هل تودع قطر عصر المشاريع العملاقة بعد انتهاء مونديال 2022؟

الجمعة 25 نوفمبر 2022 03:09 م

في 19 ديسمبر/كانون الأول المقبل، أي بعد يوم من انتهاء كأس العالم، ستبدأ قطر في مواجهة السؤال الصعب المتعلق باستثمار هذه البنية التحتية التي أنشأتها على مدى 12 عاما من العناء بما في ذلك فترة الحصار الصعبة.

ويمكن أن تثبت الأشهر والسنوات المقبلة أن استثمارات قطر في كأس العالم كانت ذروة عصر المشاريع العملاقة الناجحة التي دفعت البلاد نحو الحداثة. وبينما تستعد قطر للرحلة إلى الجانب الآخر من تلك الذروة، من المرجح أن تركز التنمية المحلية على الأمور العادية بدلاً من المذهلة.

لطالما كانت المشاريع العملاقة ركيزة أساسية لنماذج التنمية في دول الخليج العربي على مدى عقود. وكان لبعضها أهداف اقتصادية واضحة مرتبطة به، كما في حالة ميناء جبل علي في دبي، والذي تم بناؤه في الثمانينات لتحويل اقتصاد الإمارة الناشئ نحو النقل. لكن بعض المشاريع الأخرى كان هدفها جذب الانتباه فقط مثل برج خليفة (أطول مبنى في العالم) وفندق برج العرب المكون من 60 طابقًا في دبي.

وتحاول السعودية مؤخرا الانخراط في استراتيجية المشاريع العملاقة وهو ما يتجلى في مشروع نيوم شمال غربي المملكة بتكلفة تقدر بـ500 مليار دولار.

وبالرغم أن مثل هذه المشاريع العملاقة موجودة في مناطق أخرى من العالم، لكن النمط الذي يتم من خلاله اختيار المشاريع العملاقة في الخليج مختلف بسبب تاريخ المنطقة وطبيعة اقتصاداتها وأنظمتها السياسية، حيث يجري تبني المشاريع العملاقة في الخليج أولاً للتغلب على السمعة التاريخية عن المنطقة باعتبارها صحراء فارغة بدون مدن. لذلك يجري التركيز على أوصاف معينة مثل أطول برج في العالم أو أسرع قطار أفعواني في العالم.

وفي الغالب تكون مثل هذه المشاريع مدعومة ضمنيًا أو بشكل صريح من الدولة. وحتى عندما تواجه بعضها مشاكل - مثل ما حدث مع برج خليفة خلال الأزمة المالية 2008-2009 - تسارع الحكومات في تقديم عمليات الإنقاذ لتجنب الإحراج الناجم عن الانهيار الكامل للمشروع.

وفي منطقة الخليج، تعتمد هذه المشاريع العملاقة أيضًا على ارتباطها بأنظمة الحكم والعائلات المالكة، على سبيل المثال وضعت عائلة "آل ثاني" في قطر سمعتها على المحك أمام اكتمال البنية التحتية لكأس العالم بغض النظر عن التكلفة.

ويفسر ما سبق أولا رغبة قطر في تنظيم بطولة عالمية بحجم كأس العالم لكرة القدم وثانيا نجاحها في التحضير للبطولة. وستضع البطولة البلاد على الخريطة بطريقة استثنائية فيما لا يوجد مانع مالي نتيجة الاحتياطيات الهائلة المدفوعة بثروة الغاز الطبيعي.

وعادة لا تخشى أنظمة الخليج من رد فعل سياسي معاكس على المستوى المحلي. ومثل دور برج العرب في خلق طلب على السفر إلى الإمارات، تهدف استضافة قطر للمونديال إلى خلق الطلب بدلاً من تلبيته.

ولتحقيق هذه الغاية، أنفقت قطر حوالي 229 مليار دولار خلال مسيرة تحضير البلاد للمونديال، ما يجعل النسخة الحالية من كأس العالم هي الأغلى في التاريخ. وبالنسبة لقطر التي يزداد الطلب على احتياطياتها الهائلة من الغاز الطبيعي بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، فإن مثل هذه التكلفة مقبولة إذا كانت النتيجة النهائية هي زيادة قوتها الناعمة.

وتثير التكلفة المرتفعة لكأس العالم الدهشة بالفعل، ويتساءل البعض إلى أي مدى ستتمكن حكومات الخليج العربي الثرية من الاستمرار في دعم مثل هذه المشاريع إذا كانت عوائدها الاقتصادية منخفضة أو غير ملموسة أو تصرف الانتباه عن النمو الاقتصادي الضروري الآخر.

وفي قطر، سيطر كأس العالم على البنية التحتية في الدوحة لأكثر من عقد من الزمان. وتم توجيه اهتمام أقل إلى العناصر الأخرى التي تشتد الحاجة إليها للنمو الاقتصادي طويل الأجل، مثل التعليم والإسكان منخفض التكلفة وحتى مناطق الجذب السياحي.

وتظهر مشاكل مماثلة في المشاريع العملاقة في مناطق أخرى من الخليج العربي، فبرغم تكلفة نيوم الفلكية، فإن المشاريع والاستثمارات الأخرى الضرورية، مثل تحسين إدارة المرور في الرياض أو توفير المساكن بأسعار معقولة في مدن رئيسية مثل جدة، تعاني من تأخيرات وعدم الاهتمام.

وحتى إذا تم بناء البنية التحتية لنيوم (وهو احتمال مشكوك فيه نظرًا للعقبات التقنية الحالية)، فمن غير الواضح ما إذا كانت المدينة ستوفر الفوائد الاقتصادية أو الديموغرافية أو السياسية التي تروج لها الحكومة السعودية.

وفي الواقع، فإن تاريخ المدن التي تبنيها الدول حافل بأمثلة على العائدات الضئيلة أو البطيئة، فالأجزاء التي خططت لها الدولة في العاصمة البرازيلية برازيليا، على سبيل المثال، لم تصل قط إلى 500 ألف ساكن كانت الحكومة تستهدفهم في الستينات.

في غضون ذلك، تكافح السعودية في الدفاع عن قابلية بقاء مشروع نيوم في الوقت الذي تشير فيه التغطية الصحفية إلى أن المشروع متأخر عن موعده، وأن الحكومة السعودية استخدمت القوة الغاشمة لتهجير القبائل المحلية التي عاشت في المنطقة لفترة طويلة.

في هذه الأثناء، تحاول دبي إحياء مشاريع الجزر الاصطناعية العملاقة، التي تم تجميدها منذ عام 2010، مع استئناف البناء في جزر دبي وجزيرة نخلة جبل علي. وقد يكون ذلك انعكاسا لسوق العقارات الساخنة. على الأقل هنا الطلب موجود قوي بالفعل وليس سيتم خلقه في المستقبل.

ومع ذلك، لا يزال هناك سؤال مفتوح حول عدد الجزر التي يمكن أن تدعمها دبي؛ ففي حين كانت جزيرة نخلة جميرا الأولى فريدة من نوعها عندما تم افتتاحها في عام 2006، هناك الآن نخلة جبل علي التي لا تزال فارغة، وجزيرة اللؤلؤة في قطر، ودرة البحرين والعديد من الجزر الاصطناعية المخطط لها في السعودية على ساحل البحر الأحمر. وكل هذه الجزر متشابهة في وسائل الراحة.

ثم هناك سؤال حول إمكانية استضافة أحداث عالمية كبيرة لاستثمار البنية التحتية التي يتم بناؤها. ولم تخف قطر أبدًا طموحها في استضافة دورة الألعاب الأولمبية الصيفية، ولكن مع كل الجدل الدائر حول كأس العالم جنبًا إلى جنب مع صعوبة أشهر الصيف في قطر، من غير المرجح أن تفوز الدوحة -أو أي دولة خليجية عربية أخرى- بهذه الجائزة في أي وقت.

وقد تحاول قطر استضافة نهائيات كأس العالم مرة أخرى لاستثمار ملاعبها الحديثة وبنيتها التحتية، ولكن سيكون عام 2030 هو أقرب موعد لمثل هذه المحاولات وذلك فضلا عن المنافسة الشديدة التي ستواجهها قطر من دول أخرى تحاول ترك بصمتها في اللعبة.

بالإضافة إلى ذلك، من غير المرجح أن يسمح الفيفا باستضافة الدوحة مرة أخرى مع الأخذ في الاعتبار استراتيجية المؤسسة المتمثلة في تنويع جغرافية البطولة.

ويبدو أن قطر تدرك أنها تودع بالفعل عصر المشاريع العملاقة بعد أن نجحت في بناء سمعتها العالمية. وبعد انتهاء المونديال، لن تكون هناك مشاريع ناطحات سحاب جديدة أو جزر اصطناعية لافتة للنظر في أفق التنمية في قطر، فقط سيجري الانتهاء من مشاريع البنية التحتية التي بدأت مثل استكمال مترو الأنفاق.

وسيمكن ذلك البلاد من الاستثمار بشكل أكبر في جوانب أخرى تشتد الحاجة إليها مثل التعليم العالي.

ويبدو أن الإمارات المجاورة تفعل الشيء نفسه من خلال التلميح إلى أنها تخطط لإنهاء بعض المشاريع المحتضرة التي بدأت في بنائها منذ عقد، مثل نخلة جبل علي، بدلاً من ضخ الأموال في المزيد من المشاريع العملاقة.

وإجمالا، فقد نجحت الإمارات وقطر في تأسيس سمعتها العالمية كمراكز اقتصادية وتجارية. ومن غير المرجح أن يضيف مشروع عملاق جديد الكثير لتلك السمعة. وفي السنوات القادمة، يبدو أن قطر ستركز على التنويع عبر المشاريع العادية وليس المشاريع العملاقة.

المصدر | ستراتفور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد

  كلمات مفتاحية

كأس العالم الخليج المشاريع الكبرى نخيل جبل علي نيوم مونديال قطر 2022 المشاريع العملاقة نخلة جبل علي

تعثر في مشروعات رأس الخيمة تؤخرها في سباق اللحاق بدبي وأبوظبي