سلطت مجلة "بوليتيكو" الضوء، الثلاثاء، على خلفيات الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني إلى السعودية، مشيرة إلى أن توقيت الزيارة، التي يكسر بيها "شي جين بينج" عزلة دبلوماسية استمرت عامين، يؤشر إلى سعي بكين لاستغلال التوترات بين الرياض وواشنطن.

فالزيارة، التي أكد مصدر سعودي مطلع إجراءها هذا الأسبوع، تأتي بعد شهر من زيارة الرئيس الأمريكي "جو بايدن" إلى جدة، وما كشفته من توترات لاتزال عالقة بين السعودية والولايات المتحدة، حسبما أوردهت المجلة الأمريكية في تقرير تحليلي.

وأشار التقرير إلى توقعات باحتفاء سعودي كبير بزيارة الرئيس الصيني، إذ ستخلو من الأسئلة المزعجة للرياض بشأن سجل حقوق الإنسان، على عكس زيارة "بايدن".

ولا تؤكد الزيارة على النفوذ العالمي المتنامي للصين فحسب، بل تتيح لولي العهد السعودي، الأمير "محمد بن سلمان"، توجيه رسالة إلى إدارة "بايدن" مفادها أن "الولايات المتحدة لديها منافس جاد" في الرياض.

ويعزز توقيت الزيارة الهدف السعودي، إذ يمنح الرياض الفرصة لإبراز مقارنة تعبيرات "شي جين بينج" و"بن سلمان" في محادثاتهما الثنائية وبين نظيرتها خلال زيارة "بايدن" المثيرة للجدل في يوليو/تموز الماضي.

ومن جانب الصين، يعد اختيار "شي جين بينج" للسعودية كأول وجهة خارجية له منذ يناير/كانون الثاني 2020 بمثابة انتصار دبلوماسي مزدوج، إذ ستقدم الزيارة تأكيدًا رفيع المستوى للعلاقات الحميمة مع مورد رئيسي للطاقة، وستسمح بإبراز القوة الصينية دون أي إحراج، يتعلق باحتجاجات عامة حول انتهاكات بكين بحق تايوان أو مسلمي الإيجور.

وهنا يلفت الأستاذ المشارك في استراتيجية الأمن القومي بالكلية الحربية الوطنية "دون مورفي"، إلى أن "شي جين بينج اختار السعودية كوجهة أولى بعد عزلة دبلوماسية لأنه يريد الذهاب إلى بلد حيث سيكون له فيها استقبال إيجابي".

وفي هذا الإطار، يرى المدير السابق لشؤون الشرق الأوسط بمجلس الأمن القومي الأمريكي، المدير العام لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، "مايكل سينج"، أن استراتيجية الصين نحو السعودية تستهدف إظهار أنها "الشريك الأكثر موثوقية والأفضل لدول الشرق الأوسط من الولايات المتحدة"، لكن دون التصريح بهكذا رسالة بشكل مباشر.

غير أن "سينج" يرى أن السعوديين "لا يتطلعون فعليًا إلى الابتعاد عن الولايات المتحدة، لكنهم يبحثون عن نفوذ في العلاقة معها"، عبر مزيد من تعميق العلاقات مع الصين.

ويشير المحلل الأمريكي إلى أن "نهج السعودية المماثل للصين في عدم التسامح تجاه المعارضة يجعل من الرياض وجهة جذابة لشي جين بينج كي يعيد إطلاق جهوده الدبلوماسية الدولية".

وينوه "سينج" إلى أن العلاقة الاقتصادية هي البوابة الوثيقة لتمتين الشراكة الاستراتيجية بين الرياض وبكين، التي تم توقيعها في عام 2016، وترتبط أساسا بـ"تعاون مستقر طويل الأجل في مجال الطاقة".

ويشير المحلل الأمريكي إلى أن قيمة التجارة الثنائية بين البلدين بلغت 65.2 مليار دولار في عام 2020، وأن شركة النفط السعودية، المملوكة للدولة، "أرامكو"، وقعت مذكرة تفاهم مع شركة سينوبك الصينية، المملوكة للدولة، في مجالات صناعية عديدة، تشمل إنتاج الطاقة من الهيدروجين، بعد أسابيع من زيارة "بايدن" إلى جدة.

فيما يلفت مراقبون قدامى للعلاقات السعودية الصينية، ومنهم "ديفيد ساترفيلد"، نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق، إلى أن زيارة "شي جين بينج" هذا الأسبوع ستكون "فرصة لإظهار ترقية حاسمة في العلاقات بين الرياض وبكين من خلال متابعة التزام، لم يتم الوفاء به بعد، بالتخلي عن إجراء معاملات النفط المتبادلة بالدولار الأمريكي، وتحويلها إلى اليوان الصيني".

يتوقع "سينج" هذا الأمر أيضا، ويراه رسالة "موجهة إلى هيمنة الدولار من شأنها تخفيف قوة العقوبات الأمريكية"، لكنه لا يراها رسالة جوهرية، و"سيكون لها تأثير ضئيل على هيمنة الدولار الأمريكي في سوق النفط العالمية"، حسب تقديره.

ويشارك "ساترفيلد" "سينج" التقدير ذاته، قائلا: "هناك عملة واحدة لتسعير النفط، هي الدولار، وليست الروبل وليست اليوان".

كما يستند تقدير "ساترفيلد" إلى عامل سياسي، يعتبره "حجر الزاوية في العلاقات الأمريكية السعودية"، وهو موقف الرياض تجاه طهران، ومخاوفها بشأن التهديد الإيراني المحتمل، "الأمر الذي يمنع الصين من استبدال الهيمنة الأمريكية، باعتبارها الحليف المفضل للسعودية، في أي وقت قريب"، حسب قوله.

ويضيف المسؤول الأمريكي السابق: "الولايات المتحدة لا تزال الشريك الأمني ​​المهم للسعودية؛ لأن إيران لا تزال أهم مصدر لتهديد المملكة ودول الخليج (..) ولأن الصين غير مهتمة بمواجهة إيران، فلا يمكنها أن تكون شريكًا (للمملكة) بأي معنى في نزاع بين الرياض وطهران".

ويعزز من هكذا تقدير أن احتياج الرياض إلى بكين في التزود بالمعدات والتكنولوجيا العسكرية لم يعد كالسابق، ففي وقت سابق من أغسطس/آب الجاري، أعلنت إدارة "بايدن" عن حزمة أسلحة بقيمة 3.05 مليار دولار للرياض، بما في ذلك بيع محتمل لبطاريات صواريخ باتريوت.

ولذا يرى السفير الأمريكي السابق لدى السعودية "روبرت جوردان" أن "السعوديين لا يريدون قطع العلاقات مع الولايات المتحدة"، مؤكدا أن "زيارة بايدن الأخيرة إلى جدة ساعدت في تنشيط بعض العلاقات الثنائية".

ويضيف "جوردان": "لديهم (السعوديون) خيارات، وهم ليسوا حقًا في علاقة حصرية مع الصين، إنهم سعداء بالثبات (في وجه الضغوط الأمريكية)، لكنهم لا يريدون الزواج (من بكين)".

المصدر | الخليج الجديد + متابعات