مونديال قطر.. كيف تحول من عامل تباعد إلى سبب للتقارب بين دول الخليج؟

الخميس 17 نوفمبر 2022 12:00 م

بين حصار امتد لسنوات وصف بأنه "غيرة" من الحصول على حق استضافة المونديال، ودعوات لاحقة لسحب البطولة من قطر، وأخرى للمشاركة في التنظيم، تنطلق بطولة كأس العالم في قطر خلال أيام، وسط قطف دول الخليج ثمارا اقتصادية بعد التقارب والمصالحة مع قطر.

ويأتي انطلاق المونديال في 20 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، والخليج على أعتاب الاحتفال بالعام الثاني على إتمام المصالحة الخليجية، التي أبرِمَت في قمة العلا في 5 يناير/كانون الثاني 2021.

بطولة، يبدو أن دولاً خليجية عدة ستقطف ثمارها اقتصادياً وسياحياً، كالإمارات والسعودية، فيما تقف مملكة البحرين خارج المعادلة، بسبب علاقاتها المتوترة بالدوحة، حتى في ظل التفاؤل الكبير بالحل، خصوصاً في أعقاب اللقاء الذي جمع ملك البحرين "حمد بن عيسى آل خليفة" بأمير قطر الشيخ "تميم بن حمد آل ثاني"، على هامش مؤتمر قمة جدة للأمن والتنمية، الذي انعقد في يوليو/تموز الماضي.

مونديال تحت القصف

فمع انطلاق الحصار على قطر، شنت دول السعودية والإمارات والبحرين ومصر هجوما على الإنجاز الذي انتزعته الدوحة بعد تصويت "فيفا" بحقها في استضافة البطولة الأبرز في العالم 2022.

ووفق مراقبين وخبراء، فإن استهداف قطر كان مقصودا، وظهر في الرسائل المسربة لسفير الإمارات بواشنطن "يوسف العتيبة"، التي تضمنت التشكيك في فوز قطر بتنظيم هذه التظاهرة العالمية، حيث وصف "العتيبة" في إحدى رسائله "فيفا" وقطر بأنهما "رمزان للفساد".

وعلى الرغم من شن الهجوم على قطر، بأنها حصلت على حق الاستضافة عبر رشاوى، فقد أثبت "تقرير جارسيا" في إشارة إلى المحقق الأمريكي الاتحادي السابق "مايكل جارسيا"، الذي كتب تقريرا قبل 3 سنوات ونشر "فيفا" ملخصا عنه، براءة قطر من أي شبهات فساد.

وبعد الفشل في الترويج لهذه المزاعم، شحذت وسائل إعلام خليجية وقتها سكاكينها في محاولة لذبح "مونديال قطر" عبر نشر أنباء عن احتمال تأخر مشاريع البطولة وتجريدها من شرف استضافة المونديال ونقله إلى دول أخرى.

ولاحقا وتحديدا في 2019، تحولت الرياض وأبوظبي من الهجوم بشدة على مونديال قطر إلى مغازلة ظهرت بوضوح على السطح، في مسعى من العاصمتين الخليجيتين لاقتسامه مع الدوحة.

ولكن لاحقا، أعلن "فيفا" قدرة قطر على استضافة المونديال كاملا دون مشاركة من أحد.

بل خرج رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم "جياني إنفانتينو"، ليقول إن قطر ستقدم النسخة الأفضل في تاريخ كأس العالم، وتحدث عمّا وصفه بـ"الجاهزية المثالية" للحدث.

محطة بارزة

ولكن مع إنهاء الخلاف بين دول الحصار وقطر، واستعادة العلاقات من جديد، رأى الأمين العام للجنة العليا للمشاريع والإرث في قطر المسؤولة عن المونديال "حسن الذوادي"، أن استضافة الدوحة لفعاليات كأس العالم ستكون بمثابة "محطة بارزة في تاريخ البلاد، وستشكّل نقطة انطلاقة لتأسيس إرث تنعكس إيجابياته على المنطقة بأسرها".

ففي الوقت الذي سيصل ملايين المشجّعين إلى قطر لحضور كأس العالم، يرجّح أن تستفيد دول الخليج من هذا الحضور المليوني، وتحقّق الأرباح في قطاعات الفنادق والمطاعم، والنقل الداخلي.

وسوف تكون شركات الطيران مستفيدة كذلك، مع إعلان تسيير الطيران السعودي 40 رحلة يومية إلى الدوحة، وطيران فلاي دبي الإماراتي 60 رحلة يومياً، فيما أعلن الطيران العماني تسيير 48 رحلة والطيران الكويتي 20 رحلة، بينما تغيب شركة طيران الخليج البحرينية عن هذه الجدولة.

ويمكن للمسافرين من معظم دول مجلس التعاون الخليجي الوصول إلى مطار حمد الدولي في قطر في أقل من ساعة.

وقررت السعودية والإمارات منح مشجعي كأس العالم في قطر من حاملي بطاقة "هيّا" تأشيرات متعددة لدخول أراضيها، حيث تتطلع الدولتان المجاورتان لجني الفوائد منذ ذلك، كما يقول موقع "المونتور" الأمريكي.

وجرى تخصيص فندق بُنِيَ حديثاً فوق جزيرة النخلة الاصطناعية لاستضافة الزوار الذين يخططون للإقامة في دبي، واستقلال الطائرة إلى الدوحة في رحلة ذات إجراءات مبسطة تمتد لمدة 40 دقيقة.

وستقيم السعودية وعُمان مهرجانات لجذب المشجعين، مع خطط لتسهيل إجراءات السفر؛ إذ قالت الهيئة السعودية للسياحة إنها تتوقع زيادة في أعداد الزوار المرتبطين بكأس العالم، كما يُمكن لحاملي بطاقة "هيا" للمشجعين أن يطلبوا الحصول على تأشيرات دخول متعددة إلى المملكة.

بينما قالت وزارة التراث والسياحة العُمانية إن البطولة "سترفع من شأن العديد من الوجهات الإقليمية"، وسيكون لها تأثيرٌ اقتصادي يتجاوز الحدث نفسه.

وسبق أن رحب الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" وقطر بالمكاسب السياحية التي ستتدفق على المنطقة.

ومع ازدحام جدول دوري المجموعات، تستعد قطر ودول الخليج لأكثر مواسم السياحة الشتوية ازدحاماً في تاريخها.

ووفقاً لتقرير صادر عن شركة "Statista" الألمانية المتخصصة في بيانات السوق والمستهلكين، تمتلك السعودية حوالي 600 ألف غرفة لاستقبال السياح، فيما تمتلك الإمارات أكثر من 180 ألف غرفة فندقية.

كما يمكن لـ9 منتجعات و11 فندقاً من فئة الخمس نجوم في الكويت المجاورة أن تجعلها أيضاً وجهة للمشجعين الذين لا يريدون لا يستطيعون الإقامة في قطر.

حتى إيران تتوقع طفرة في السياحة خلال المونديال، وقد توصلت إلى سلسلة من الاتفاقيات مع قطر لاستضافة مشجعي كرة القدم.

ومن خلال إبرام صفقة لربط منطقة معلومات الطيران بالدوحة (FIR) بمنطقة معلومات الطيران بطهران، تأمل طهران في زيادة الإقبال السياحي على جزيرة كيش المرجانية، على بعد 40 دقيقة بالطائرة من الدوحة، بالإضافة إلى جزر ومدن أخرى في محافظة هرمزجان الجنوبية.

بالإضافة إلى ذلك، سيتم افتتاح خط سياحي بحري بين ميناء بوشهر في إيران وميناء حمد في قطر خلال المونديال.

ورغم كل هذه الاستفادات، فيبدو أن البحرين قد فوتت الفرصة، لا سيما في قطاعي الضيافة والسياحة.

وكانت العلاقات بين البحرين وقطر متوترة في السنوات الأخيرة وانهارت تماماً في يونيو/حزيران 2017 في أعقاب الأزمة الدبلوماسية الخليجية؛ حين انضمت البحرين لدول الحصار.

ولكن مع إعلان حل الأزمة، تحسنت علاقات قطر مع مصر والسعودية، وبدرجة أقل مع الإمارات، لكن على الرغم من ذلك، لم يكن هناك إصلاح حقيقي للعلاقات بين الدوحة والمنامة.

يعود ذلك إلى أسباب أعمق من الظاهر، فعلى الرغم من اتفاق العلا، استمرت البحرين في الضغط الإعلامي المحلي على الدوحة، وهو ما لم يحفز الأخيرة على فتح صفحة جديدة.

منافع متبادلة

من جانبه، يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة قطر "علي الهيل" أن "العائدات النفسية والمعنوية والسمعة الدولية أهم بكثير مما أُنفق مادياً على هذا المونديال"، مؤكداً أن الدوحة حريصة على استفادة دول الخليج من عائدات الحدث الرياضي العالمي، خصوصاً في أعقاب المصالحة الخليجية.

وأوضح أن الإمارات والمنطقة الشرقية من السعودية ستستفيدان فعلاً، "وهذا أمر يفرحنا، ونحن نريد أن نشرك الجميع في هذه الفرحة الكبرى"، على حد تعبيره.

وعن البحرين، قال "الهيل"، إنها "لم تُبدِ أي رغبة في أن تكون جزءاً من المونديال، أي أنها استثنت نفسها من العائدات".

ولفت إلى عدم استجابة المنامة على نحو فعّال لاتفاق العلا، وقال: "بل واصلت كيل الاتهامات وفبركة الأخبار بما يؤجج الخلاف، فضلاً عن خروجها عن الأعراف الدبلوماسية الدولية والإقليمية، وطلبها إلى قطر أن ترسل وفداً إلى المنامة ليفاوضها في النقاط العالقة، مع أن اتفاق العلا تجاوز ما قبله ولم تعد ثمة نقاط عالقة".

من جانبه، يتوقع الخبير الاقتصادي اللبناني "حسين إبراهيم"، أن تكون "الإمارات تحديداً (بعد قطر) أكبر المستفيدين، في ظل عدم وجود قيود فيها على السلوك الشخصي، وهذا يهم القادمين من الغرب، ومن الدول غير المحافظة، إضافة إلى كون مطاراتها أكثر تجهيزاً من غيرها في الخليج".

أما عن السعودية، فيرى "إبراهيم" أنه "بات هناك نوع من تخفيف القيود على التصرفات الشخصية، وهذا أيضاً يجعل القادمين يتستفيدون من الفنادق، خصوصاً أن لدى السعودية معبراً برياً مع قطر".

وأكد أنه كان يمكن للدول المجاورة أن تستفيد أكثر من المونديال لولا امتلاك قطر الإمكانيات الهائلة التي جعلتها في فترة زمنية قياسية تُكمل بناها التحتية لاستقبال حدث من هذا النوع.

المصدر | الخليج الجديد

  كلمات مفتاحية

قطر الحصار دول الخليج دول الجوار البحرين مونديال قطر