الاثنين 16 مايو 2022 10:00 ص

تتفاقم أزمة الاقتصاد المصري، يوما بعد الآخر، مع تزايد مديونياته الخارجية والداخلية، وتضرر محفظته المالية بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة.

ويتواصل تعثر النظام المصري في الخروج من الورطة الاقتصادية، مع مماطلة صندوق النقد الدولي في منحه قرضا جديدا، بعد 3 قروض بإجمالي نحو 20 مليار دولار، خلال أقل من 6 سنوات.

ولم ينجح نظام الرئيس "عبدالفتاح السيسي" في توظيف تلك القروض في إحداث إنعاش اقتصادي في البلاد؛ حيث ذهبت أغلب المليارات التي حصل عليها في مشروعات قومية قليلة العائد، وصفقات سلاح ضخمة أرهقت الموازنة المصرية.

ومن آن لآخر، يحاول "السيسي" تحميل المصريين الأزمة الخانقة؛ بسبب الزيادة السكانية تارة، وجائحة "كورونا" تارة، والحرب الروسية الأوكرانية تارة ثالثة.

  • خطة بيع

ووفق ما أعلنه رئيس الوزراء المصري "مصطفى مدبولي" هذا الأسبوع، فإن القاهرة بصدد طرح مجموعة واسعة من الأصول الحكومية للبيع؛ لجذب استثمارات بقيمة 40 مليار دولار خلال 4 سنوات.

وتشمل الخطة دمج أكبر 7 موانئ في شركة واحدة وطرحها في البورصة، وكذلك الحال مع عدد من الفنادق المملوكة للدولة.

إضافة إلى طرح مشروعات للنقل الحديث في البورصة، وعلى رأسها مشروعا المونوريل والقطار السريع.

وتتضمن الخطة تحديد قطاعات اقتصادية كاملة والتخارج منها لصالح القطاع الخاص.

 إضافة إلى قطاعات أخرى تنوي الحكومة المصرية تقليص ملكيتها فيها، على أن ترتفع نسبة مشاركة القطاع الخاص لتصبح 65% من حوالي 30% حاليا.

وهناك مجموعة ثالثة من القطاعات ينوي النظام المصري الاستمرار فيها خلال 3 سنوات، على أن يتيح للقطاع الخاص الدخول في مشروعات الطاقة المتجددة وتحلية المياه والتعليم والأصول المصرفية.

كذلك سيتم طرح مشروعات للقطاع الخاص في قطاع السيارات الكهربائية، وتحديث البيانات، وشبكات نقل البترول والغاز، ومحطات إسالة الغاز، وأبراج شركات الاتصالات، وإعادة تأهيل محطات الرياح.

سيولة منتظرة

وتستهدف خطة تسييل الأصول، جذب 10 مليارات دولار سنويا، وقد جرى بالفعل تحديد أصول بقيمة 15 مليار دولار بصورة فورية، تأمل الحكومة المصرية تعزيز محفظتها المالية بها.

وتواجه مصر أزمة خانقة في توفير سيولة مالية تؤمن لها احتياجاتها الخارجية من القمح والنفط، وفي الوقت ذاته تستطيع سداد التزاماتها من أقساط الديون، والحفاظ على احتياطيها من النقد الأجنبي.

وتعاني الحكومة عجزا متزايدا بالميزانية وزيادة في تكاليف الاقتراض وانخفاض قيمة العملة، وكل ذلك تفاقم بسبب ارتفاع فاتورة استيراد القمح وانخفاض عائدات السياحة في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا.

ومن المقرر سداد ديون إجمالية خلال 2022، بنحو 17.9 مليارات دولار، تتوزع بواقع 11.968 مليار دولار خلال النصف الأول، و5.956 مليارات دولار في النصف الثاني من العام الجاري، وفق تقرير رسمي صادر عن البنك المركزي المصري.

وخطة تسييل الأصول ليست جديدة من نوعها، وسبق الإعلان عنها العام 2018، ضمن خطة لبيع حصص في 23 شركة مملوكة للدولة، وفق اتفاق مع صندوق النقد، وتأجل هذا البرنامج مرارا؛ بسبب ضعف الأسواق والعقبات القانونية وجاهزية الوثائق المالية للشركات.

ومن بين الأصول التي سيتم بيعها في البورصة بنهاية عام 2022 أسهم في 10 شركات حكومية، وشركتين تابعتين للجيش، وموانئ وفنادق لم يعلن عن هويتها.

والشهر الماضي، حصل صندوق الثروة السيادي في أبوظبي (حكومي) على حصص من أصول مملوكة للحكومة المصرية، شملت "أبو قير للأسمدة والصناعات الكيماوية"، ومصر لإنتاج الأسمدة "موبكو"، (أهم شركتين في قطاع الأسمدة)، والإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع، إلى جانب شراء 18% من أسهم البنك التجاري الدولي (CIB) البنك الأكبر بالقطاع الخاص في مصر، وحصة في شركة فوري للمدفوعات الإلكترونية، بقيمة ملياري دولار.

ومن المرجح، وفق الأكاديمي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، "هاني جنينة"، رئيس قطاعي البحوث السابق في شركتي برايم وبلتون، أن تتجه الحكومة لعقد صفقات لبيع الأصول إلى صناديق ثروة سيادية عربية.

ويضيف أن تفضيل مصر لهذا التوجه يحقق هدفها بالتحصل على مستحقاتها مقابل بيع الأًصول بالعملة الأجنبية، إضافة إلى التفاوض مع إدارة تلك الصناديق حول مستقبل القطاعات الاقتصادية التي ستتخارج منها الدولة، بحسب "الجزيرة.نت".

وكان صندوق النقد طالب الحكومة المصرية، في يوليو/تموز الماضي، بتحديد قطاعات اقتصادية بعينها تنوي الدولة الاستمرار فيها، والتخارج من غيرها من القطاعات، وفق موقع "مدى مصر".

إفلاس مرتقب

وتعزز خطة البيع المخاوف المتداولة في الشارع المصري بأن البلاد على حافة الإفلاس، بعدما ارتفع الدين الخارجي نهاية الربع الثاني من العام المالي الجاري ليسجل 145.5 مليار دولار بزيادة بلغت 8.1 مليارات دولار عن الربع السابق له من نفس العام.

وقد شكلت الحكومة المصرية لجنة لترشيد ملف الاقتراض من الخارج، وهذه هي المرة الثانية التي تتخذ القرار ذاته؛ إذ سبق لها عام 2019 أن شكلت لجنة لإدارة الدين العام.

ويرى رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب المصري، الدكتور "فخري الفقي"، في حديثه لــ"سي إن إن"، أن مصر في مأزق؛ بسبب ارتفاع تكلفة الاقتراض بعد اتجاه البنوك المركزية العالمية لزيادة أسعار الفائدة، وثانيًا بسبب صعوبة الاقتراض من المانحين بعد ارتفاع حجم الدين.

الملفت أن الحكومة المصرية التي تجاهلت طوال السنوات الماضية انتقادات المعارضة للبذخ في الإنفاق على مشاريع العاصمة الإدارية الجديدة، والعلمين الجديدة، وأكبر مسجد، وأكبر كنيسة، وأكبر أوبرا، وأكبر برج، واستضافة بطولات رياضة عالمية، عادت لتقرر قصر الإنفاق على المشروعات القومية، والتي تحقق عائدا يسهم في زيادة نمو الناتج المحلي.

ويطالب رئيس قسم البحوث بشركة برايم لتداول الأوراق المالية، "عمرو حسين الألفي"، في حديثه لـ"العربي الجديد"، بوضع حد أقصى لسقف الاقتراض الخارجي لمصر، وجذب استثمارات أجنبية مباشرة، وإنشاء مشروعات ترفع من الناتج المحلي الإجمالي، وزيادة التصدير وخفض الواردات.

دراسات الجدوى

الأذهان تستعيد ما صرح به "السيسي" في منتدى أفريقيا 2018، قائلا: "وفق تقديري في مصر لو مشيت بدراسات الجدوى وجعلتها العامل الحاسم في حل المسائل كنا هنحقق 20-25% فقط مما حققناه".

ويبدو أن البلاد تدفع عمليا ثمن تغييب دراسات الجدوى، وتجاهل انتقادات الخبراء والمعارضين، وإهدار قروض مليارية في مشروعات قليلة العائد، لتجد نفسها أمام سيناريو "مزاد علني" لطرح  أصول الدولة للبيع.

وتتصدر الإمارات والسعودية ودول الخليج، وكبريات الشركات الدولية، أبرز الراغبين في الاستحواذ على الشركات المصرية ذات الربحية، وذات الأهمية في قطاعات حساسة.

ومن أبرز الشركات المرجح بيع حصص منها قريبا، شركة مصر لتأمينات الحياة، ومصر الجديدة للإسكان، والشركة الوطنية لتعبئة المياه الطبيعية (صافي)، والشركة الوطنية لإنتاج وتوزيع المواد البترولية (وطنية)، وشركة "هيرميس".

وإضافة إلى مجمع التحرير، ومحطات الطاقة الكهربائية والشمسية، هناك الأراضي المملوكة لشركات: الحديد والصلب المصرية، والنصر لصناعة الكوك (الفحم)، والنصر لصناعة المطروقات، والأهلية للأسمنت، والمصرية للجبسيات، والقابضة للغزل والنسيج، والقابضة للنقل البحري والبري، والقابضة للتأمين، والقابضة للتشييد والتعمير، والقابضة للأدوية، والقومية للأسمنت.

محفظة مصر المالية في مأزق خطير، ربما بات يشكل أحد أبرز معالم "الجمهورية الجديدة" التي يروج لها نظام "السيسي"، بعد 8 سنوات في الحكم؛ لينتهي المطاف بمطالبة المصريين بالصبر مجددا، ووضع ثروات البلاد في مزاد علني للبيع.

المصدر | الخليج الجديد