوشييتد برس".

وفي أواخر أبريل/نيسان 2022، تم تقديم شكوى رسمية إلى المحكمة الجنائية الدولية تعتبر "الاستهداف المنهجي" للصحفيين الفلسطينيين من قبل إسرائيل بمثابة جرائم حرب.

وكان نفاق التغطية الإعلامية واضحًا عندما كان الصحفيون يغطون بشكل إيجابي استخدام المدنيين الأوكرانيين زجاجات المولوتوف كشكل من أشكال المقاومة الشجاعة.

لقد أطلق الجنود الإسرائيليون النار على أطفال فلسطينيين وقتلوهم بسبب حملهم زجاجة مولوتوف ولم تسمع همسا من قبل نفس الصحفيين".

وبالرغم أن الجيش الإسرائيلي لم ينته بعد من تحقيقه، ولم ينشر سوى النتائج الأولية لتحقيقه، إلا أنه استمر في توجيه رسالة مفادها أن هناك مؤشرات على مقتل "شيرين" بنيران فلسطينية. 

وقال مسؤول إسرائيلي لصحيفة "هآرتس" إن "حملة العلاقات العامة" أثرت بالفعل على المؤسسات الإخبارية الرائدة بما في ذلك وكالة "أسوشيتيد برس" و"سكاي نيوز" وبي بي سي" ووكالة "فرانس برس".

ووصفت "ناردين كسواني، الرئيس المشارك لمنظمة "لايف تايم" وهي منظمة شعبية يقودها شباب أمريكيون فلسطينيون ومقرها مدينة نيويورك، تغطية وسائل الإعلام بأنها "مقززة ومؤلمة".

وقالت "كسواني": "لا يقولون من قتلها... إنهم يقولون فقط إنها ماتت أو أُطلق عليها الرصاص..هذا أمر مؤسف لأنها أمضت حياتها كلها في تعرية الجرائم الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني. والآن لا تبذل وسائل الإعلام الغربية الواجب في تعرية من قتلها".

ورداً على تغطية صحيفة "نيويورك تايمز"، دعت منظمة "الصوت اليهودي من أجل السلام" وهي منظمة مناهضة للصهيونية تعارض الاحتلال الإسرائيلي، أعضاءها للكتابة إلى المسؤولين في الصحيفة للمطالبة بتغطية أفضل.

وقالت مديرة الاتصال "سونيا نوكس": "بدلاً من نقل الحقائق - كما أكدها صحفيون حضروا الحادثة ولقطات الفيديو ومجموعات حقوقية مثل "بتسيلم" - قامت وسائل الإعلام الغربية ببساطة بترديد الرواية الإسرائيلية".

وهكذا، بدلاً من وصف كيف أطلق قناص عسكري إسرائيلي النار على رأس صحفية بوضوح، لدينا تقارير عن "ملابسات غير واضحة" ولا تشير لمن قتل "شيرين" بالفعل.

وأضافت "نوكس": التقارير المنحازة مثل هذه ليست عنصرية فحسب، بل إنها دعاية مجانية لنظام فصل عنصري".

وإذا استمرت التغطية الإعلامية في هذا السياق، فإنها سترقى إلى التواطؤ والتستر على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

وكما رأينا في حرب أوكرانيا، فإن التغطية الإعلامية مفيدة في تشكيل الرأي العام وتوجيه السياسة العامة.

ويتعين على وسائل الإعلام أن تبدأ في قول الحقيقة بشأن فظائع الفصل العنصري الإسرائيلي.

المصدر |  آزاد عيسى/  ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد