مع غياب المعارضة.. انتخابات البحرين لا تحمل جديدا

السبت 12 نوفمبر 2022 04:31 م

"الانتخابات في البحرين تأتي مُفصلة على مقاسات النظام وعلى هواه، ووفق حسابات سياسية، متجاوزة بذلك إرادة المواطنين، ومجلية التمييز بينهم".

هكذا يمكن وصف الانتخابات التي شهدتها البحرين السبت، "وسط غياب تام للمعارضة بسبب القمع والعزل السياسي المقنن بقوانين رسمية، فضلا عن الانتهاكات الحقوقية" التي تشهدها البلاد، وفق ما ذكرت تقارير دولية.

الانتخابات في البحرين هي بمثابة إفراز حقيقي للأزمة السياسية التي تهيمن على البلاد، بما يجعل البرلمان سببا من أسباب استمرارها وليس حلا لها، بخلاف ما هو في الكويت القريبة حيث تُعدّ الانتخابات تصحيحا للمشهد السياسي، بخاصة الأخيرة التي وصل فيها المعارض "أحمد السعدون" من جديد إلى رئاسة مجلس الأمة.

وهكذا، يجد كثير من البحرينيين أن لا قيمة للانتخابات، وهو ما أكدته قوى المعارضة التي دعت إلى مقاطعتها، واعتبار التصويت مشاركة في إذلال "شعب واع ومتحضر ولا يُقاد قود الأبقار"، فضلا عن تبنيها وثيقة دستوريّة من أجل وضْع دستور جديد للبحرين.

وتوجّه البحرينيون، السبت، إلى صناديق الاقتراع لانتخاب مجلس نواب جديد؛ إذ يتنافس أكثر من 330 مرشحا، وهو عدد قياسي من المرشحين، من بينهم 73 امرأة للفوز بـ40 مقعدا، وسط غياب تام للمعارضة؛ ما يقلّل من حدة المنافسة السياسية في المملكة الخليجية الصغيرة.

أما الانتخابات البلدية، التي تعقد بالتزامن مع نظيرتها البرلمانية، فقد ترشح لها 192 مرشحا منهم 24 امرأة.

وعلى غرار انتخابات عام 2018، مُنعت مجموعتا المعارضة الرئيسيتان، وهما "جمعية الوفاق" الشيعية و"وعد" العلمانية من تقديم مرشحين؛ حيث جرى حل الأولى في 2016 والثانية في 2017.

وكان عدد المرشحين في انتخابات العام 2018 نحو 293 شخصا، من بينهم 41 امرأة.

وهذه ثالث انتخابات منذ انتفاضة 2011 حين شهدت البحرين، الواقعة بين السعودية وإيران، تظاهرات متزامنة مع تظاهرات الربيع العربي للمطالبة بملكية دستورية وإصلاحات سياسية أخرى، قمعتها السلطات.

ومنذ ذلك الحين، سجنت السلطات مئات المعارضين، بمن فيهم زعيم المعارضة الشيعية البارز الشيخ "علي سلمان" الذي ترأس جمعية "الوفاق"، وجرّدت العديد من جنسيتهم، فيما أعدمت آخرين.

ومنعت البحرين منذ 2018 أعضاء أحزاب المعارضة السياسية السابقة من الترشح للبرلمان، ومن الخدمة في مجالس إدارة المنظمات المدنية، بموجب ما يسمى قوانين "العزل السياسي والمدني"، وهو ما أكده إعلان منظمتي "هيومن رايتس ووتش" و"العفو الدولية" الحقوقيتين، نقلا عن شخصيات من المجتمع المدني البحريني.

ووفق تقديرات المعارضة، بلغ عدد المعزولين سياسياً قُرابة 100 ألف مواطن ترشُّحاً وانتخاباً، وكلّهم ينتمون إلى الجمعيات المعارِضة التي حلّتها الحكومة، وهو رقم لا يستهان به ضمن عدد سكّان البحرين، والبالغ بحسب إحصاء 1.7 مليون، نصفهم من الأجانب.

والمنع هنا مُخالف للصكوك والشرعة الأممية، عوضا عن دستور البلاد الذي يضمن حقوق المواطنين في المشاركة في إدارة الدولة عبر مُمثّليهم في المجالس المنتخَبة.

وتقول منظمة "رايتس ووتش"، في تقرير الشهر الماضي، إن الحكومة البحرينية تستخدم قوانين العزل السياسي وسلسلة من التكتيكات الأخرى لإبقاء النشطاء وأعضاء أحزاب المعارضة السابقين خارج المناصب العامة، وغيرها من جوانب الحياة العامة.

فيما تشير منظمة "العفو الدولية"، في تقرير أصدرته قبل أيام، إلى أن الانتخابات البحرينية ستنعقد في بيئة يسودها القمع السياسي، بعد مرور عقد ارتكبت السلطات خلاله انتهاكات لحقوق الإنسان، وفرضت القيود على المجتمع المدني، وحظرت أحزاب المُعارَضة السياسية، وأغلقت الإعلام المستقل.

يشار إلى أنه خلال الانتخابات البرلمانية في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، وهي أول انتخابات كانت قوانين العزل السياسي سارية خلالها، منعت وزارة العدل البحرينية ما لا يقل عن 12 شخصية معارضة سابقة من الترشح.

وحينها اعتقد كثيرون أنهم سيكونون ضحايا للقانون؛ فأعلنوا مقاطعة الانتخابات.

يقول عضو في إحدى جماعات المجتمع المدني البحريني (رفض الكشف عن هويته) إن "أكثر من 80% من الأعضاء لا يمكنهم الترشح للانتخابات؛ لأنهم كانوا إما في وعد أو الوفاق أو منظمة أخرى حلتها المحكمة".

كما تستخدم الحكومة البحرينية شكلا من أشكال العقوبات ضد شخصيات المعارضة الراغبة في الترشح، بحرمانهم من "شهادات حسن السيرة".

فيما يُتهم النظام البحريني بالسماح للعسكريين من "قوة دفاع البحرين"، ومنتسبي وزارة الداخلية والحرس الوطني، بالتصويت في الانتخابات، وهو ما يُسهّل توجيههم لصالح فئات مقرَّبة من النظام.

وحسب التقديرات، يصل عدد العسكريين إلى 59 ألفا في الكتلة الانتخابية.

ووفق تقارير المعارضة، اشتكى مترشّحون في مدينتي المحرق وحمد، من قيام جهات نافذة في الدولة بتوجيه قطاعات العسكريين للتصويت لمرشّحين محدَّدين في بعض الدوائر، بما يكشف قدرة النظام على رسم صورة البرلمان المقبل.

كما تستفيد السلطات، وفق المعارضين، من أعداد المجنسين الذين تمّ تجنيسهم لغايات سياسية، سواءً كانوا في البحرين أو في خارجها، والذين يبلغون عشرات الآلاف، وهذه الكتلة يتمّ توظيفها بسهولة.

في مقابل ذلك، تصر المنامة على أن "المملكة لا تتسامح مع التمييز أو الاضطهاد أو الترويج للانقسام على أساس العرق أو الثقافة أو المعتقد".

بل تتهم البحرين جارتها إيران بتدريب جماعات مسلحة من أجل إطاحة الحكومة، وهو اتهام تنفيه طهران.

من جانبه، يعتبر الناشط الحقوقي المقيم في بريطانيا "علي عبدالإمام" أن "هذه الانتخابات لن تدخل أي تغيير"، موضحا: "بدون المعارضة لن يكون لدينا بلد متعاف".

فيما تقول منظمة "العفو الدولية" إن الانتخابات تجري في "بيئة من القمع السياسي".

وتضيف نائبة المدير الإقليمي للمنظمة "آمنة القلالي": "في البحرين السبت، لا توجد معارضة سياسية حقيقية".

إلا أنها عادت لتقول: "انتخابات البحرين تعطي أملاً ضئيلاً في تحقيق نتائج أكثر حرية وعدالة مما كانت عليه في 2018".

بينما تشير الصحفية والكاتبة "لطيفة الحسيني" إلى أن "استحقاق الانتخابات في البحرين بات مسرحية هزلية تتكرّر كلّ 4 سنوات، يتم فيها استعراض البِدَع الانتخابية والدستورية التي لا تُسهم إلا في مزيد من الانتهاكات".

وتضيف: "عبر التجنيس والعسكريين والمال الانتخابي والنظام الانتخابي وإدارة تفاصيل العملية الانتخابية واللعب بالدوائر ومنع الرقابة، يَخيط النظام حُكمه".

وتضيف: "يختلق كذبة الشرعية الشعبية ويُصدّقها.. يُدير انتخاباتٍ يُنافس نفسه فيها".

وأمام ذلك، نظّمت كلٌّ من حركة "أحرار البحرين" و"ائتلاف الرابع عشر من فبراير/شباط" وحركة "الحريات والديموقراطية (حق)"، مؤتمراً في العاصمة البريطانية لندن الأسبوع الماضي، أكدت فيه استمرار النضال في البحرين من أجل "انتزاع الحق السياسي لشعب البحرين، وتمكينه من تقرير مصيره بإرادته الحرة".

وأوضحت الوثيقة التي حملت اسم "الإعلان الدستوري"، أنها "تُمثّل خريطة طريق وطنية، وتعبّر عن رؤية سياسية تحظى بقبول واسع من أطياف الشعب وقواه الحيّة".

وتضمنت الوثيقة 6 مواد أساسية، تؤكد عدم شرعية دستور 2002 وإفرازاته بما فيها الانتخابات التي شددت القوى المعارضة على مقاطعتها جملة وتفصيلاً.

كما تحدثت المادة (3) من الوثيقة عن مواصلة "القوى المعارضة مع أبناء الشعب العمل من أجل تهيئة الأرضية والأجواء المناسبة" في سبيل "إجراء انتخابات لمجلس تأسيسي" في ظروف عادلة ومستقلّة.

ويتولّى المجلس "صياغة دستور جديد للبحرين"، على أن يتم عرض الدستور على الاستفتاء الشعبي الحر، ويكون للدستور الجديد بعد نيل الموافقة الشعبية عليه "قوة ملزمة تنسخ ما قبله من دساتير".

وتتكون البحرين من جزيرة واحدة كبيرة وحوالى 34 جزيرة صغيرة تقع قبالة الساحل الشرقي للسعودية التي ترتبط بها من طريق جسر، وتبلغ مساحتها 700 كيلومتر مربع، وهي أصغر دولة في الشرق الأوسط.

وطبّعت البحرين العلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي في عام 2020، وهي تستضيف الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية مع حوالى 7800 جندي أمريكي منتشرين في البلاد.

وكانت بريطانيا قد افتتحت في أبريل/نيسان 2018 في البحرين أول قاعدة عسكرية دائمة لها في الشرق الأوسط منذ عام 1971، وذلك في جنوب المنامة، على أن تستضيف حوالى 300 جندي.

ومع تحصيل 80% من إيراداتها من النفط وعجز كبير في الميزانية، أعلنت المنامة في أكتوبر/تشرين الأول 2018 خطة إصلاح اقتصادي مدعومة بحزمة دعم بقيمة 10 مليارات دولار من حلفائها الخليجيين الرئيسيين.

المصدر | الخليج الجديد

  كلمات مفتاحية

البحرين انتخابات المعارضة أزمة سياسية انتخابات البحرين