اليوم الوطني السعودي.. تطور سردية تشكيل الدولة

الأربعاء 28 سبتمبر 2022 04:40 م

تحتفل المملكة العربية السعودية في 23 سبتمبر/أيلول بعيدها الوطني إحياء لذكرى توحيد المملكة على يد الملك "عبدالعزيز آل سعود" في عام 1932. وجعل الملك "عبدالله بن عبدالعزيز" هذا اليوم عطلة رسمية في عام 2005. وبعد 10 سنوات، تزايدت النزعة القومية حيث لوحظ تغيير في الاحتفال في عهد الملك "سلمان بن عبدالعزيز" من مجرد عرض للعلم ليصبح اليوم الوطني بمثابة تعبئة وطنية تقديراً لدور الأسرة الحاكمة في تشكيل الدولة.

وفي فبراير/شباط الماضي، أعلنت الحكومة السعودية عن احتفال إضافي، يوم التأسيس، إحياءً لذكرى تأسيس الدولة السعودية الأولى في عام 1727. وأصبحت مثل هذه الاحتفالات عنصرًا حاسمًا في البناء المستمر للسرد الوطني للمملكة العربية السعودية، مما يبرز مركزية الأسرة الحاكمة وعائلتها.

وعلى مر السنين، حاول قادة السعودية إحياء المناسبات الوطنية بشكل أكثر صخبا إلا أن ردود فعل علماء الدين، الذين الذين كانوا يرون أن مثل هذه الاحتفالات تتعارض مع التقاليد الإسلامية، غالبًا ما عرقلت هذه الجهود.

وفي عام 1950، قررت الحكومة السعودية الاحتفال بمناسبة مرور 50 عاما على دخول الملك "عبدالعزيز" الرياض، لكن تم إلغاء تلك الفعالية بسبب اعتراض كبار علماء الدين. وفي يناير/كانون الثاني 1999، أعلن القادة السعوديون عن خططهم للاحتفال بذكرى مرور 100 عام على الحدث نفسه وفاء لعهد "الأب المؤسس"، ودوره في توحيد المملكة، إلا أن علماء الدين أعربوا مرة أخرى عن عدم موافقتهم، وتداولوا فتاوى تحرم الاحتفال.

وبالرغم من مضي الحكومة قدمًا في الاحتفال، اقتصر الحدث على مقالات صحفية ومنشورات من قبل مؤسسات الدولة تؤكد على أهمية المناسبة في ظل غياب المشاركة النشطة على الصعيد الوطني.

واستضاف الحرس الوطني السعودي الذي كان يقوده الأمير "عبدالله" منذ عام 1963 (قبل توليه منصب الملك) افتتاح مهرجان الجنادرية للثقافة والتراث في عام 1985. ويهدف هذا الحدث السنوي الذي يستمر أسبوعين بالقرب من الرياض، إلى استعراض وتعزيز النسيج الثقافي المتنوع المملكة مع إبراز دور الملك "عبدالعزيز" في توحيد البلاد. ومع ذلك، شرعت الدولة فقط في عهد الملك "عبدالله" في حملة جادة لتعزيز لتعزيز الحس الوطني، من خلال تشجيع المواطنين على المشاركة في مثل هذه الفعاليات، حيث صدر قرار يقضي بمنح عطلة للموظفين والطلاب.

وكان لمثل هذه الاحتفالات أهمية خاصة بعد أن شهدت البلاد فترة من الهجمات الإرهابية المتزايدة. ومع ذلك، استمر علماء الدين في نشر الفتاوى والتحدث على شاشات التلفزيون للطعن في الحدث وعدم التشجيع على المشاركة. وفي ذلك الوقت، كان اليوم الوطني يفتقر إلى التنظيم والرؤية الوطنية الواضحة وخيارات الترفيه لجذب الجماهير، لذلك كانت الاحتفالات السنوية فوضوية ومزعجة في الغالب.

وكانت أجواء اليوم الوطني، وسلوك الشباب السعوديين المحتفلين، تثير حفيظة رجال الدين وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي كانت تراقب الأحداث عن كثب، ما أدى إلى اعتقالات وحتى حوادث سيارات مميتة.

وفي عهد الملك "سلمان"، سمحت حملة القمع التي شنتها الدولة على رجال الدين بازدهار الاحتفالات الوطنية دون تدخل أو ممانعة. وحاليا، تروج مؤسسات الدولة والقنوات التلفزيونية للقومية بشكل يومي بدلاً من قصر التعبير عن الروح الوطنية في يوم أو سلسلة من الأحداث السنوية. وقد وسّع القادة السعوديون السردية الوطنية إلى ما هو أبعد من حقبة ومساهمات الملك "عبدالعزيز" للتأكيد على ماضي الأسرة الحاكمة وأثرها. وكان هذا هو سبب اعتماد احتفال وطني إضافي وهو "يوم التأسيس" في 22 فبراير/شباط.

وعقب الإعلان، أوضحت قنوات إخبارية وصحف سعودية أن يوم التأسيس لم يحل محل العيد الوطني - ففي الوقت الذي يركز اليوم الوطني على إرث الملك "عبدالعزيز" كمؤسس الدولة السعودية الحديثة عام 1932، يأتي يوم التأسيس للاحتفال بالجذور المبكرة لتشكيل الدولة.

ويُحدد يوم التأسيس عام 1727 على أنه بداية الدولة السعودية الأولى على خلاف عام 1744، الذي كان يعتبر عام تأسيس المملكة انطلاقًا من التحالف بين "محمد بن سعود" و"محمد بن عبدالوهاب"، وهو التحالف الذي ساهم في توسع الدولة. ويبدو أن الهدف من "يوم التأسيس" هو تعديل السردية الوطنية بتقليص أهمية ذلك التحالف كنقطة انطلاق الدولة السعودية الأولى.

واستخدم قادة المملكة الإعلام لتعزيز السردية الجديدة، حيث اعتبر التركيز على عام 1744 أسطورة سياسية تتجاهل العديد من السنوات المهمة التي ساهمت في تشكيل الدولة. لذلك تنسب هذه السردية الجديدة الفضل فقط لدور "محمد بن سعود" في قيام الدولة الأولى. ويهدف الاحتفال بيوم التأسيس كذلك إلى فك الارتباط بالتصور السلبي عن الحركة الوهابية.

وبينما يُنظر إلى "يوم التأسيس" على أنه محاولة من قبل الدولة للنأي بنفسها عن الوهابية، فإن هذا لا يعني أن السردية الجديدة تهمش دور الدين ومركزيته في المملكة. ولا تزال السعودية تؤكد على أهمية التمسك بالتعاليم الإسلامية، وهو ما يتضح في الكتب المدرسية السعودية الجديدة التي تم تعديلها في عام 2019، حيث تستمر هذه الكتب في التأكيد على أهمية الولاء للقيادة من منظور ديني.

ومع ذلك، فإن هذه الكتب أيضًا تستعرض تاريخ السعودية فيما قبل العصر الإسلامي، وهو ما يتماشى مع تركيز المملكة حديثًا على تطوير المواقع التاريخية لاستهداف السياحة، بينما يتم في الوقت ذاته تعزيز التوجه الديني نحو ما يسمى "الإسلام المعتدل" كجزء من استراتيجية الدولة لتطوير صورتها.

يهدف يوم التأسيس أيضًا إلى تسليط الضوء على تاريخ المملكة وتقاليدها. وقد ركز الاحتفال الأول، في فبراير/شباط، على عرض تراث المملكة وتنوعها. ولعب السعوديون دورًا في السردية الجديدة حيث نزلوا إلى الشوارع ومراكز التسوق مرتدين الملابس التقليدية من مختلف أنحاء المملكة. وقد تم تسليط الضوء بشكل خاص على أزياء منطقة نجد، موطن الدرعية ومسقط رأس الدولة السعودية الأولى. وبالتالي، فإن الهدف من اليوم الوطني الإضافي هو الانتقال بتاريخ السعودية إلى ما هو أبعد من توحيد المملكة في القرن العشرين للتأكيد على عمقها التاريخي الذي يمتد إلى 300 عام.

وتعمل مؤسسات الدولة المختلفة في يوم التأسيس على تعزيز هذه السردية الوطنية الجديدة. وقد أصدرت لجنة الأزياء، التي تم إنشاؤها مؤخرًا، دليلًا للملابس التقليدية من مختلف مناطق المملكة الخمس. بالإضافة إلى ذلك، أعلنت وزارة الثقافة عن إطلاق برنامج منحة يوم التأسيس البحثي لدعم وتعزيز البحث الأكاديمي حول إنشاء الدولة السعودية الأولى.

ومع تحرك المملكة لتنويع اقتصادها بعيدًا عن النفط، أصبحت الاحتفالات الوطنية فرصة للحكومة لجلب إيرادات إضافية حيث أصدرت الهيئة العامة للترفيه برنامجًا مكثفًا من العروض والأنشطة في جميع أنحاء المملكة للاحتفال باليوم الوطني. تستضيف العلا - التي أصبحت إحدى الوجهات الرئيسية للسياحة في المملكة - مهرجانًا موسيقيًا يعرض المواهب المحلية. وفي السنوات الأخيرة، يتم الإعلان عن تخفيضات حصرية بمناسبة اليوم الوطني، ما حوّل الحدث إلى عطلة تجارية بقدر ما هو احتفال تاريخي.

وتسلط الفيديوهات والإعلانات الصادرة بمناسبة اليوم الوطني الضوء على مساهمة السعوديين في تنمية البلاد. ويتماشى ذلك مع "رؤية 2030" التي تهدف إلى إشراك المواطنين بشكل أكثر فاعلية في تحول البلاد. تعمل مؤسسات الدولة والشركات الخاصة على حد سواء على تعزيز السردية الوطنية من خلال الترويج لمقاطع فيديو وطنية على وسائل التواصل الاجتماعي.

ويركز أحد مقاطع الفيديو، الذي تم تداوله على نطاق واسع بواسطة هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية، على كيفية تأثير اختيار المنتجات المحلية على سلاسل التوريد وتعزيز الاقتصاد الوطني. وأصدرت هيئة السياحة مقطع فيديو احتفاءً بتحول البلاد والدور الذي لعبه المواطنون في هذه العملية. كما سلطت مقاطع أخرى للشركات الخاصة والمطاعم الضوء على الإنجازات الوطنية ومساهمات المواطنين في تنمية البلاد، بالإضافة إلى اعتزازهم بتراث السعودية وثقافتها.

وتعتبر التحركات الأخيرة للمملكة جزءًا من الاتجاه السائد في منطقة الخليج، حيث تعتبر الاحتفالات بالعيد الوطني مفتاحًا لتعزيز سردية الدولة. وتحتفل عدة دول خليجية بأكثر من يوم وطني أو إحياء لذكرى معينة. وعلى عكس السعودية، غالبًا ما ترتبط الأعياد الوطنية الخليجية بالاستقلال أو إحياء ذكرى حدث مأساوي حديث.

وفي فبراير/شباط، تحتفل الكويت في عيدها الوطني باستقلال البلاد عن الحكم البريطاني في عام 1961 وتولي "عبدالله السالم الصباح" العرش في عام 1950. ويتعلق يوم التحرير، في فبراير/شباط أيضًا، بنهاية الاحتلال العراقي في عام 1991. وبالمثل، تحتفل دولة الإمارات في ديسمبر/كانون الأول من كل عام بتحريرها من الحكم البريطاني. وفي عام 2015، أعلن الرئيس الراحل "خليفة بن زايد آل نهيان"، يوما آخر وهو "يوم الشهيد" في نوفمبر/تشرين الثاني من كل عام بعد أن فقد 45 جنديًا إماراتيًا حياتهم كجزء من الحملة العسكرية في اليمن.

ولم تقع السعودية تحت احتلال أوروبي على غرار الدول المجاورة لكي تحتفل بالاستقلال. ومع ذلك تهتم القيادة ،التي أضعفت دور رجال الدين وغيرت بشكل أساسي القاعدة الاجتماعية والاقتصادية للمملكة، بهذه الاحتفالات في ظل حاجتها لكسب زخم شعبي وتعزيز الشرعية.

لذلك أصبحت احتفالات اليوم الوطني فرصة مهمة لتعزيز السردية الجديدة ولتقوية النزعة الوطنية في البلاد.

المصدر | إيمان الحسين | معهد دول الخليج في واشنطن - ترجمة وتحرير الخليج الجديد

  كلمات مفتاحية

اليوم الوطني القومية السعودية يوم التأسيس الملك عبدالعزيز

السعودية تطلق برنامجا ضخما للاحتفال باليوم الوطني 92