تلقي زيارة الرئيس الأمريكي "جو بايدن" إلى الشرق الأوسط بمستوى جديد من الشكوك حول جهود إدارته لإظهار الغزو الروسي لأوكرانيا باعتباره انتهاكا للمبادئ العالمية المتعلقة بالقانون والديمقراطية.

وبالرغم أنه وعد سابقا بتحويل السعودية إلى "دولة منبوذة"، يتجه "بايدن" إلى الرياض على خلفية أزمة طاقة تهدد إدارته سياسيًا.

وجاءت إسرائيل كأول محطة في جولة "بايدن" الشرق أوسطية، ويبدو أن السبب في ذلك يتعلق بأغراض سياسية داخلية أكثر من الأهداف الإقليمية التي يجري الترويج لها، ومن غير المتوقع أن ينجح "بايدن" في تحقيق كثير من التقدم في السياسة التي أرساها "ترامب".

وكانت مبررات "بايدن" لزيارة السعودية تتمحور أيضا حول "الأمن القومي للإسرائيليين". ومن المتوقع أن تؤدي الزيارة إلى بعض الترقيات الإضافية في العلاقات السعودية الإسرائيلية، مثل حقوق الطيران فوق المملكة، لكن دون تحقيق علاقات كاملة.

الأهم من ذلك ربما تكون قيادة الولايات المتحدة المحتملة لتحالف دفاعي (جوي وصاروخي) مناهض لإيران يضم إسرائيل والعديد من الدول العربية (لن تقتصر على الدول الموقعة على اتفاقيات إبراهيم). وقد يكون ذلك على جدول أعمال الاجتماعات الرسمية أو الجانبية خلال قمة "بايدن" مع قادة مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن والعراق في جدة.

مصالح مشكوك فيها

يمكن توقع تحقيق مصالح لمصنعي الأسلحة الأمريكيين خلال هذه الزيارة، لكن من الصعب معرفة مدى الفائدة بالنسبة للمصالح الأمريكية الأوسع.

هناك بالفعل تعاون هادئ ومتردد بين إسرائيل والدول العربية التي لم تنضم لاتفاقيات إبراهيم، لكن إخراج هذه العلاقات إلى دائرة الضوء قبل الأوان، لاستخدامها كغطاء للزيارة الرئاسية الخجولة وغير الموفقة، سيكون له سلبيات أكثر من الإيجابيات.

حتى من الناحية السياسية الضيقة، فإن انخراط "بايدن" في قطار التطبيع سيحقق الفتات بالمقارنة مع الولائم الحقيقية التي حققها "ترامب"، وسيظهر ذلك إدارة "بايدن" باعتبارها نسخة أقل قدرة من سابقتها.

ومع ذلك، فإن الحاجة إلى تصحيح مسار "بايدن" في الشرق الأوسط يجب أن يكون أعمق بكثير. يجب أن يركز "بايدن" على تخفيف التوترات الإقليمية، وعلى تقليص التطبيق الانتقائي للمعايير في الشرق الأوسط مقارنة بغزو روسيا لأوكرانيا، وعلى مواجهة نقطة الضعف الخطيرة في معادلة التطبيع والمتمثلة في معاملة إسرائيل للفلسطينيين.

الاستمرار في مسار "ترامب"

كان التطبيع الذي أقصى الفلسطينيين ثمرة للتعاون بين "كوشنر" و"نتنياهو" و"محمد بن زايد"، وتم تصميمه لمنح إسرائيل حرية أكبر في سحق الحقوق الفلسطينية والتقدم في المقاربة العسكرية الصفرية. ولا يجب أن تكون إدارة "بايدن" جزءا من هذا المسار.

وتتمتع الإدارات الأمريكية بتاريخ طويل من الفشل عندما يتعلق الأمر بالتقدم في السلام، أو محاسبة إسرائيل، أو الدفاع عن حقوق الفلسطينيين. لكن "ترامب" أخذ احتضان أمريكا للانتهاكات الإسرائيلية  إلى مستوى جديد تمامًا.

ومع تأييد إدارة "بايدن" غير المشروط لاتفاقيات إبراهيم والاحتفاظ بالسفارة الأمريكية في القدس والحفاظ على الإدراج غير المسبوق لمستوطنات إسرائيل غير القانونية في الاتفاقات الثنائية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، فقد أثبتت هذه الإدارة أنها تسير على خطى "ترامب" في هذه القضية، ومن غير المتوقع أن تغير هذه السياسات.

تستمر إسرائيل في الاستمتاع بمساعدات غير مشروطة وغطاء دبلوماسي أمريكي كامل في المنتديات الدولية، ولم تتحمل أبدًا مسؤولية أفعالها غير القانونية وانتهاكاتها لحقوق الإنسان، بما في ذلك إفقار الفلسطينيين في غزة، الذين عانوا لأكثر من عقد ونصف من حصار إسرائيلي شامل.

ويعد البيان الأمريكي المتعلق بقتل إسرائيل للصحفية "شيرين أبوعاقلة" (سعى إلى التقليل من دور إسرائيل) هو أحدث إضافة لسجل "بايدن" الهزيل. كما فشل الرئيس الأمريكي في تنفيذ الوعود الخجولة بإعادة فتح القنصلية الأمريكية للفلسطينيين في القدس الشرقية بسبب الاعتراضات الإسرائيلية.

وهناك مجالان فقط حاد فيهما "بايدن" عن سياسة "ترامب"، ولكن لا نتائج مرجوة منهما تقريبًا. فقد استأنف هو وفريقه ترديد الكلام الخطابي الخاص بـ"حل الدولتين"، كما أضاف نقطة خطابية جديدة وهي "ضرورة استمتاع الإسرائيليين والفلسطينيين بمستويات متساوية من الحرية والأمن والازدهار والديمقراطية".

ونظرًا لأن عدم المساواة تتفاقم بشكل كبير نتيجة الأفعال الإسرائيلية، فإن هذه العبارة تبدو غطاء لسياسة إهمال خبيثة.

فجوة بين الأقوال والأفعال

أعادت إدارة "بايدن" تأسيس قنوات اتصال مع السلطة الفلسطينية وقيادة "منظمة التحرير الفلسطينية"، لكن الأهم من ذلك أن الإدارة التي تقدم نفسها على أنها تقود معركة عالمية بين الديمقراطية والسلطوية فشلت في تأمين الامتثال الإسرائيلي اللازم لإجراء الانتخابات الفلسطينية، أو محاسبة قادة السلطة الفلسطينية (الذين أصبحوا معزولين بشكل متزايد) عندما تم تأجيل الانتخابات لأجل غير مسمى في أبريل/نيسان الماضي.

ولا تعد السياسة الأمريكية تجاه الملف الفلسطيني أمرا جديدا لكن ما يجعل هذه اللحظة كاشفة للغاية ويجعل رسالة هذه الزيارة لا تطاق هو السياق الجيوسياسي الجديد. إن نغمة الحملة الأخلاقية التي تبنتها واشنطن فيما يتعلق بغزو روسيا لأوكرانيا أظهرت بوضوح مدى التناقض بين ما تقوله الولايات المتحدة وما تفعله.

كتب "بايدن" في مقاله في صحيفة "واشنطن بوست" (الذي برر فيه زيارته) عن تطبيق المعايير العالمية لحقوق الإنسان في الشرق الأوسط، وعن دعم الحريات الأساسية وإنهاء المهام القتالية الأمريكية في المنطقة. وكلها أهداف جديرة بالثناء، لكن الواقع أن هذه الأهداف مجرد أقوال لا تدعمها أي أفعال.

وتظهر هذه الزيارة الفجوة الآخذة في الاتساع بين تلك الكلمات وحقائق السياسة الأمريكية التي تسببت في معاناة الملايين في الشرق الأوسط نتيجة مغازلة الولايات المتحدة لمنتهكي حقوق الإنسان وصفقات الأسلحة الأمريكية.

المصدر | دانيال ليفي | ريسبونسبل ستيتكرافت - ترجمة وتحرير الخليج الجديد