الثلاثاء 20 سبتمبر 2022 10:31 م

في 22 يوليو/تموز الماضي، تم التوقيع على مبادرة "الشحن الآمن للحبوب والمواد الغذائية من الموانئ الأوكرانية"، وهو ما عرف بـ"اتفاقية الحبوب" في إسطنبول. وتضمن الاتفاق إعادة فتح 3 موانئ أوكرانية على البحر الأسود لنقل الحبوب. وبالفعل غادرت أول سفينة حبوب من ميناء أوديسا في 1 أغسطس/آب الماضي.

ومنذ ذلك الحين، نقلت 113 سفينة حوالي 2.37 مليون طن من المنتجات الزراعية الأوكرانية إلى موانئ مصر واليمن وإسرائيل وإيران والهند والصين وكوريا الجنوبية وليبيا والصومال والسودان وجيبوتي وتركيا والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

وحاليا، تغادر 4 إلى 5 سفن تصل حمولتها الإجمالية إلى 90 ألف طن من المنتجات الزراعية موانئ أوكرانيا كل يوم. وكانت أكبر قافلة مكونة من 6 سفن محملة بـ147 ألف طن من الحبوب الأوكرانية، وغادرت ميناء أوديسا في 28 أغسطس/آب الماضي.

وإلى جانب الجهود المبذولة لتنفيذ اتفاقية الحبوب، تواصل أوكرانيا تحسين لوجستيات التصدير على طول نهر الدانوب. وكان المرور عبر قناة "بيستر" (متفرعة من نهر الدانوب) يصل إلى 4 سفن يوميًا في يوليو/تموز الماضي، ثم ارتفع 7 سفن بحلول نهاية أغسطس/آب الماضي.

وتجدر الإشارة إلى أن الممر المائي بيستر - الدانوب - البحر الأسود أصبح متاحًا لمرور الحبوب في أوائل يوليو/تموز الماضي، بعد تحرير القوات الأوكرانية لجزيرة الأفعى. وكان الوصول إلى موانئ الدانوب الأوكرانية قبل ذلك ممكنًا فقط عبر قناة سولينا التي تمر عبر الأراضي الرومانية.

وبشكل عام، أظهرت كييف زيادة كبيرة في إعادة شحن المنتجات الزراعية عبر الموانئ. وإذا عملت الموانئ الأوكرانية على تصدير 16500 طن فقط من المنتجات الزراعية في مارس/آذار الماضي، فإن أوكرانيا تخطط حاليا لتصدير ما لا يقل عن 3 ملايين طن من الحبوب والمواد الغذائية عبر الموانئ البحرية غير المحظورة وما مجموعه 8 ملايين طن من خلال جميع وسائل النقل.

في الواقع، كان لـ"اتفاقية الحبوب" فوائد كبيرة لكافة الأطراف. ومع ذلك، بدأ الكرملين في التشكيك في هذا الأمر، ما يشير إلى نية روسية لإبطاء الاتفاقية وتقويضها. وقال مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة "فاسيل نيبينزيا" إن بلاده غير قادرة على تصدير سفينة طعام واحدة بعد اتفاقية الحبوب.

لذلك قد ترفض موسكو تمديد الاتفاقية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. لكن تبدو مثل هذه الحجة مشكوك فيها للغاية لأن اتفاقية الحبوب تتعلق بنقل الحبوب والمنتجات الغذائية من الموانئ البحرية الأوكرانية، والتي تم حصارها في بداية الغزو الروسي. في الوقت نفسه، لم يقم أحد بإغلاق الموانئ الروسية أو التدخل في الخدمات اللوجستية لصادرات الحبوب في موسكو. بالإضافة إلى ذلك، لا تنطبق العقوبات الغربية على الغذاء الروسي.

وقال الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" في خطابه في المنتدى الاقتصادي الشرقي السابع في فلاديفوستوك إن سفينتين فقط من أصل 80 سفينة محملة بالطعام من أوكرانيا ذهبت إلى أفقر البلدان، أما الباقي فقد تم إرساله إلى أوروبا. وأضاف "بوتين" أن "حجم مشاكل الغذاء في العالم سيزداد مع مثل هذا النهج".

وتنقل أوكرانيا 37% من صادراتها من الحبوب إلى الاتحاد الأوروبي، وتشمل الوجهات الرئيسية إسبانيا والبرتغال التي تعد أسواق تقليدية لحبوب كييف. ومع ذلك فإن نسبة 37% لا تقترب من 78 سفينة من أصل 80 سفينة، كما يزعم "بوتين".

وفي الواقع، تم توجيه ما يقرب من ثلثي الحبوب الأوكرانية، التي أرسلتها كييف بالفعل عبر "ممر الحبوب"، إلى آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط. وتم إرسال 16 سفينة تحمل ما يقرب من 500 ألف طن من المساعدات الغذائية الحيوية إلى أفريقيا التي على وشك كارثة إنسانية، بحسب الأمم المتحدة.

وعلى وجه التحديد، شحن برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة سفينتين تحملان أكثر من 60 ألف طن من الحبوب إلي الدول التي تعاني من أزمة الغذاء. وبفضل شركاء الأمم المتحدة، تم بالفعل شراء 190 ألف طن أخرى من الحبوب الأوكرانية لتصديرها إلى أفريقيا.

وتجدر الإشارة إلى أن اتفاقية الحبوب التي وقعتها أوكرانيا والأمم المتحدة وتركيا لا تنص على أي قيود على وجهات التصدير. وقد شدد "ميخايلو بودولاك"، مستشار رئيس مكتب الرئيس الأوكراني أنه "لا يمكن لروسيا أن تملي على روسيا أين ترسل حبوبها، ولا يمكن لأوكرانيا أن تملي على روسيا الأمر ذاته".

وفي الواقع، كان ابتزاز الكرملين هو السبب الرئيسي وراء ارتفاع أسعار عقود القمح الآجلة بنحو 7%. ولا شك أن ارتفاع أسعار الحبوب يؤدي إلى تفاقم أزمة الغذاء الحادة بالفعل في البلدان الفقيرة. وقد تشرع موسكو في مراجعة اتفاقية الحبوب مع اقتراب نوفمبر/تشرين الثاني، وقد يفاقم ذلك الززمة في الدول الفقيرة. لكن إذا انسحبت موسكو من الاتفاقية فلن تكون قادرة على إغلاق جميع المياه الساحلية لأوكرانيا.

ويتطلب الحصار البحري الشامل انتشار السفن الحربية بشكل كبير لكن بعد غرق الطراد الروسي "موسكفا"، يتم الآن إخفاء السفن المتبقية من أسطول البحر الأسود بالقرب من ساحل القرم بعيدًا عن مدى الصواريخ الأوكرانية المضادة للسفن .

وفي 12 سبتمبر/أيلول الجاري، اتهمت وزارة الخارجية الروسية الغرب بتعطيل مذكرة التفاهم بين الاتحاد الروسي والأمم المتحدة بشأن تصدير المنتجات الزراعية، والتي جرى توقيعها في إسطنبول في نفس وقت اتفاقية الحبوب.

لكن تفاصيل هذه المذكرة ليست متاحة للجمهور؛ وهي موجودة فقط في وسائل الإعلام الروسية التي تدعي أنها تتضمن التزامات من قبل الأمم المتحدة لإزالة "العقبات التي أنشأتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في مجالات التمويل والتأمين والخدمات اللوجستية" لضمان تصدير المنتجات الزراعية الروسية إلى الأسواق العالمية.

ومن غير الواضح كيف يمكن للأمم المتحدة أن تضمن أمورًا خارج نطاق اختصاصها. ومن المشكوك فيه أن وزارة الخارجية الروسية ليست على دراية بالمدى الحقيقي لسلطة الأمم المتحدة. ومن الأكيد أن روسيا لم توافق على "اتفاقية الحبوب" من أجل الأطفال الأفارقة، لكن لتعزيز مصالحها الاقتصادية الخاصة.

في النهاية، من غير المحتمل أن تكون العوامل التي أجبرت موسكو على توقيع صفقة الحبوب قد تغيرت. ومع ذلك لا ينبغي استبعاد سيناريو تراجع الكرملين عن صفقة الحبوب وتصعيد الحرب في البحر.

المصدر | إيهور كابانينكو | جيمس تاون - ترجمة وتحرير الخليج الجديد