السبت 21 مايو 2022 04:12 م

لا تقتصر محاولات موسكو لتغيير سياسات البلدان الأخرى لصالحها على الإجراءات العسكرية في أوكرانيا. فبينما الحرب مستمرة، يعمل الكرملين على الفوز بدعم الدول غير الغربية في مواجهة الولايات المتحدة وأوروبا. وفي الوقت نفسه، لا يزال يأمل في تقسيم الغرب وتحديد البلدان التي يمكن أن تكون بمثابة وكلاء للمصالح الروسية.

ومن الممكن تحديد 3 استراتيجيات جيوسياسية روسية.

تقوم الأولى على محاولة إنشاء كتلة مناهضة للغرب من خلال اتحاد مع الصين ودول آسيوية وشرق أوسطية أخرى. وحتى قبل حرب أوكرانيا، شدد الخبراء الروس على على ضرورة تدشين كتلة تقنية واقتصادية مستقلة عن الغرب.

وحاليا، لم يعد الخبراء الروس يخفون أن إنشاء مثل هذا التكتل يهدف إلى تعزيز الميول المناهضة للغرب لدى حلفاء روسيا المحتملين. وتستخدم موسكو الماضي الاستعماري الغربي لتنفير شركاءها المحتملين من الغرب وتسعى إلى تقديم نفسها كأعظم مدافع عنهم.

يشار إلى أن وزير الخارجية الروسي "سيرجي لافروف" قال إن "العملية العسكرية في أوكرانيا تساهم في تحرير العالم من الاضطهاد الغربي ما بعد مرحلة الاستعمار".

تقوم الاستراتيجية الثانية على محاولة مغازلة أكثر الدول الغربية ميلا لروسيا واستخدامها كـ "وكلاء للتأثير" في الهياكل الدولية. وغالبًا ما تشير وسائل الإعلام الروسية إلى المجر وصربيا في هذا الصدد.

ويصف الباحثون في "معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية" المجر بـ "أحد الدول القليلة التي تدعم روسيا علانية". ومن خلال كونها عضوًا في الاتحاد الأوروبي ودعمها للجانب الروسي بطريقة متوازنة في الوقت ذاته، يمكن أن تستمر بودابست في الاستفادة من العلاقات مع روسيا.

أما بالنسبة لصربيا، فيشير الخبراء السياسيون المؤيدون للكرملين إلى أن موسكو يجب ألا تظهر سخطها على السياسات "متعددة المحاور" للرئيس "ألكسندر فوسيتش" أو تمنع تكامل بلده في الاتحاد الأوروبي.

وفي رأيهم، قد تؤدي سياسة بلجراد الموالية بشدة لروسيا (إذا انفتحت أكثر على موسكو) إلى زيادة الضغط على صربيا، في حين أن "الموقف الماكر لـ"فوسيتش" يسمح بالحفاظ على الانقسام الأوروبي وتعزيزه فيما يتعلق بقضية التعاون مع روسيا في مجال الطاقة".

ووفقًا للمحلل السياسي "لجوبومير فيليبوفيتش"، فإن النفوذ الروسي قوي في صربيا ومن المرجح أن يستمر حتى لو تم دمج البلاد بالكامل في الاتحاد الأوروبي. وخلال السنوات الـ8 الماضية، روجت وسائل الإعلام الصربية المقربة من الحكومة لسردية الكرملين فيما يتعلق بالصراع مع أوكرانيا.

وأشار "فيليبوفيتش" إلى أن هذه السياسة تعود جزئيًا لاعتماد صربيا على روسيا والصين في عملية كوسوفو، كما تعود إلى اعتمادها على الغاز الطبيعي الروسي.

وكان نتيجة هذه البروباجاندا هي زيادة الفصائل المتطرفة في موالاتها لروسيا في البرلمان الصربي وكذلك دعم العديد من الصرب للغزو الروسي لأوكرانيا. وللمرة الأولى في التاريخ، أعرب عدد كبير من الصرب في أبريل/نيسان عن معارضتهم للدخول إلى الاتحاد الأوروبي (44% من المعارضين مقابل 34% من الداعمين). وتشير نتائج استطلاعات الرأي إلى تحول في المزاج العام ضد "ضغوط الاتحاد الأوروبي على صربيا فيما يتعلق بفرض عقوبات ضد روسيا".

ويرى "فيليبوفيتش" أن النفوذ الصربي في البلقان هو المصدر الرئيسي للبروباجاندا الروسية في المنطقة، ويأتي ذلك في المقام الأول من خلال الكنيسة الأرثوذكسية الصربية.

ولا يمكن أن نغفل الاعتماد الاقتصادي لدول البلقان على السياح الروس. ومن الجدير بالذكر أن مونتينيجرو المحاذية لصربيا لم تفرض عقوبات بعد على ممتلكات الأوليجارش الروس الموجودين في البللد.

أما استراتيجية موسكو الجيوسياسية الثالثة فتتمثل في زعزعة استقرار البلدان الأخرى لجعلها أكثر عرضة للضغط. وتظهر هذه الاستراتيجية بشكل واضح في دول البلقان، ويبدو الهدف المباشر هو إجبار هذه البلدان على الاعتماد على جهود "حفظ السلام" الروسية؛ في حين أن الهدف الأبعد قد يكون خلق أزمة جديدة واسعة النطاق قد تصبح "جبهة ثانية" أمام الغرب.

ووفقًا لـ"فيليبوفيتش"، تفتقر موسكو حاليًا إلى الموارد اللازمة لإثارة أزمة كاملة، لكن المنطقة لا تزال على حافة صراع.

ويرى الخبير السياسي المؤيد للكرملين "ديمتري ييفستافييف" أنه من الضروري تحديد "الدول ذات الروابط الضعيفة مع الغرب" واستغلالها، وتعد تركيا مثالا في هذا الصدد.

وعلى حد تعبيره فإن "روسيا يجب أن تستخدم أساليب الضغط السياسي والجيو-اقتصادي لتأمين دعم أنقرة في ملف أوكرانيا خاصة مع الأزمة الاقتصادية التي تضرب تركيا". لكن خبير السياسة الخارجية التركية "فيريت تيمور" يشكك في جدوى هذه السياسة، حيث ذكر أن أنقرة أنشأت وطورت تعاونًا دفاعيًا مع كييف قبل فترة طويلة من التدخل العسكري الروسي.

وأضاف أن التأثير العسكري والسياسي والاقتصادي الروسي في تركيا محدود بشكل عام، كما أن محاولات الضغط على تركيا "الصديقة" من شأنها أن تضر روسيا نفسها التي تتعرض بالفعل لعزلة خطيرة على الساحة الدولية.

وافترض الخبير التركي أن أقصى ما قد تحققه موسكو هو تأمين حياد تركيا تجاه حرب أوكرانيا؛ لكن سيكون من المستحيل على روسيا جذب تركيا (العضو في حلف الناتو) من الناحية العسكرية والسياسية.

وأشار الخبير "ييفستافييف" المؤيد للكرملين إلى اليابان باعتبارها ثاني "رابط ضعيف بالغرب"؛ لكن الأدلة تشير لعكس ذلك هنا أيضًا. فقد استشهد الدبلوماسيون الأوكرانيون بالفعل بالمستوى "غير المحدود" من الدعم الذي تتلقاه كييف من طوكيو، بما في ذلك الاشتراك في حملة العقوبات ضد روسيا، وقبول اللاجئين، والدعم الهائل لأوكرانيا بين المجتمع الياباني.

ومع ذلك، فإن الكرملين لن يتخلى عن محاولاته لزعزعة استقرار الغرب وتقسيمه، ويمكن أن تحاول روسيا استغلال أي صعوبات محلية أو داخلية في الدول الغربية لتحقيق أهدافها.

المصدر | كسينيا كيريلوفا/ جيمس تاون - ترجمة وتحرير الخليج الجديد